بقلم: مايكل نوفاك، باحث George Frederick Jewett في الدين والفلسفة والسياسة العامة في معهد أمريكا انتربريز. له أكثر من 25 مؤلف حول روح الرأسمالية الديمقراطية ، ومؤخرا أصدر كتاب “لا أحد يرى الله.”

عند نشأة أمريكا، كانت معظم المجتمعات منظمة إما على أساس أرستقراطية مالكة للأراضي أو على أساس مؤسسة عسكرية قوية. لقد رفض مؤسسو أمريكا هذه النماذج وحاجوا بشدة أن مجتمعا جديدا مبنيا على أساس التجارة الحرة سيولد فضائل أسمى وسيكون في نفس الوقت خيارا أكثر أمانا من أجل سيادة القانون، وكذا خيارا أكثر التزاما بهذا الأخير. لن يُكرس مجتمع كهذا نفسه للسعي وراء السلطة وإنما لإنتاج الفائض. وكما لاحظ ألكسندر هامنتون في “الفدرالي 12” : “فإن كل رجال الدولة المستنيرين ينظرون إلى ازدهار التجارة ويعترفون به على أنه المصدر الأكثر إفادة والأكثر إنتاجية بالنسبة للثروة الوطنية، وقد أصبح بالتالي المحور الأول لاهتماماتهم السياسية.” ستصرف التجارة الإنسان عن الأسباب السابقة للتفرقة والانقسام. سينتقل اهتمامه من القضايا السياسية إلى نشاط السوق، وستقوم تدريجيا روح التعاون الضرورية للأسواق الحرة بجعل ولاءه للجمهورية الأوسع.
إن مجتمعا تجاريا سيكون أيضا أفضل بكثير بالنسبة للفقراء، وسيكون له تأثير إيجابي على الأخلاق العامة والخاصة. من خلال دراستهم العميقة للتاريخ، فقد تعلم المؤسسون أن مجتمعا متجذرا في السلطة العسكرية هو أكثر ميلا لأن يصبح حساسا وعشوائيا وسريعا في خوض حروب الكرامة المجروحة على حساب الفقراء، وذلك بشكل كبير ومتكرر . لقد شهدت الأجيال المتوالية تقدما ضئيلا في التخلص من الفقر، كما جزم الفيلسوف السكونتلندي دفيد هيوم. لقد أثبطت وبصورة متكررة حروب الشرف والثأر والصراعات بين الأباطرة والملوك والبارونات كل جهود الفقراء من أجل التقدم.
أما بالنسبة للارستقراطيات المالكة للأراضي، فقد كانت قصورهم مفتوحة بشكل كبير على أشكال الانحراف والتسلية والإغواء والانحطاط. ورغم أن العديد من البارونات الشهماء والكونتات كانوا فراسانا جيدين قاموا بتشكيل جيوشهم الخاصة، فإن حياتهم كانت خاملة على العموم كانوا يعيشون بسهولة على عائدات ممتلكاتهم المنتشرة وعمل الفلاحين. لقد كانوا يدربون الجيوش من أجل أن يستخدموا فائضهم الفلاحي الخاص الذي كانت تمنعه الطرق البدائية وغياب سياسة القانون (خارج المدن الرئيسية) من أن يصبح مصدرا للتجارة الإنتاجية.
لقد استنتج المؤسسون الأمريكيون أن تنظيم مجتمع جديد على أساس الأرستقراطية أو الجيش لن يكون خيارا آمنا بالنسبة لجمهورية. إن هذه الأخيرة ستحتاج إلى رجال مستقلين، عصاميين مبدعين وخلاقين غير خائفين من أن تتسخ أيديهم، فخورين بكونهم عاملين مجدين، مأخوذين بالابتكار ومصممين على إيجاد طرق أفضل (وغالبا أقل تكلفة) للقيام بالأشياء. سيمثل الاستقلال والابتكار المؤديان إلى التحسن المستمر للصالح العام، ثمار المجتمع التجاري، على الأقل بالنسبة لجمهورية حرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية عند نشأتها.
و علاوة على ذلك، فلقد ظن المؤسسون أنه سيكون على مجتمع مبني على التجارة وضع آليات للمساءلة الشخصية قبل وضع القانون. في غياب مجتمع يحترم القانون ويعتمد على المحاكم لإنفاذ العقود، فكيف للرجال والنساء العاملين في التجارة تحمل مخاطر كبيرة قبل حتى أن تجازى كل جهودهم؟ كان يجب أن يُدفع للسفن المبعوثة من إنجلترا الجديدة لجلب الشاي من آسيا قبل أن تعود وتبيع حمولتها. كان يجب أن يحارب القراصنة ليس فقط بقانون مكتوب وإنما بموجب قانون مفروض التطبيق تحت تهديد السلاح في أعالي البحار (وبالتالي حملات جفرسون ضد القراصنة المتوحشين). لاعجب أن شعار أمستردام، واحدة من العواصم التجارية الكبرى في العالم ومحط إعجاب المؤسسين، كان إذن “commercium et pax” : التجارة تعزز السلام. إن التجارة هي ما يتبادله الجيران مع بعضهم البعض بسلام وليس ببساطة ما يستولون عليه في الحرب.
لقد اعتقد أسلافنا أن المجتمع التجاري سيعلم أفراده العمل الجاد والانتظام والابتكار. سيعلم أيضا الأمريكيين التحلي بالجرأة في المغامرة (مثل قباطنة إنجلترا الجديدة) والتواضع في توقعاتهم بخصوص الربح والتوفير في إعادة استثماراتهم المتكررة للمكاسب من أجل تراكمهما في المستقبل. من شأن هذه الأنشطة أن تكون بديلا للاستهلاك المفرط للأرستقراطية القديمة المالكة للأراضي. لقد قام المجتمع التجاري بتشجيع مواطنة صادقة، مسؤولة، منكرة لذاتها وموجهة نحو المستقبل. هنالك حاجة لمواطنة كهذه خصوصا من أجل جعل الجمهوريات الحرة تحترم القانون وتعيش في رفاه.
لأن جذور المجتمع التجاري- عادات الخلق والابتكار، قدسية العمل الشاق والتركيز على المستقبل – هي نابعة من أوامر الديانتين اليهودية والمسيحية، فإنه لم يكن من الصعب أن يعترف مؤسسو أمريكا بالدور الأساسي للدين والأخلاق في كبح الغرائز التجارية وإبقائها ضمن حدود معينة وتوجيهها بعيدا عن تدمير الذات. “هناك العديد من الأشياء التي لا يمنع القانون المواطنين القيام بها وإنما ديانة الأمريكيين تمنعهم القيام بها” كما قال طوكفيل.
من جهة أخرى، فإن نجاحات جمهورية تجارية تُنتج أيضا مع مرور الوقت تأثيرات مختلفة وموهنة تتسبب في تآكل القوة الأخلاقية للمجتمعات. تتصرف الأجيال الشابة إزاء الرفاهية التي حققتها تضحيات أسلافهم وكأنها مكسب مفروغ منه. يريد البعض الهروب من انضباط الجمهورية التجارية والبعض يحتقر العادات والأخلاق المقيدة لأسلافهم. يمكن للأجيال المعتادة على العمل الشاق والانضباط الذاتي أن تفسح المجال لأجيال جديدة تريد سماع موسيقى أخرى وتتوق للتمرد مفضلة الاستمتاع بالفراغ بدلا من التعب في أعمال متواضعة. لقد استُبدل جيل ملتزم بالتوفير للغد بجيل يعيش بإهمال يومَه فقط.
بهذه الطريقة فإن نجاحات الجمهورية التجارية تُضعف قدرة الشباب المعنوية على العمل. لقد لقب عالم الاجتماع “دانييل بل” هذه المنعطفات الدورية للعجلة ب “التناقضات الثقافية للرأسمالية”. بعبارة أخرى: أخلاق راسخة في البداية و لكن ومع مرور الوقت تصبح منحلة.
يمكننا أن نرى في كل مكان حولنا عوامل تسريع لانحطاط الأخلاقي، ولكن هذا الانحطاط هو فقط نتيجة ممكنة وليست ضرورية. وقد حُذّرنا جيدا منه، ويمكننا أن نبذل مجهودا خاصا للتغلب على قوة جذبه. بهذه الطريقة تصبح المهمة الأكبر لمجتمع تجاري تتجلى في الترسيخ الأخلاقي والثقافي عودة إلى الأصول الروحية أو ما سماه أسلافنا “الصحوة الكبرى”.
وقد اعترف الاقتصادي “روبرت فورغل” نفسه، الحائز على جائزة نوبل أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الآن في تصاعد بطيء نحو صحوة كبرى رابعة. تتصف هذه الصحوة بالعودة إلى الأسس والتركيز على الأسرة ودعوة الشباب لتطوير عادات التغذية الذاتية للإرادة والعقل مما يشكل أفضل ضمان لشخصية قوية. إن شبابا كهؤلاء هم أفضل أمل لمستقبل حيوي لحريتنا الجمهورية والإبداع التجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018