بقلم: كآي س. هيمويتز، زميلة William E. Simon في معهد مانهاتن ومحرر مساهم في مجلة المدينة، من آخر إصداراته كتاب “الزواج والطائفة في أمريكا”: فصل العائلات المفككة واللامتساوية في عصر ما بعد الزواج.

لقد فهم النقاد، وهم على صواب، أن السوق الحرة تضعف التنظيمات التقليدية المحلية التي يعتمدها الناس في تعليم الأخلاق و المحافظة عليها. لنعتبر بالخصوص تجربة الأطفال. يتعلم هؤلاء الأخلاق أولا من أسرهم، أي مع من هم أكثر ارتباطا من الناحية العاطفية. يجعل الحب الأطفال يتعلقون بالمواثيق الأخلاقية وينمي فيهم مشاعر أخلاقية مثل التعاطف والشعور بالذنب. تُعَزِز هذه العادات الأخلاقية في المجتمع ما قبل الصناعي القبيلةُ والقرية وكذا المؤسسات الدينية والحكايات الشعبية. يكون الطفل في طور النشأة محاطا بنوع من المآمرة من طرف مُعلمي الأخلاق الذين يشرحون دروس الأخلاق بالأقوال وبالأفعال (بشكل موثوق فيه أقل ).
تُضعف اقتصاديات السوق هذه المؤامرة الثقافية عبر ثلاث طرق فعالة. أولا، إنها تدخل التجديد الذي يتحدى العادات الثقافية والحقائق الأخلاقية القائمة. ثانيا، إنها تثير الرغبة الفردية بشكل يمكنه بسهولة إضعاف الانضباط الذاتي والالتزامات الأخلاقية التي تجعل الأسواق الحرة تزدهر (وكما قال عالم الاجتماع دانيال بيل فإنه يمكن للأسواق أن تقوم في نهاية المطاف بتفكيك بنيتها التحتية الأخلاقية). ثالثا، تصبح اقتصاديات السوق كلما تقدمت أكثر، قابلة لمعاملة طفل لم يندمج بعد في المجتمع على أنه مستقل بذاته، وكأنه شخص بالغ بدلا من كائن غير مستقل و غير ناضج. إنها تُحول الطالب المطيع لالتزامات الأخلاقية إلى شخص مشكك أو حتى مقاوم.
يوضح جليا اثنان من منتجات القرن 20 الأكثر تأثيرا، وهما السيارة والتلفاز، إمكانية السوق لإضعاف الإجماع الأخلاقي والولاءات الشخصية. بإخراج أفراد الجماعة من منطقتهم وجلب آخرين غرباء عليها، تقوم السيارة بإضفاء تأثير الجماعة المحلية ومتطلباتها الأخلاقية. بأخذ الآباء إلى أشغالهم البعيدة عن المنزل، فإن السيارة تُسرّع من وتيرة الفصل بين العمل والحياة الأسرية. بالفعل، فلقد كان تطور السوق السبب المباشر وراء “المجالات المنفصلة” التي وضعت الأمهات على رأس الحياة المنزلية والآباء في مكان شغل بعيد.
لقد فرقت السيارة أفراد العائلة ( الأعمام والخالات في كاليفورنيا والأجداد في فلوريدا ) الذين كان بإمكانهم سلفا أن يعززوا الإحساس الأخلاقي الناشئ لدى الطفل. لقد زادت أيضا إمكانيات إخفاء الهوية مما جعل من السهل الهروب من الخجل والحرج بسبب انتهاكات السلوك الأخلاقي، كما أنها سمحت للناس وخصوصا المراهقين أن يتجنبوا أعين البالغين المصدرة للأحكام. في أوائل القرن 20 ، تذمر قاض في محكمة الأحداث وهو يلاحظ الاستعمال الغير المتوقع للاختراع الجديد من طرف المراهقين، من كون هذا النقل من دون أحصنة لم يكن أكثر من “بيت دعارة فوق عجلات”.
إن التشويش الثقافي الناجم عن التلفاز وخصوصا عن الإعلانات هو أكثر إثارة للمشاكل من التشويش الناجم عن السيارات. فقبل ظهور الشاشة الصغيرة، كان بإمكان الأسر أن تقوم بغالبية وعظها في مأمن من عمليات “الاقتحام التجاري”. كان يمكن تصور الحياة الأسرية ك”ملاذ في عالم لا قلب له” كما قال عالم الاجتماع كريستوفر لاش. ربما جاء التجار إلى مدينة ريفر ولكن كان يجب عليهم أن يطرقوا الأبواب ليعرضوا أزياءهم وأدواتهم الموسيقية على حرس الدار، وهم الأمهات في هذه الحالة. لقد سمح التلفاز للتجار بتخطي الآباء والوصول مباشرة إلى الطفل الذي لم يقم بعد بتشكيل منظومته الأخلاقية ليتم إغراءه بمُتع لا يتوفر أمامها إلا على القليل من وسائل الدفاع. بصفة عامة، فإن التلفاز يستعمل تصورات الانتقام والفوضى العنيفة والترخيص الجنسي والإفراط في المواد لجذب المشاهدين صغارا وكبارا.
بطبيعة الحال فإن الانترنيت اليوم يستحوذ على مكانة التلفاز التي احتلها لمدة طويلة باعتباره الراعي الرئيسي لمذهب المتعة والمادية والأنانية الفوضوية. فإذا كان للتلفاز رقباؤه الذين يعبرون بطريقة غير بارعة عن إجماع ثقافي حول الخطاب العام المقبول، فإن الشبكة العنكبوتية لا تعرف حدودا. إضافة إلى ذلك، فتماما كما أعطت السيارة سكان الأرياف فرصا جديدة للتمتع بهوية مجهولة فإن الانترنيت يسمح للأطفال تجاوز حدود وضعهم. لا شيء يجسد ميل السوق لتحويل طفل إلى شخص شبه بالغ، بإضعاف السلطة الأبوية ونشر إمكانية إخفاء الهوية للهروب من الخجل، أفضل من مثال فتاة في الثالثة عشر من عمرها تقوم بترتيب موعد مع رجل في الأربعين من عمره عبر غرفة دردشة على الانترنيت، بينما يظن والداها أنها تنجز واجباتها المدرسية.
رغم هذا فليست كل الأخبار سيئة. فمع أن السوق قد أضعفت سلطة قوانين المجتمع وحمّلت الآباء وحدهم مسؤولية الإرشاد الأخلاقي في حين تقوم بقصف الأطفال ب Grand Theft Auto و Paris Hilton فإن لا زال عليها أن تجلب لنا . Gomorrahفي الولايات المتحدة الأمريكية و رغم أن وسائل الإعلام الإلكترونية قد رفعت من الولوج إلى السوق، فلقد انخفضت في العقود الأخيرة مؤشرات “الصحة الأخلاقية” للقاصرين، مؤشرات مثل معدلات العنف والتسكع الجنسي والسلوكيات المتمردة إزاء البالغين.
لماذا؟ يتمثل أحد الأسباب في كون الآباء من الطبقة المتوسطة قد ردوا على صفارات إنذار السوق بتكثيف مراقبتهم. كانت جهودهم في بعض الأحيان، و لأسباب وجيهة، مدعاة للسخرية و لكن الإفراط في الأبوة هو رد منطقي على الاختلالات الناتجة عن ابتكارات السوق الحرة، و هو في الواقع يشهد على المقاومة، على الأقل بين أوساط الطبقة المتوسطة، الأسرة البرجوازية، و التي تطورت كرد على الرأسمالية. في مجتمعات تذهب فيها الأمهات إلى العمل و انتقل فيها أفراد العائلة الممتدة إلى أماكن أخرى، مجتمعات يتنقل فيها الغرباء و السيارات، يستمر الآباء في مراقبة أبنائهم عبر استعمال الهواتف النقالة و البرامج الموازية للدراسة و بدائل مثل المُدرّسين، و للأسف، برامج تجسس الانترنت و حتى أجهزة GPS.
و لابد من القول أن تشجيع السوق الحرة المستمر للانضباط الذاتي قد حسّن من الصحة الأخلاقية النسبية للشباب. للنجاح في اقتصاد المعرفة اليوم، فإن الشباب واعون بأن عليهم التفوق في دراستهم. رغم إغراءات النزعة الاستهلاكية فإن أطفال الطبقة الوسطى و الطامحين في الهجرة ينشأون و هم على دراية بأهمية التعليم للحفاظ على وضعهم و تحسينه وكذا بحدة المنافسة في اقتصاد المعرفة. في الماضي، كان الأطفال المتشبعون بالأخلاق البروتستانتية يقومون بواجباتهم المنزلية و يحرصون على حسن السلوك. أطفال اليوم يذهبون للاكتظاظ في المدارس حاملين حقائب تزن 15 كيلوغراما.
هل هذا يعني إذن أن نُقاد السوق كانوا على خطأ؟ ليس تماما، لقد كان لاحتفاء السوق الحرة بمذهب المتعة و الاستقلال الذاتي تأثيره المنتظر على أولئك الأقل ثقافة- الفقراء و مؤخرا الطبقة العاملة. في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، قام الهجوم على قواعد ضبط النفس و الوفاء في العلاقات الشخصية بإضعاف الأسرة الممتدة و النووية معا. و في العديد من المجتمعات المماثلة، أصبح الطلاق و الولادات خارج إطار الزواج يشكلان القاعدة. إن العمل من أجل تخليق الجيل اللاحق، في ظل اقتصاد سوق متطور هو أمر صعب في أحسن الأحوال. بالنسبة للأمهات العازبات في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، حيث تعم الفوضى المدارس و يصبح الرجال ذوو الإحساس بالمسؤولية عملة نادرة، فإن الأمر هو أقرب ما يكون إلى المستحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018