بقلم: غاري کاسباروف، بطل الشطرنج العالمي السابق، هو زعيم الائتلاف المؤيد للديمقراطية وروسيا الأخرى. مؤلف كتاب “صنع القرار”، و”كيف تقلد الحياة الشطرنج”، كما أنه متحدث إلى جمهور رجال الأعمال في جميع أنحاء العالم. وهو يقيم الآن في موسكو.

هناك أنظمة أخرى أسوء. إن السوق الحرة هي عبارة عن بوتقة من المنافسة يمكنها أن تبرز أحط ما في الطبيعة البشرية. إن المنافسة شرسة وعندما يكون البقاء على قيد الحياة على المحك فلا مجال هناك للأخلاق. ولكن، وفي إعادة صياغة لما قاله تشرشل، تبقى السوق الحرة ورغم كل عيوبها متفوقة على كل التنظيمات الاقتصادية الأخرى التي تم تجريبها حتى الآن.
في البداية، يبدو واضحا أن أي نظام يقوم كليا على المصلحة الذاتية من شأنه أن يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي للفرد. إذا توقفت للحظات لمساعدة أخيك خلال نضالكما للوصول إلى القمة – للتغلب على منافسيكما، لتحقيق أقصى قدر من الأرباح أو لشراء منزل أكبر – فإنه سيتم تخطيك من قبل أولئك الذين لا يشعرون مثلك بتأنيب الضمير. كيف يمكن أن توجد في ظل سوق حرة حقيقية مراعاة مصلحة الزميل؟
بالرغم مما يبدو من الطبيعة القاسية لقوى السوق الغير المنظمة، فهناك طريقتان مهمتان يمكن لهذه القوى من خلالهما تحسين وضعية المجتمع، بقدر ما تولد قوانين داروين الغير مرئية أفضل أشكال الحياة تكيفا. أولا، إذا كانت تكتسي الأخلاق قيمة في مجتمع ما، فإنه من الممكن أن يكون في مصلحة الفرد أن يمارس ويدعو إلى السلوك الأخلاقي. قد يبدو من غير المنطقي أن تتبرع شركة بحصة من أرباحها لأعمال خيرية في حين أنه يمكن أن تستعمل هذا المال لتحسين وضعها التنافسي. ولكننا نعلم أن عطاء كهذا يمكن أن يعزز صورة الشركة بطريقة تحسن من وضعها التنافسي. ترتكز السمعة في السوق الحرة على الرأي العام ويمكن لتصور ما أو رأي ما أن يصبحا منفعة مادية.
ثانيا: إذا بلغ مجتمع (أو على الأقل أغلبية أفراده) ما يمكن أن نسميه بحالة الفائض، حيث لم يعد البقاء على قيد الحياة موضع شك، فإن لأفراده أن يتمتعوا بترف إشباع أخلاقهم. لا أحد سيأخذ لقمة، هنالك حاجة ماسة إليها، من فم طفله ليعطيها لطفل آخر. إن عطاءنا وغرائزنا الأخلاقية موجودة لكنها تصبح ثانوية أمام ضرورة الازدهار. تجعل سمة السخاء الصدقة ممكنة.
هناك بالطبع استثناءات للقاعدتين معا رغم أنهما تقومان فقط بتعزيزالحالة العامة للسوق الحرة. في غياب المنافسة الحقيقية، لا توجد هناك مزايا تجارية للسلوك الأخلاقي. ويتضح هذا جليا في السلوك الجشع للأقلية (الأوليغارشة) المدعومة من طرف الدولة والتي تسير روسيا اليوم. ببساطة فإن مجموعة مهيمنة لن تبالي بسمعتها.
يمكن للبلدان الغنية بالموارد مثل السعودية وكذا روسيا (على نحو متزايد ومؤسف) أن تولد فائضا من الثروة رغم الاقتصادات المسيرة من طرف الدولة والفساد المبالغ فيه. لكن الفائض الذي يأتي دون مساءلة- بالنسبة للموظفين و المساهمين والمستهلكين (أو الناخبين يمكنني أن أضيف) يؤدي إلى الفساد من كل نوع. تستعمل تقريبا كل الدول المستفيدة اليوم من الأسعار القياسية للطاقة ثرواتها الغير مكتسبة لإخماد المعارضة والحفاظ على الأنظمة الأكثر قمعا في العالم.
يميل الأفراد الذين يعتمدون على النية الحسنة لجيرانهم إلى التصرف بحسن خلق وهكذا تفعل الشركات التي تعتمد على ولاء الموظفين وخدمات المستهلكين ودعم المستثمرين (ولقول الصدق فقط، فهي تتصرف بالقدر المتوجب عليها من الأخلاق). وهكذا تفعل أيضا الحكومات التي تعتمد على مشاركة مواطنيها ومداخيل ضرائبهم. رغم أن السعي الحثيث وراء المصالح الخاصة يمكن له أن يولد الفساد، فإن السوق الحرة تخلق حوافز تشجع على السلوك الأخلاقي. تفتقر أنظمة أخرى إلى هذه الحوافز الملموسة.
كان المفكرون الطوباويون للقرن 19 على يقين بأنه لا مفر من جنة اشتراكية عالمية. لقد تصوروا وبالنظر إلى التجاوزات القياسية للثورة الصناعية ولاسيما في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، مستقبلا يحل فيه الانسجام محل الصراع والتعاون اللاأناني محل المنافسة الوحشية. وكان هذا رد فعل مفهوم ومتعاطف مع المعاناة الناجمة عن القوى الغير مقننة للسوق الحرة والذي كان عليها أن تنتج كميات كبيرة من الفائض.(يمكن أن يشير الفرد اليوم إلى ملايير الفقراء في العالم ويحاجج بأنه لم نصبح بعد أغنياء بما يكفي لنستأمن السوق الحرة على رفاهنا). من المؤكد أنهم ظنوا أنه ستكون طريقة أفضل في مستقبل أكثر تنويرا.
لقد كان يرتكز الحلم الاشتراكي جزئيا فقط على الاستياء من الوضع الراهن للرأسمالية. لقد كان يشكل أيضا جزءا من الإيمان بطبيعة إنسانية أخلاقية بالأساس. كان يعتقد المثاليون أن الإنسان إذا ما توفر على الفرصة والتعليم الكافي فإنه سيضحي بمصالحه الخاصة الآنية في سبيل المنفعة الأكبر. وهذا بدوره سيخلق فائضا كافيا للمجتمع وسيضع حدا لمعاناة الإنسان على نطاق واسع.
يمكن أن تقل المعاناة في عالم يتوق فيه الإنسان إلى الانسجام والرضا أكثر من المنافسة والإنجازات ولكن هذا العام لا يوجد. إننا منتج صراعنا القديم من أجل البقاء. كما أننا نتجاهل أخلاقنا في خطر كبير، إذا لم تكن السوق حرة فيجب أن تكون مراقبة من طرف شخص أو مجموعة. عندما نتواجه مع رغبتنا الإنسانية الطبيعية في بلوغ شيء ما، فسرعان ما يتحول الشوق المستنير للمساواة إلى مساواة قسرية. لقد تم استبدال الحوافز الذاتية الصنع للسلوك الأخلاقي بالمراسيم والعقوبات. تفسح الجزرة المجال للعصا .
لقد أمضيت نصف حياتي وأنا أعيش تحت نظام كهذا في الاتحاد السوفياتي. هناك كانت تقمع تطلعات كل فرد وتصهر فيما كان يراد له أن يكون مصيرا واحدا، وطنيا عظيما. ولكن ودون المشاركة التطوعية للمواطنين، فإنه لا يمكن للأخلاق أن تُغيّر أو تُفرض دون تدمير الإرادة الحرة نفسها. سرعان ما انحدر الاتحاد السوفياتي إلى الاستبداد والخوف كما فعلت دول شيوعية أخرى.
ليست الفوضى هي البديل. لا يكون مجتمع أهلا لأن يعاش فيه بدون سيادة القانون وحماية الأقليات، المجموعات السياسية و الدينية والاقتصادية. بل إن البديل هو نظام تُدمَج فيه الحريات الفردية وحوافز السلوك الأخلاقي. إن اقتصاد السوق الحرة- وكذا الديمقراطية، وهي السوق الحرة للأفكار – هي أقرب ما توصلنا إليه إلى هذا النظام.
إذن نعم، يمكن للسوق الحرة أن تؤدي إلى انحلال الأخلاق. فمن طبيعة الإنسان دائما أن يريد أكثر، والسوق الحرة تلبي هذه الرغبة الملحة لكنها لا توفر الحماية الكافية لمن يفشل في أن يزدهر. ولكن محاولة كبح هذه الحاجات والرغبات الأساسية لدى الإنسان تؤدي إلى شرور أعظم. و يمكن للمرء أن يجد كل ما يحتاج إليه من أدلة في روسيا القرن الماضي منذ حكم القياصرة إلى السوفيات إلى نظام بوتين الأوليغارشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018