بقلم: مايكل والزر، أستاذ فخري في كلية العلوم الاجتماعية في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، نيو جيرسي. وهو أيضا محرر في الجمهورية الجديدة، ساهم في تحرير “المعارضة “، كما قام مؤخرا بتحرير ” التفكير السياسي.”

يضع التنافس في السوق الأشخاص تحت ضغط كبير من أجل كسر القواعد المعتادة للسلوك الحسن و بعد ذلك خلق أسباب جيدة للقيام بذلك. إن هذه التبريرات- ما يتوجب من خداع النفس اللامتنهي للوصول إلى أحط النقطة والشعور بالرضا إزاء ذلك – هي ما يؤدي إلى انحلال الأخلاق. ولكن هذا في حد ذاته ليس دليلا ضد السوق الحرة. فكر في الطرق التي تؤدي بها أيضا السياسات الديمقراطية إلى انحلال الأخلاق. يضع التنافس حول السلطة السياسية الناس تحت ضغط كبير – للصراخ بالأكاذيب في الاجتماعات العامة، لإعطاء وعود لا يستطيعون احترامها، لأخذ المال من أشخاص مشكوك في أمرهم، للمزايدة في مبادئ لا تقبل المزايدة. يجب الدفاع عن كل هذا بطريقة من الطرف والأخلاق لا تنجو من هذا الدفاع -على الأقل فهي لا تبقى سليمة وإن نجت ولكن هذه العيوب الجلية لا تشكل حجة ضد الديمقراطية.
وللتأكيد فإن المنافسة الاقتصادية والسياسية تنتج أيضا مشاريع تعاونية من أنواع متعددة ومختلفة – شركات، شراكات، أحزاب، اتحادات. داخل هذه المشاريع ينمو ويتقوى التعاطف والاحترام المتبادل و الصداقة والتضامن. يتعلم الناس الأخذ والعطاء من المداولات الجماعية. إنهم يتخذون مواقف، يخاطرون ويشكلون تحالفات. تقوم كل هذه الآليات ببناء الشخصية ، لكن ولأن الرهانات كبيرة فإن المشاركين في هذه الأنشطة يتعلمون أيضا أن يراقبوا ولا يثقوا في بعضهم البعض، أن يخفوا خططهم وأن يخونوا أصدقاءهم، والباقي نحن نعرفه من “واتركايت” حتى “إنرون”. إنهم يصبحون “شخصيات” في قصص مألوفة عن فساد الشركات و عن الفضائح السياسية والمساهمين والناخبين المخدوعين. فليحترس المشتري! و ليحترس الناخب!
هل هناك من طريقة لجعل المنافسة السياسية والاقتصادية سليمة بالنسبة للرجال والنساء الذين يتحلون بالأخلاق؟ من المؤكد أنه لا يمكن جعلها سليمة كليا. إن الأسواق الحرة والانتخابات الحرة هي بطبيعتها خطيرة بالنسبة لكل المشاركين، ليس فقط لأنه يمكن للأشخاص والمنتجات والسياسات الخطأ أن تفوز ولكن أيضا لأن تكلفة فوز الأشخاص و المنتجات والسياسات الصائبة يمكن أن تكون باهظة. ومع ذلك فنحن لا نعالج أخطار الأسواق والانتخابات بنفس الطريقة . إننا نعمل بجهد لوضع القيود على المنافسة السياسية وفتح المجال السياسي أمام مشاركة أشخاص يتحلون بالأخلاق. إن السياسيين هم غير معترف بهم اليوم كقدوة أخلاقية على النطاق الواسع، جزئيا لأنهم يعيشون كثيرا تحت أعين وسائل الإعلام التي تبث للعالم كل ذنب وكل نقطة ضعف صغيرة. على الرغم من هذا فقد نجحت الديمقراطيات الدستورية في وقف أسوأ أشكال الفساد السياسي. نحن الآن أحرار من نزوات الطغاة ومن غطرسة الارستقراطية ومن القمع والاعتقال التعسفي والرقابة وقاعات المحكمة الثابتة والمحاكمات الصورية- لسنا أحرارا لدرجة أننا لا نحتاج الدفاع عن حريتنا بحذر ولكننا أحرار بما يكفي لتنظيم هذا الدفاع. يمكن للسياسيين الذين يكذبون في كثير من الأحيان أو الذين يخالفون الكثير من وعودهم أن يخسروا الانتخابات. لا بل إن أسوأ أشكال الفساد في حياتنا العامة لا يأتي من السياسة وإنما من الاقتصاد وسببها كوننا لا نملك قيودا دستورية مشابهة على سلوك السوق.
ربما كان أهم إنجاز للديمقراطية الدستورية يتجلى في انتزاع اليأس من السياسة. فقدان السلطة لا يعني الموت فأنصار الفريق الخاسر لا يستعبدون أو ينفون. إن رهانات الصراع على السلطة هي أقل مما اعتادت أن تكون عليه مما يُحسن كثيرا من الخيارات الداعمة للسلوك الأخلاقي. ومن المفروض أن دولة الرفاه الحديثة تفعل الشيء نفسه بالنسبة للاقتصاد: إنها تدستر السوق بوضع قيود على ما يمكن فقدانه. ولكن في واقع الأمر، على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يوجد هناك الكثير في طريق دمسترة السوق.
بالنسبة للعديد من الناس فالصراع التنافسي هو أقرب ما يكون إلى الصراع اليائس. إن ما هو معرض للخطر هو استمرار الأسرة في العيش والرعاية الصحية للأطفال والتعليم اللائق والكرامة في سن الشيخوخة، ومخاطر كهذه لا تترك مجالا للأخلاق. إن الناس اللائقين يتصرفون بلياقة ومعظم الناس هم لائقون عندما يستطيعون ذلك ومع هذا تبقى نتائج الصراع دائما سلبية.
يتمثل إنجاز آخر للدستورية في تقييد السلطة السياسية لأقوى الرجال والنساء حيث أنهم يجب أن يعيشوا مع قوى موازنة، أحزاب و حركات معارضة، انتخابات دورية وصحافة حرة وفي بعض الأحيان ناقدة. إن الهدف الأساسي لهذه القيود هو تقليل الضرر الذي يمكن أن تسببه الأخلاق المنحلة ولكن بعض سياسيينا في واقع الأمر قد استوعبوا هذه القيود وهذه عملية مهمة في بناء الشخصية.
كانت دستورية السوق ستضع قيودا مماثلة على السلطة الاقتصادية لأغنى الرجال والنساء. ولكن مرة أخرى وبوضوح فليس لدينا الكثير من دستور السوق. إن القيود الموضوعة على السلطة الاقتصادية هي ضعيفة جدا والقوة الموازنة للاتحادات العمالية قد تقلصت بشكل كبير ، النظام الضريبي يتراجع بشكل متزايد، تنظيم العمل المصرفي والاستثمار وسياسات التسعير وصناديق المعاشات هي عمليا غير موجودة. كانت غطرسة النخبة الاقتصادية في العقود الأخيرة مذهلة، وهي نابعة من رؤية واضحة أن بإمكانهم فعل كل ما يريدون فعله. هذا النوع من السلطة كما كتب لورد أكتون في سنوات خلت ، يتسبب في الانحلال بشكل كبير.
يمتد الفساد للسياسة حيث يضعف تأثير المال المجني دون قيود في سوق غير مقيدة، مكانة الدستور السياسي. لنفترض أنك بحاجة إلى المال لتنظيم حملة سياسية (لأجل مرشح جيد أو قضية نبيلة) وهاهو شخص – مصرفي أو صاحب شركة عملاقة – يملك الكثير من المال ويعرضه بمقابل، مقابل سياسات أو تشريعات من شأنها أن تحسن وضعه في السوق. يأخذ الطرف الآخر المال هكذا، أكثر ما يمكنه الحصول عليه. أخلاق من ستقاوم الانحلال الآن؟
قد يتساءل البعض: أليس بهذه الطريقة يتم اختبار شخصية الإنسان؟ إذا كانت دستورية السوق تقيد سلطة المال وتُقلل دولة الرفاه من الخوف من الفقر، ألا نجعل الفضلية سهلة للغاية؟ ربما نجعلها أسهل لكننا لا نجعلها أبدا سهلة جدا. لنعتبر من جديد ما قسناه على السياسة: هل نجعل الفضلية سهلة للغاية عندما نرفض سلطة الرؤساء المستبِدة وعندما نحمي الضعفاء من الاضطهاد؟ إن الضغوطات المفسِدة للمنافسة الانتخابية لا تندثر. نضع قيودا على هذه الضغوطات احتراما للضعف الإنساني. وإذا كان علينا القيام بذلك فيما يتعلق بالحكومات فإننا نحتاج بالتأكيد أن نقوم به فيما يتعلق بالأسواق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018