الاعتماد على الأسواق يؤدي إلى الاحتكار

في غياب التدخل الحكومي فإن الاعتماد على الأسواق الحرة يمكن أن يؤدي إلى نشوء وضع يتسم بأن عدداً قليلاً من الشركات الكبرى هي التي تبيع كل شيء. الأسواق بطبيعة الحال تؤدي إلى نشوء احتكارات، على اعتبار أن المنتجين الهامشيين أو الصغار يتعرضون للاستحواذ عليهم بصورة قسرية من قبل شركات لا هَمَّ لها إلا تحقيق أرباحها الخاصة، في حين أن الحكومات مدفوعة لتحقيق المصلحة العامة وستتدخل للحد من نشوء الاحتكارات. تستطيع الحكومات (وهي تقوم بذلك بصورة تفوق الحد)  أن تعطي الاحتكارات إلى أشخاص أو جماعات من الذين تتحيز لهم وتحابيهم، أي أنها تحول بين الآخرين وبين دخولهم إلى السوق والتنافس على التعاملات التجارية مع الزبائن. فهذا هو ما يعنيه الاحتكار. وربما يمنَح الاحتكار إلى إحدى الجهات الحكومية نفسها (كما هي الحال في الخدمات البريدية التي هي حِكر على الدولة في كثير من البلدان)، أو ربما تُمنَح إلى من تحابيهم الحكومات من الشركات أو العائلات أو الأشخاص. هل تشجع الأسواق الحرة على نشوء الاحتكارات؟ ليس هناك سبب يُذكر أو سبب مقنع يجعلنا نرى ذلك، وهناك كثير من الأسباب التي تجعلنا لا نرى ذلك. تقوم الأسواق الحرة على حرية الأشخاص في دخول السوق، والخروج منها، وعلى تعاملات الشراء أو البيع مع أي شخص يريدون. وحين تحقق الشركات التي تتمتع بحرية الدخول إلى السوق، حين تحقق أرباحاً فوق المتوسط، فإن هذه الأرباح تجتذب الشركات المنافسة للتنافس على هذه الأرباح واقتناصها. نقرأ في بعض الكتب والدراسات الاقتصادية تحليلاً لمواقف عرضية مشروطة تفترض أن بعض الظروف في السوق يمكن أن تؤدي إلى نشوء احتكارات وامتيازات متواصلة لموارد معينة تتسم بتحقيق دخل يفوق “تكلفة الفرق بين فرصتين”، بمعنى تحقيق دخل يفوق ما يمكن تحقيقه عن طريق الاستخدامات الأخرى للسلع أو الخدمات.[1] ولكن من الصعب تماماً العثور على حالات ملموسة، إلا في حالات ليست بذات بال نسبياً، مثل الحصول على ملكية مواد فريدة (على سبيل المثال امتلاك لوحة للفنان رامبرانت). بالمقابل فإن السجل التاريخي مليء تماماً بأمثلة على قيام الحكومات بمنح امتيازات خاصة للمؤيدين لها.  إن حرية دخول السوق وحرية الاختيار في الشراء من الجهة التي نريد، من شأنها تشجيع مصالح المستهلكين من خلال الإتلاف التدريجي لهذه الاحتكارات والامتيازات المؤقتة التي يمكن أن يتمتع بها أول من يعرض هذه السلعة أو الخدمة. بالمقابل فإن تخويل الحكوماتِ الصلاحيةَ لتقرير من يستطيع أو لا يستطيع عرض السلع والخدمات، هذا التخويل هو ما يؤدي إلى خلق الاحتكارات (أي الاحتكارات الفعلية المعروفة تاريخياً) التي من شأنها الإضرار بالمستهلكين وتقييد ما لدى بني الإنسان من حرية القوى المنتجة التي يقوم عليها تحسين أحوال البشر. لو أن الأسواق تؤدي بصورة روتينية إلى نشوء الاحتكارات فإننا لن نتوقع رؤية هذا العدد الكبير من الناس الذين يذهبون إلى الحكومات في سبيل منحهم احتكارات معينة على حساب منافسيهم وزبائنهم الذين لا يتمتعون بما لديهم من سلطة. لماذا؟ لأنه في هذه الحالة سيكون بإمكانهم الحصول على ما يرغبون من احتكارات عن طريق السوق.  يجدر بنا أن نتذكر دائماً أن الحكومات نفسها تسعى لممارسة الاحتكار، ذلك لأن من السمات التعريفية الأساسية للحكومة هو أنها تحتكر ممارسة السلطة في منطقة جغرافية معينة. فلماذا يجدر بنا أن نتوقع أن الاحتكار الحكومي الذي من هذا القبيل هو أكثر مودة تجاه المنافسة من السوق نفسها، التي تعتبر سمتها التعريفية الأساسية هي حرية المنافسة؟


[1] المقصود بذلك هو الحصول على احتكار يهدف إلى تحقيق أرباح عالية  تفوق ما يمكن تحقيقه من فرص بديلة. كمثال على ذلك: لنفرض أن لديك مبلغاً معيناً من المال استخدمتَه لشراء سلعة معينة ثم بعتَها بربح مقداره 10 دولارات. حين قمتَ بذلك فإنك أضعتَ على نفسك “فرصة”  شراء سلعة أخرى بالثمن نفسه وبيعها بربح مقداره 15 دولاراً. في هذه الحالة فإن “التكلفة” التي تكبَّدْتَها تبلغ 5 دولارات. لكن حين يكون بإمكانك احتكار السلعة الثانية وبيعها بسعر حتى أعلى من السعر المذكور، فإنك بذلك تحقق  بصورة متواصلة ربحاً يفوق “تكلفة الفرصة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018