ليس بمقدور الأسواق إنتاج سلع عامة (جماعية)

حين آكل تفاحة، لا يعود بمقدورك أن تأكلها. استهلاك التفاحة إذن يعتبر سلوكاً تنافسياً خالصاً. إذا كنت أريدُ عرض أحد الأفلام ولا أريد أن يراه الآخرون، لا بد لي من إنفاق المال لبناء جدران بهدف إبعاد الأشخاص الذين لا يريدون دفع المال (مقابل مشاهدة الفلم). بعض السلع، إذا كانت غير تنافسية ويعتبر استبعادها مكلفاً، لا يمكن إنتاجها في الأسواق، على اعتبار أن كل شخص لديه حافز يدفعه للانتظار إلى أن يقوم الآخرون بإنتاجها. إذا قمتَ بإنتاج وحدة من سلعة معينة، فإن بإمكاني استهلاكها بسهولة، لذلك لن يكون لديّ حافز لإنتاجها. الشيء نفسه ينطبق عليك. إن “عمومية” السلع التي من هذا القبيل تتطلب قيام الدولة بالتزويد والتخصيص، باعتبارها السبيل الوحيدة لتزويدها. السلع التي من هذا القبيل لا تشتمل فقط على تأمين الدفاع وتأمين النظام القانوني، وإنما تشتمل كذلك على التعليم والنقل والرعاية الصحية وكثير غيرها من السلع التي من هذا القبيل. لا يمكن أبداً الاعتماد على الأسواق في سبيل إنتاج السلع التي من هذا القبيل، لأن الذين لا يدفعون مالاً مقابلها سيحصلون على “توصيلة مجانية” على ظهر الذين يدفعون مقابلها. وحيث أن كل شخص يمكن في هذه الحالة أن يصبح “راكباً” بالمجان فلن يكون هناك من يرغب في الدفع. وبالتالي نفهم من ذلك أن الحكومة فقط هي الجهة التي تستطيع إنتاج السلع التي من هذا القبيل. حجة “السلع العامة” التي تُستخدَم لتسويغ تدخل الدولة هي واحدة من أكثر الحجج التي يساء استخدامها في الجدل الاقتصادي. إن كون السلع تنافسية أم غير تنافسية من حيث الاستهلاك هو في الغالب أمر ليس سمة كامنة في السلعة نفسها، وإنما هو سمة لحجم المجموعة المستهلِكة. بركة السباحة ربما لا تكون تنافسية إذا أراد السباحة فيها شخصان (في الوقت نفسه)، ولكنها تكون تنافسية تماماً بالنسبة لمائتي شخص. ثم إن تكاليف الاستبعاد تنطبق على جميع السلع، العامة والخاصة. إذا كنت أريد أن أمنعك من أن تأكل التفاح الموجود في مزرعتي، ربما يتعين عليّ أن أتخذ إجراءً معيناً لحماية التفاح، كأن أبني سياجاً حول المزرعة.  كثير من السلع التي لا تكون تنافسية من حيث الاستهلاك، مثل لعبة كرة القدم للمحترفين (إذا كنت تتفرج على لعبة كرة القدم فإن هذا لا يعني أن غيرك لا يستطيع التفرج عليها كذلك)، هذه السلع لا يتم إنتاجها إلا لأن أصحاب المشاريع يستثمرون في السبل التي تستبعد الأشخاص الذين لا يدفعون مالاً مقابلها. إن “العمومية” المزعومة لكثير من السلع، إلى جانب أنها ليست سمة كامنة في السلع بحد ذاتها، إنما هي سمة للقرار السياسي الذي يجعل السلع متاحة على أساس غير استبعاديّ وحتى على أساس غير سعريّ. إذا كانت الدولة تنتج “طرقاً عامة” فإن من الصعب أن نرى كيف أن المشاريع الخاصة يمكن أن تنتج “طرقاً عامة”، أي النقل دون رسوم مرور، على نحو يتسم بالقدرة على التنافس. لكن لاحظ أن الطريق العام “المجاني” ليس مجاناً من الناحية الفعلية، على اعتبار أنه يتم تمويله من خلال الضرائب (التي تتسم بشكل قاس تماماً من أشكال الاستبعاد من المتعة، وهو شكل نعرفه باسم “السجن”). لاحظ كذلك أن الافتقار إلى التسعير هو السبب الرئيسي وراء أنماط الاستخدام التي تفتقر إلى الكفاءة (مثل الاختناقات المرورية)، التي هي علامة على الافتقار إلى أية آلية تعمل على تخصيص الموارد النادرة (وهي في هذه الحالة المساحة المتوفرة لحركة المرور) وتوجيهها نحو أكثر الاستخدامات قيمة. والواقع أن الاتجاه العام في مختلف أنحاء العالم يسير نحو فرض رسوم على استخدام الطرق، وهو أمر من شأنه توجيه ضربة قوية إلى فكرة أن تقوم الدولة بتأمين الطرق باستخدام حجة السلع العامة. كثير من السلع التي يُزعَم أن من المستحيل تأمينها في الأسواق إنما كانت تُقدَّم منذ زمن، أو أنها تُقدَّم الآن، من خلال آليات السوق، وهي سلع تتراوح من المنارات إلى التعليم إلى المحافظة على النظام إلى المواصلات، وهو أمر يشير إلى أن الاتكاء الشائع على العمومية المزعومة أمر ليس له مبرر، أو على الأقل أمر مبالغ فيه. هناك شكل شائع من هذه الحجة التي تزعم أن سلعاً معيناً لا يمكن إنتاجها إلا من خلال تدَخُّلِ الدولة، يقول إن هناك أموراً “جانبية” أو عرضية لا يتم التعاقد بشأنها من خلال آليات الأسعار. مثال ذلك أن التعليم على نطاق واسع ينتج منافع عامة تفوق المنافع التي يحصل عليها الأشخاص الذين يتلقون التعليم، وهذا يبرر (حسب الزعم) قيام الدولة بتأمين التعليم وتمويله من خلال الإيرادات الضريبية العامة. لكن رغم المنافع التي يحصل عليها الآخرون، والتي ربما تكون كبيرة أو صغيرة، فإن المنافع التي تعود على الأشخاص المتعلمين هي بالنسبة إليهم  تبلغ من الكبر حداً يحفزهم للقيام باستثمارات كافية في التعليم. المنافع العامة لا تؤدي دائماً إلى هروب الراكبين بالمجان (أي الذين يريدون الحصول على منافع دون بذل أي مجهود). والواقع، كما يتبين لنا من العدد الكبير من الأبحاث اليوم، أنه حين تحتكر الدولةُ التعليمَ فإنها غالباً ما تخفق في إعطائه لأفقر الفقراء، الذين يدركون مع ذلك منافع التعليم ويستثمرون نسبة مئوية لا يستهان بها من دخلهم الضئيل لتعليم أبنائهم. بصرف النظر عن الأمور الجانبية أو العرضية التي تنتج عن تعليم أبناء هؤلاء الفقراء، فإن هذا لا يمنعهم من دفع أموالهم الخاصة للحصول على التعليم لأبنائهم. أخيراً ينبغي لنا أن نتذكر أن كل حجة تقريباً تزعم استحالة الإنتاج ذي الكفاءة للسلع العامة من خلال السوق، تنطبق بالقوة نفسها على الأقل، وفي كثير من الحالات تنطبق بدرجة أقوى بكثير، على إمكانية قيام الدولة بإنتاج سلع عامة. إن وجود وتشغيل دولة عادلة يحكمها القانون هو بحد ذاته سلعة عامة، بمعنى أن استهلاك منافعها هو أمر غير تنافسي (على الأقل بالنسبة للمواطنين)، ويمكن أن يكون من المكلف استبعاد الناس من غير المساهمين في إدارتها وتشغيلها (مثل الناخبين المستنيرين)، استبعادهم من التمتع بمنافعها. إن الحوافز التي تدفع السياسيين والناخبين لإنتاج حكومة عادلة ذات كفاءة، هذه الحوافز ليست قوية تماماً، خصوصاً إذا وضعت جنباً إلى جنب مع الحوافز التي تدعو أصحاب المشاريع والمستهلكين إلى إنتاج سلع عامة من خلال التعاون في السوق. لكن هذا لا يعني أنه لا ينبغي أن يكون للدولة أي دور في إنتاج السلع العامة، ولكنه ينبغي أن يجعل المواطنين اقل رغبة في التنازل إلى الدولة عن مسؤوليات إضافية في سبيل تأمين السلع والخدمات. والواقع أنه كلما زادت المسؤوليات التي تُعطى للدولة، قلَّ احتمال قدرتها على إنتاج هذه السلع العامة، التي من قبيل الدفاع عن حقوق مواطنيها في الوقاية من العدوان، وهي سلع ربما تتمتع فيها بامتيازات خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018