بقلم: تايلر كوين, أستاذ علوم الاقتصاد في Holbert C. Harris ومدير مركز مركاتوس في جامعة جورج ماسون. آخر مؤلفاته كتاب بعنوان “اكتشف هويتك الاقتصادية الداخلية”، وهو مدون ب www.marginalrevolution.com.

فيما يخص الأخلاق، فإن السوق تعمل مثل مُضخّم. بوضع المزيد من الثروة و المزيد من الموارد في حوزتنا فإن السوق تعمل على تعزيز و تقوية ميولاتنا أخلاقية، و النتيجة النهائية هي غالبا إيجابية. يريد غالبية الناس حياة جيدة لأسرهم و أصدقائهم و رغبات كهذه تشكل جزءا من أخلاق إيجابية. تُمكن السوق أعدادا كبيرة من الناس و على جميع مستويات المجتمع، أن يسعوا من أجل هذه الأهداف الإنسانية المشتركة و أن يحققوها.

تشجع جوانب أخرى من السوق الحرة جانب الخير في طبيعتنا و تثبط الدوافع المدمرة لدينا. فالأشخاص الذين يجيدون التعاون مع الآخرين مثلا هم على الأرجح أفضل من غيرهم في جمع الثروة. إنهم يجدون سهولة أكثر في العمل مع زملائهم و في التواصل مع العملاء، و سهولة أكثر في وضع خطة عمل لرأسماليين مجازفين. كلما كوفئنا أكثر على هذا النوع من التعاون كلما أخذت أخلاقنا منحى تعاونيا.

بمعنى شخصي أكثر، فإن السوق الحرة تسمح للناس بتحقيق مجموعة من النوايا الحسنة. تسمح الأسواق للأشخاص المنتجين أن يوفروا خدمات رائعة لإخوانهم من بني البشر عن طريق اختراع أدوية جديدة و تطوير آلات تساعد على العمل و كذا إيجاد طرق أقل تكلفة و أكثر فعالية لإمداد العالم بالغذاء. غالبا ما تشكل إمكانية أن يصبح الفرد ثريا حافزا لأشكال من الإبداع من هذا القبيل، و الأنا و الطموح هما أيضا عاملان رئيسيان. و لكن يجب أن لا نخلط بين هذه الحوافز من جهة و الأخلاق السيئة من جهة أخرى. تجعل الأسواق من الممكن تسخير رغبتنا في الثروة و كذا ما يميزنا لخدمة أهداف أكثر إيثارا. إنها تشجعنا على فعل الخير بفعل الخير، و بالطبع فهي تخلق وسائل تمكن الناس من التبرع بثروتهم و عملهم لأجل مجموعة من الأعمال الخيرية.

من وجهة نظر دولية، فإن مظاهر جاذبية السوق هي واضحة. لنعتبر الهجرة عبر العالم مثلا، يميل الناس إلى الهجرة إلى المجتمعات المحبِذة للسوق و بعيدا عن المجتمعات الكارهة لها، و ليس المال العامل المحرك الوحيد هنا. تحركهم أيضا فرصة العيش في ظل نظام يمنح جودة حياة أفضل و خصوصا فرصة الهروب من العديد من الأنظمة الاقتصادية المسببة في انحلال الأخلاق باعتمادها على السعي وراء المصالح. كل سنة تقوم منظمة الشفافية الدولية بإصدار مؤشر الأماكن الأكثر فسادا في العالم من حيث ممارسة التجارة، و كانت البلدان التي تحتل المراكز الأولى في قائمة العام الماضي هي العراق و ميانمار و الصومال، أما البلدان الأقل فسادا فكانت الدنمارك و فنلندا و نيوزيلندا و كلها ذات اقتصاديات سوق نشيطة.

هل يعني هذا أن الأسواق قد أدت إلى انخفاض الفساد؟ لا، و لكن من الواضح أن صعود الأسواق و انخفاض الفساد هما جزء من خيط مشترك و متماسك للتقدم. تتجلى أحد الأدوار المهمة للأسواق في خلق الإجماع حول بعض التطلعات الأخلاقية: حيث يجب على الاتفاقات أن تكون ملزمة و أن يسود الصدق المعاملات و أن يحاسب الفاعلون الاقتصاديون على وعودهم المخلوفة. إن لكل هذه الأفكار نتائج اجتماعية إيجابية تفوق نطاق التجارة كما يمكن لأي ملاحظ لمجتمعات السوق الحديثة أن يرى.

تبدو بعض التوضيحات ضرورية، ليست كل الأسواق حرة حيث أنها تتوفر على قوانين مفروضة بشكل جيد ضد العدوان و الاحتيال. تتطلب الأسواق الحرة مستوى معينا من الثقة والفهم الثقافي لمشترك لقواعد السوق. لا تستجيب الأسواق ” الفاسدة” كما سأسميها، لهذه المعايير إنها تسمح للأشرار، مثل القتلة و المافيا، أن يرتكبوا الجرائم، كما أنها تعطي للشركات المخادعة الوسائل لبيع منتجات ملوثة أو معيبة أو (حسب آخر العناوين) أن تبيع رهونا عقارية أروع من أن تكون حقيقة.

كما أنه يجب أن لا نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن التعريف الأوسع للمصلحة الخاصة التي تشجع عليها الأسواق هو دائما نبيل. إن لمحاولة خدمة مصالح عائلتك و أصدقائك و جماعتك بالتأكيد بعدا أخلاقيا إيجابيا و لكن يمكن لهذا البعد أن يكون مصحوبا بالحسد و الطمع و خداع النفس و أنوع متعددة أخرى من العيوب الإنسانية. بخلق نشاط اجتماعي أكثر، و من كل نوع ممكن، فإن السوق تفسح مجالا أكبر لهذه الرذائل.

كملاحظين للحياة الاقتصادية، فإن العديد منا (خصوصا إذا ما كنا صحافيين أو أكاديميين) يركز غالبا على هذا النوع من الأمثلة السلبية، و لكننا نحتاج إلى نظرة أوسع للتقدم البشري. في منتصف حقبتنا الطويلة هذه من النمو و التوسع الاقتصادي، فإنه من الجلي أن الصفات الإيجابية للأسواق تفوق حتما صفاتها السلبية. إن هذا صحيح ليس فقط بسبب الفوائد العملية و المادية التي يكتسيها خلق الثروة و إنما أيضا بسبب تأثيره الإيجابي على الأخلاق الشخصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018