بالتأكيد، أم هل تقوم بذلك؟

بقلم: برنار هنري لفي، فيلسوف فرنسي، ألف أكثر من ثلاثين كتابا، بما في ذلك Vertigo الأكثر مبيعا حسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية (2006) ومؤخرا صدر له ” بقي في العصور المظلمة”: موقف ضد بربرية جديدة (2008) ، والكتابين تم نشرهما من طرف راندوم هاوس.

من الواضح أن المنافسة الشرسة على مستوى المصالح والرغبات و السيادة المجنونة للمال، والمادية باعتبارها مقياسا لكل شيء- باختصار السوق الحرة المتحررة من كل القوانين والتي يحكمها فقط جشع الأقوى- تُفسد على نحو مهلك أرواحنا، هذا ما كان يظنه ألكسندر الأكبر “شولز نتسين” في نهاية حياته.
شاطر هذا الرأي أسرة المفكرين الفرنسيين في الثلاثينيات والتي كانت تسمى ب “اللامُمتثلين” وتضم شالز بيجوى وقلة آخرين. لقد كانوا ينظرون إلى تبادل السلع كمصدر لتبدد الشخصية. وكانت هذه أيضا أطروحة مجموعة من المفكرين المسيحيين أو ببساطة الروحانيين الذين رأوا في فكرة “السوق الحرة” موت القيم الأخلاقية وانتهاء إيمان الإنسان وتطلعه نحو المطلق.
ومثلت هذه الفكرة أيضا، وهذا ينبغي أن يضعنا في حالة تأهب، أحد المواضيع الرئيسية للفاشية وأحد أسباب افتتان الجماهير بها. “أوقفوا المادية !” هكذا كان النداء. “ضعوا حدا للفردانية المدمرة والانحلال الاجتماعي اللذان تتصدى لهما الفاشية بمجتمعاتها الجيدة، الآمنة، العضوية والطبيعية! ” و باختصار، احترسوا من قاعدة “التكافؤ المعمَّم” بين القيم الإنسانية (مصطلح آخر يشير إلى “السوق”) والتي وجدتها لعنة فاشية كل العصور.
ماذا إذن؟
حسنا، إن المشكل في الواقع هو أكثر تعقيدا مما يبدو عليه. لا يمكننا- لا يجب علينا- التصريح بأن السوق تقوم فقط وببساطة بفعل الإفساد كما لو كان ذلك حقيقة نهائية. يجب أن تضاف ثلاث نتائج إلى هذا التصريح الذي يبدو منطقيا وبديهيا. أولا، إذا كانت السوق تتسبب في الفساد فإن مختلف أشكال نفي السوق تتسبب قطعا في الفساد. انظروا إلى الفاشية وانظروا إلى الكره الآخر للسوق الذي سبقها وتلاها: الشيوعية. أشك في أن أحدا سيقدم الاشتراكية كاكتمال للشخصية والروح سواء بالنسبة لضحاييها أو لوكلاءها.
ثانيا، إذا كان لابد من الاختيار إذا كان لابد من تصنيف لأشكال الفساد هذه، فإنه من البديهي أن الفساد الشيوعي والفاشي من خلال رفضه للسوق هو أعمق بكثير وأكثر فتكا وعدم قابليته للإصلاح هي أكبر من الأول. كان هذا واضحا بالنسبة للفاشية منذ البداية وقد أصبح الأمر كذلك فيما بعد بالنسبة للشيوعية أيضا. أتذكر السفر الطويل الذي قمت به عبر أوروبا الوسطى والشرقية مباشرة بعد سقوط حائط برلين . لازال بإمكاني سماع أصدقائي التشكيين والبولنديين والبلغاريين والهنغاريين والألمانيين الشرقيين يشرحون لي كيف تسببت الحقبة الشيوعية، تلك القرون الطويلة في مجتمع لا تحكمه أبدا قوانين السوق، في زرع عدد من الرذائل وحتى العيوب في قلوبهم وأرواحهم، وأنهم هم أنفسهم لا يعرفون كم من الوقت سيكفي للتخلص منها.
لنعتبر على سبيل المثال عادة التصرف بعدم مسؤولية، أي عدم القدرة على خوض المخاطر ولا حتى على اتخاذ القرارات. أذكر جيدا مهندسة من شرق ألمانيا كانت تبدو طبيعية تماما، ديمقراطية في روحها ومعارضة منذ سنوات، لكنها انفجرت بالبكاء يوم سألتها وضع برنامج اليوم الذي كنا سنقضيه معا. “لقد علموني أن لا أقرر،” هذا ما قالته و هي تتنهد. “إنه مثل بتر الأطراف، مثل الختان، كما لو أنهم دخلوا فعليا وأتلفوا جزءا من دماغي.” تصورا أنانية عميقة دون مسحة شك أو ملاذ، أكثر تطرفا بكثير من المصلحة الذاتية لمجتمعات السوق. من وجهة نظر أولئك الذين نجوا فإنها الحصيلة الحقيقية للشيوعية. إن هذه هي الحجج على الفساد و انحلال الأخلاق الناتجَين عن غياب الفعلي للسوق الحرة.
وأخيرا، النتيجة الثالثة: لأنها تطور صفات اتخاذ المبادرة والقرارات، لأنها تضع الأفراد في علاقات مع بعضهم البعض، لأنها نظام منطقي فقط عندما يرتبط أفراده ببعضهم البعض، تبقى السوق الحرة في العموم عاملا لتعزيز العلاقات الاجتماعية ووسيلة للربط بين الناس وحتى لخلق الأخوة، أو في جميع الأحوال، الاعتراف المتبادل. وبالتالي فهي على نقيض الفساد. يجب أن نقرأ نصوص هيغل في جدلية الاعتراففي تنمية الوعي الحديث. كما يجب أن نقرأ إيمان ويل لفيناس بشأن مسألة المال (مسألة شائكة وهي تقريبا ملعونة في بلدي). لقد حاجج بأن المال بعيدا عن عزل الأفراد وتفرقتهم، فإنه في واقع الأمر وسيلة تبادل فيما بينهم. وأخيرا، فإنه إذن من الضروري الاستنتاج بأن للسوق استعمالات جيدة بما أنها تشكل أحد الوسائل التي وجدها الإنسان لمقاومة حرب شاملة، حرب الكل ضد الكل، شخَّصها أولا هوبز وبعد ذلك فرويد.
هل تؤدي السوق الحرة إلى انحلال الأخلاق؟ بدون شك لا. بل إنها تعزز آلياتنا للدفاع الأخلاقي معطية إيانا القدرة على قول “لا” وعلى الاختلاف في الرأي. بطبيعة الحال فإن هذا مشروط بخضوعنا الطوعي للقوانين ورفضنا لفتنة الغاب والرأسمالية المتوحشة. إن السوق، وكما قال ونستون تشرشل في وصفه للديمقراطية بعبارته الشهيرة، هي أسوأ الحلول إذا ما استثنينا كل الحلول الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018