لا تنجح الأسواق في عملها إلا حين يقوم عدد لا نهائي من الأشخاص تتوفر لديهم المعلومات التامة بالتبادل التجاري لسلع متشابهة لا تمييز بينه

كفاءة السوق، التي يتم من خلالها رفع الناتج إلى أقصى حد ممكن وتخفيض الأرباح إلى أدنى حد ممكن، تتطلب أن لا تكون أية جهة مختصةً بتحديد الأسعار، بمعنى ألا يعمل أي مشترٍ أو بائع، حين يدخل السوق أو يخرج منها، في التأثير على السعر. في سوق تنافسية على نحو تام ليس بمقدور أي مشتر أو بائع بعينه أن يكون له أي تأثير على الأسعار. فالمنتجات تكون كلها متجانسة، والمعلومات حول المنتجات والأسعار تكون مجانية. ولكن الأسواق الحقيقية لا تكون تنافسية على نحو تام، وهذا هو السبب في أنه يتعين على الحكومة أن تتدخل لتصويب الأوضاع. النماذج المجردة للتفاعل الاقتصادي يمكن أن تكون مفيدة، ولكن حين تُحقَن النماذج النظرية المجردة بمصطلحات مشحونة بالجوانب المعيارية (مثل كلمة “تام”) فإن من الممكن أن يتسبب ذلك بإحداث قدر عظيم من الضرر. إذا كان هناك وضع معين للسوق يعّرَّف على أنه المنافسة “التامة” فإن أي وضع آخر سيكون “ناقصاً” وبحاجة إلى التحسين، على يد جهة أو هيئة يُفترَض أنها تأتي من خارج السوق. والواقع أن المنافسة “التامة” لا تزيد على كونها أنموذجاً عقلياً نستطيع عن طريقه اشتقاق حقائق مهمة معينة، من قبيل دور الأرباح في توجيه الموارد (حين تكون الموارد أعلى من المتوسط يعمل المتنافسون على تحويل ونقل هذه الموارد لزيادة العرض وتخفيض الأسعار وتقليص الأرباح)، ومن قبيل دور اللُبس في تحديد الطلب على الاحتفاظ بالأموال النقدية (على اعتبار أنه إذا كانت المعلومات مجانية لا تكلف شيئاً فإن كل شخص سيستثمر جميع أمواله ويرتب الأمر على نحو يتم فيه الحصول على النقد في اللحظة ذاتها التي يحتاج فيها للقيام بالاستثمارات، وهي حقيقة نستطيع أن نستدل منها أن وجود الأموال النقدية هو سمة من سمات الافتقار إلى المعلومات). لا تصلح المنافسة “التامة” لتكون دليلاً على كيفية تحسين عمل الأسواق، لأن هذا التعبير هو مصطلح اختير على نحو غير مناسب لوصف أنموذج عقلي للعمليات السوقية، وهو أنموذج ينشأ من تجريد العالم الحقيقي للأوضاع التنافسية. حتى تكون الدولة هي العامل الذي يمكن أن يحرك الأسواق للوصول إلى الوضع “التام” الذي من هذا القبيل، فإننا سنتوقع أنها ستكون هي كذلك نتاجاً للسياسات الديمقراطية “التامة”، التي نرى فيها أن عدداً لا نهائياَ من الناخبين والمرشحين ليس لهم اثر فردي على السياسات، وتكون جميع السياسات متجانسة، وتكون المعلومات حول تكاليف ومنافع السياسات هي معلومات مجانية لا تكلف شيئاً. وهذا الوضع بالتأكيد لا وجود له أبداً. إن المنهج العلمي المتبع في انتقاء خيار من بين عدد من خيارات السياسة يقتضي أن تُتَّخَذ قرارات الاختيار من بين خيارات متاحة بالفعل. من هذا الجانب فإن كلاً من الخيارات السياسية والخيارات السوقية تعتبر “غير تامة” في جميع الطريق المذكورة آنفاً، وبالتالي فإن الاختيار ينبغي أن يتم على أساس المقارنة بين العمليات السوقية الفعلية والعمليات السياسية الفعلية (وليس “التامة”). الأسواق الفعلية توَلِّد عدداً لا يحصى من سبل تأمين المعلومات وتوليد تعاون مفيد للجميع بين المشاركين في السوق. تقدم الأسواق الإطار الذي يتحرك فيه الناس لاكتشاف المعلومات، بما في ذلك أشكال التعاون. فالإعلان ومكاتب الائتمان والسمعة وبورصات السلع وبورصات الأسهم ومجالس الترخيص وكثير غيرها من المؤسسات تنشأ ضمن الأسواق بهدف تسهيل التعاون النافع لجميع الأطراف. وبدلاً من التخلي عن الأسواق لأنها غير تامة، يجدر بنا أن نبحث عن المزيد من السبل الهادفة إلى استخدام السوق لتحسين الوضع المنقوص لرفاهية الإنسان. أخيراً فإن من الأفضل أن نفهم التنافس، ليس على أنه حالة من حالات السوق، وإنما كعملية من السلوك التنافسي. حين يكون أصحاب المشاريع أحراراً في الدخول إلى السوق للتنافس مع الآخرين، ويكون الزبائن أحراراً في الاختيار من بين الشركات المنتجة، فإن التنافس بين الشركات المنتجة على أعمال الزبائن يؤدي إلى سلوك مرغوب من قبل هؤلاء الزبائن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018