بقلم: ريك سانتورم، هو عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي من ولاية بنسلفانيا منذ 1995 وحتى 2007 ، وعضو في مجلس النواب الأمريكي منذ 1991 حتى 1995 ، له مساهمات دورية (مرتين في الشهر) بعمود بجريدة فيلادلفيا انكوايرر، وهو زميل بارز في مركز الأخلاق والسياسة العامة في واشنطن العاصمة.

في الحقيقة إذا أرادت الأسواق أن تكون حُرة، فلا بد من وجود الأخلاق، و بدورها تقوم فعلا الأسواق الحرة بتعزيز الأخلاق. غير أن السوق الحرة لا تضمن وجود الأخلاق. وكما تُظهر لنا البيئة الثقافية في يومنا هذا، فإن السوق الحرة تميل إلى زيادة مخاطر أخلاقية مُعيّنة.

وكسياسي فإني قد أبدو أقل أهلية من أخصائي في الاقتصاد للإجابة على هكذا سؤال. إلا أني وكسياسي تعلمتُ الكثير في السنين العديدة التي قضيتها وأنا أناقش الحُرية والأخلاقيات وعلم الاقتصاد مع الآلاف من الأمريكيين. وقد علّمتني التجارب بأن أهم كلمة في “السوق الحرة” هي “الحرية” والتي تعني بأن السوق الحرة هي حقيقة سياسية وأخلاقية أكثر من كونها اقتصادية.

تعتمد السوق الحرة على العديد من الفضائل وتعمل على مُجازاتها. فعلى سبيل المثال، يجب على فاعلي السوق تطوير فضيلة الحذر- الانتباه و التوقع و الحكم الجيد حول أفضل الطرق في تطبيق القاعدة العامة في ظروف خاصة. يتوجب على فاعلي السوق أن تعطي الوعود وتفي بها حتى لو أن أي خطأ في اتخاذ القرار قد يعني بأنه ليس من المُربح الحفاظ على الوعود. وتؤدي هذه العادات إلى زيادة رأس المال الاجتماعي الذي يُعد أفضل مسهِّل لمُحرك السوق الحُرة.

ويعتمد نجاح السوق الحرة على الصناعة والمُثابرة، حيث لا يستمر طويلا المشاركون الكُسالى والمفتقدون إلى التركيز. وبالإضافة إلى ذلك فإن المُشاركة المُباشرة في اقتصاد السوق الحرة يُعزز الشعور بالاعتماد على النفس و الفردانية الصحيحة. وتتشكل عند المشاركين عادة النظر إلى المشاكل على أنها فُرص وكذلك عادة حلها بجهدهم .

وها نحن نواجه أول نقطة تحقّق. يقول النُقاد بأن الأسواق الحرة والحافز على تحقيق الربح يعملان عادةً على تعزيز مبدأ الفردانية الأنانية الذي يُعد غير صحي والذي يُفضل المصلحة الخاصة على كل شيء ويستخف بالالتزامات الإجتماعية. إلا أن مبدأ الفردانية ينسجم وعلى نحوٍ كامل مع التضامن الاجتماعي والأعمال الخيرية اتجاه الآخرين. وفي الحقيقة فإن مبدأ الفردانية الصحيح (والذي يعني إيمان المرء بقوته في توفير الحياة لنفسه ولعائلته ولتحقيق التغييرات الاجتماعية) هو الظرف المطلوب تواجده من أجل تحقيق التضامن مع باقي أفراد المجتمع وإنجاز الأعمال الخيرية اتجاه الأفراد المحتاجين. وبالفعل، وكما قال جورج كيلدر ببلاغة فإن الفاعلين في اقتصاد السوق هم موجهون بطبيعتهم لخدمة الآخرين. فهم يكتشفون حاجات الآخرين المنطقية ويعملون على إرضائهم بتقديم بضائع وخدمات مُفيدة.

وعلى الرغم من قيام اقتصاد السوق بتعزيز ومُجازاة العديد من الفضائل، إلا أنه لا يتوجب علينا المساواة بين اقتصاديات السوق الحرة والفضائل والأخلاقيات. أولاً، لا يمكن للأسواق أن تتواجد دون قواعد أخلاقية ضمنية وحقوق والتزامات مثل المُمتلكات الخاصة والتبادل السَلمي. ويُفسر العديد من أخصائيي الاقتصاد القضايا الأخلاقية الأساسية مثل الملكية وعدم شرعية السرقة وحتى عدم شرعية العبودية من حيث “كفاءة” مثل هذه القواعد. وهم مُرحبٌ بهم كي يفعلو ذلك. إلا أنه من المستحيل اشتقاق القواعد الأساسية التي تجعل السوق الحرة شيئا يمكن تحقيقه من مبادئ السوق الحرة نفسها. والسبب هو: أن تحليل “الكفاءة” يعتمد على التبادل الطوعي والسَلمي والذي يعتمد على تطبيق القواعد الاجتماعية والقانونية لنظام أخلاقي موجود سلفا.

ثانياً، في الوقت الذي تُسهم فيه السوق الحرة في مجال الفضائل والأخلاقيات، إلا أنها لا تُعتبر بأي شكل من الأشكال ضامنا لها. ويمكن لعوامل السوق، مثل الحافز على تحقيق الأرباح ،أن تصبح غير متوازنة أو أن يتم إعطاء الأولية لها وعلى نحوٍ مُفرط وتقود بذلك إلى الطمع والأنانية. ولا يكمن الحل في إدانة اقتصاد السوق، بل بتعليم المشاركين فيه التركيز على تقديم الخدمات للآخرين داخل وخارج التبادل الاقتصادي على حدٍ سواء، وكذلك الحفاظ على الربح والمصلحة الخاصة في توازن مع الأسرة وحاجات المجتمع وتعزيز الثقة والمحاسن الاجتماعية الأخرى. وكذلك فقد يقود المبدأ الأساسي للسوق في تحقيق الأرباح عن طريق خدمة حاجات الآخرين، إلى مشاكل إذا ما كانت هذه “الحاجات” المُراد تلبيتها دنيئة. وعلى الرغم من أنه يجب على فاعلي السوق أن يكونوا حذرين من فرض مبدأ التزمّت الضيق على زبائنهم، فإن هنالك نقاطا حيث يمكن للبحث عن الربح أن يتعدى حدودا أخلاقية واضحة.

يفرض هذا التوتر سؤالاً أوسع يفوق الأسواق الحرة وهو: هل تؤدي الحُرية نفسها إلى انحلال الأخلاق؟ وبالنظر إلى الحالة الموحشة التي تعيشها الثقافة الأمريكية المُعاصرة فقد يكون الجواب على السؤال بـ “نعم” ، حيث يتم إغراقنا وعلى نحوٍ ثابت بالإحصائيات المُتشائمة حول حالة الانحلال الأخلاقي مروراً بالنشاطات الإباحية والخيانة الزوجية وانتهاءً بتعاطي المُخدِرات والجريمة. إن حالة الانحلال هذه هي نتيجة تراجع الحُرية، المعرفة بشكل أفضل بالحرية بمسؤولية، وتحولها إلى رخصة، أي الحرية في فعل أي شيء يرغب به المرء بغض النظر عن أثر ذلك على الآخرين.

إن تصور المؤسسين الأمريكيين للحرية كحُرية ذات أهداف، موجهة لشيء أكثر أهمية من النفس، يختلف بشكل حاد عن منظور الثقافة الشعبية اليوم للحرية كتحرر من أي قيود حول الرغبات أو الحاجات المُلحّة. وقد ميّز بابا الفاتيكان جون بول الثاني بصورة صحيحة مابين الحُرية الحقيقية في فعل ما يتوجب عليك فعله بطريقة تجعلك تستخدم موقفك المتفرد ومواهبك– حُرية الوسائل – وبين الحُرية الخاطئة في فعل ما ترغب فعله مهما كان الهدف أو الرغبة – حُرية الغايات. إن غايات البشر ومحاسنهم والتي تُعطينا إياها الطبيعة، هي أمور لا يمكننا تعريفها وإعادة تعريفها. فنحن لا نزدهر عندما نفعل أي شيء نُريدهُ آنياً بل عندما نختار محاسن أسمى وأهداف طويلة الأمد. ويتطلب هذا لنوع من الازدهار الإنساني الانضباط والإبداع.

وفي نهاية المطاف وكما نلاحظ في غالب الأحيان في الولايات المُتحدة الأمريكية، فإن النظر إلى الحرية كرخصة يؤدي إلى تجاهل ما هو أخلاقي وشرعي. ويقود هذا الميول في الحقيقة إلى حُرية أقل لأن الناس يصبحون عبيداً لعواطفهم وينتهي بهم المطاف بتجاهل حقوق الآخرين وتجاوزها. ويعمل هذا الفهم المُباح للحرية على تقويض الوظيفة الصحيحة للأسواق الحرة والتي تعتمد على الصراحة والثقة والمسؤولية والاعتماد على النفس ووضع الأهداف طويلة الأمد والالتزام بها.

لا تؤدي الأسواق الحرة إلى انحلال الأخلاق، على الرغم من أنها قد تزيد من مخاطر حصول بعض المشاكل الأخلاقية. وفي الوقت الذي تلعب فيه الأسواق الحرة وبلا شك دوراً مهما في تعزيز الفضيلة، يتوجب على الأسر والمُجتمعات المُترابطة أن تُساعد على رعاية الفضيلة الفردية والحُرية التي تسمح بها هذه الفضيلة. و مثل باقي مظاهر المجتمع الحر والعادل، فإن الأسواق الحُرة تعتمد على الأخلاقيات الفردية في عملية ترويض عواطفنا ودوافعنا الأنانية واختيار الأهداف التي تحددها لنا الطبيعة والطبيعة الإلهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018