بقلم: کینکلیان هي، اقتصادىة صينية ورئيسة التحرير لصحيفة شنتشن القانونية اليومية. وهي مؤلفة كتاب ” مطبات الحداثة” : المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للصين الحديثة و”التضليل الرقابي” : الرقابة الإعلامية في الصين .

خلال القرون العديدة الماضية، شهد العالم الوسائل العديدة التي تُحفز من خلالها السوق الحرة التقدم الاجتماعي والمادي بينما تقوم في نفس الوقت بتعزيز الأخلاق. على النقيض من ذلك فإن الناس الذين عاشوا في ظل النظام الحديث، المنافس الأول للسوق الحرة، أي الاقتصاد المخطط لاشتراكية الدولة و المستمد من الايديولوجيا ، قد عانوا عندما داهم الركود الأداء الاقتصادي وتراجع المجتمع المدني و انحلت الأخلاق: في العقود الأخيرة وعندما انهارت الاقتصادات المخططة بسبب تناقضاتها، أثبتت هذه التجربة الطوباوية كونها فشلا منهجيا. لقد كان المواطنون الذين تحملوا سنوات طوالا من الكوارث الاقتصادية والأخلاقية والسياسة حريصين على التخلص منها.
بالطبع فإن اقتصاد السوق ليس نظاما مثاليا. ولكن عيوب السوق تنبع من أفعال ودوافع مشاركيه بدلا من تنظيم السوق في حد ذاته. لقد علمتنا التجربة أن السوق الحرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع الحر، وفي المجتمعات الحرة، يكون الناس أكثر قدرة على العمل في تنسيق فيما بينهم لتحسين حياتهم. تمنح المجتمعات الحرة الناس الفرصة لجعل أنظمتهم السياسية والاجتماعية أكثر عدلا. عموما فإن هذه الأنشطة تعزز الأخلاق ولا تؤدي إلى انحلالها.
من منظور تاريخي مقارن، فإننا نميل إلى تعريف السوق كنظام سوسيو اقتصادي شامل، يشمل المؤسسات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية والثقافية. ولكننا وعندما نحلل العلاقة بين السوق والأخلاق فإنه من المنطقي استعمال تعريف أضيق كأن نعرفها مثلا بالقواعد التي تنسق الأنشطة الاقتصادية.
فأي الاثنين أرجح أن يكون العامل المسبب في تحليلنا، هل السوق أم الأخلاق؟ يجب أن نعترف بأن الأحكام الأخلاقية فيما يخص بعض الأنشطة السوسيو اقتصادية هي مختلفة عن الأحكام الأخلاقية المتعلقة بقواعد السوق. تُشكل قيمُ وأخلاقيات الأعمال سلوكَ الفاعلين الاقتصاديين. إذا نتج عن أنشطة هؤلاء عواقب سلبية أو غير منتظرة فإنه يجب البحث عن تفسير أولا في المؤسسات الاجتماعية التي تغذي السوق بدلا من قوانين السوق نفسها.
إن النقاشات حول تخليق السوق- أي التخفيف من بعض آثار النمو أو التوسع العالمي للسوق– تتطرق بشكل أفضل إلى الأولويات السوسيو ثقافية للفاعلين الاقتصاديين. يجب على الدول والمنظمات الدولية والمجموعة أو الحركات المدنية أن تساعد في تشكيل قيم جديدة وانشغالات أخلاقية قبل أن يأملوا تشكيل قوانين السوق ومشاهدة سلوك أفضل.
تشكل الأنشطة الاقتصادية هي جزءا لا يتجزء من ظروف سوسيو ثقافية. منذ صين القرن العاشر إلى أوروبا القرن الواحد والعشرين، يعمل الاستهلاك والإنتاج وفقا للقيم الأخلاقية السائدة. وفي كل السياقات التاريخية، كانت الرؤية الأخلاقية مرتبطة دائما بالاعتقاد الديني. فمثلا، هناك تصورٌ اليوم بأن الأفراد المتدينين في الدول الشرق آسيوية هم أرجح أن يكونوا أمناء في ميدان الأعمال. في المقابل، وفي الصين المعاصرة، حيث مُنع الدين في الماضي و هو لحد الآن مراقب من طرف الدولة، تفشى الانحلال الأخلاقي في ميدان الأعمال كلما تأصل اقتصاد السوق.
تؤثر عوامل أخرى كذلك على الرؤية الأخلاقية. لقد جعلت العولمة الاقتصادية و الثقافية في القرون الأخيرة الدول النامية تتعرف ليس فقط على مؤسسات اقتصادية جديدة ولكن أيضا على قوانين وقيم الغرب التي لا تفتأ تتغير. تتمثل آخر الاتجاهات المثيرة للجدل في المنتجات الاستهلاكية المحافظة على البيئة ووضع المعايير العالمية لظروف مكان العمل مثل “معايير المساءلة الاجتماعية الثمانية آلاف” التي تم تطويرها منذ قرن مضى من الزمن. يُعتبر الاثنان مثالين بارزين على تغير القيم، لكن تأثير الثاني كان أكبر بكثير على دول مثل الصين حيث حسّن ظروف العمل في العديد من المصانع الاستغلالية.
تحدث اليوم تعديلات جذرية للقيم الأخلاقية في المجتمعات الانتقالية بما أن اقتصادات الأمس المخططة المنعزلة هي الآن تتحول إلى أنظمة سوق مترابطة فيما بينها. للتأكيد فإن إرث مؤسسات الدولة ودور النخب المهيمنة من شأنهما أن يؤخرا أو يعرقلا التعديل. في أوربا، لم يتضح أنه كان لإدماج دول الاتحاد السوفياتي سابقا في النظام التجاري للسوق الحرة في القارة، الكثير من النتائج السلبية من حيث الأخلاق. ولكن فيما يتعلق بالصين، يمكن للفرد أن يجد بسهولة حججا على التراجع، على مستوى التنظيم الأخلاقي وكذا أخلاقيات الأعمال. يُشترى التأثير السياسي و كذا المناصب الحكومية بالمال وتُحرر الرشاوى الناس من العقاب الجنائي، كما أن مشغلي الأطفال الصغار نادرا ما يعاقبون وبيع الدم والأطراف البشرية أصبح ممارسة شائعة.
إن كل هذه الأنشطة هي غير قانونية في الصين لكن الحكومة تسمح بها. لا تزال الدولة بالتأكيد بعيدة عن سيادة القانون. بالفعل، فهي محكومة من طرف مجموعة سياسية تتموقع فوق القانون. تُصارع المنظمات الغير حكومية من أجل مكافحة هذه المشاكل المعيقة ولكن أنشطتها مراقبة بصرامة ويشرف على كل واحدة منها مكتب حكومي. بدلا من أن تتخذ الحكومة إجراءات حازمة لمنع هذه الأنشطة الغير قانونية “اسميا” فإنها على العكس تبذل مجهودات كبيرة لمراقبة تقارير وسائل الإعلام ومحادثات الانترنيت حول مثل هذه “الأخبار السلبية التي تسيء لصورة النظام”.
فمن يستحق اللوم إذن على نزع الطابع الأخلاقي من التنمية في الصين؟ هل هي سوق الحرة نفسها أم فشل الدولة ونخبتها الحاكمة؟ يلعب الأفراد الذين يسنون ويفرصون قوانين السوق دورا حساسا. وهذا صحيح بشكل خاص في الصين حيث يقوم موظفو الحكومة والحزب بوضع قوانين ومراقبة الأنشطة الاقتصادية حتى لما يكونوا أنفسهم يبحثون عن الربح. إنه قبول هؤلاء الأشخاص بالأنشطة اللاأخلاقية وليس نمو السوق الحرة هو ما شوه النظام الأخلاقي في المجتمع الصيني.
بالاعتماد على التجربة الحديثة للصين فإني سأختتم المقال بثلاث من العبر. أولا: رغم الأصداء الاحتفالية في الصحافة الدولية فإن تأثير الحكومة الصينية على السوق لم يكن دائما إيجابيا. ثانيا: تحتاج سوق قوية ومستدامة إلى بنية سياسة ديمقراطية. و ثالثا: فالسعي وراء التنمية الأخلاقية ليس أقل أهمية بالنسبة للصين من تشجيع التنمية الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018