بقلم: أيان حرسي علي، ولدت في الصومال ، وهاجرت سنة 1992 إلى هولندا ، حيث شغلت منصب عضو في البرلمان من 2003 حتى 2006. وهي مؤلفة احد  أكثر الكتب مبيعا ” الكافر ” وزميلة باحثة في معهد امريكان انتربرايز.

هنالك القليل من الإجماع على ما هو أخلاقي، فبالأحرى على ما يؤدي إلى انحلال الأخلاق. ويقيس الشخص المؤمن أخلاقه بقدرته على الالتزام بأوامر إلهه. وقد يقيس شخص اشتراكي القوة الأخلاقية للفرد عن طريق مدى تفانيه في عملية إعادة توزيع الثروة. وأما الشخص الليبرالي (وما أعنيه هنا هو الشخص الليبرالي التقليدي مثل آدام سمث أو ميلتون فريدمان وليس ليبرالي بالمعنى الأمريكي الذي “يُساند مبدأ الحكومة الكبيرة”) فقد يكون مُتديّناً وقد يرى فضائل المساواة في الدخل ولكنه سوف يضع الحرية دائماً في مقدمة الأمور، وهذا هو الإطار الأخلاقي الذي أنتمي إليه.

وطبقاً لنهج التفكير هذا، فإن حرية الفرد هي الهدف الأسمى والاختبار الأقوى لشخصية المرء في مقدرته على الوصول إلى أهدافه التي اختارها في الحياة دون انتهاك حرية الآخرين في عملية الوصول إلى أهدافهم. ومن هذا المُنطلقْ فإن النشاط الاقتصادي الحرة مابين الأفراد والمؤسسات والأُمم تعمل على تعزيز الخِصال المرغوب بها مثل الثقة والأمانة والعمل الشاق. هذا وإن المُنتجين مجبرون باستمرار على تحسين بضائعهم وخدماتهم. تعمل السوق الحرة على خلق نظام مبني على الاستحقاق وتخلق فرصاً لوظائفٍ أفضل للطلاب الذين يدرسون جاهدين في المدارس. وتدفع نفس الآلية الآباء لتكريس المزيد من الوقت والمال من أجل تعليم أولادهم. ويعمل المُنتجون على الاستثمار في مجال البحث والإبداع وذلك للانتصار على مُنافسيهم في الأسواق.

ولمعرفة كيف تعمل السوق الحُرة على تقوية الأخلاق على نحوٍ فعال، فإنه من المفيد أن نلقي نظرة على الأنظمة الاقتصادية التي تُقوّض أو ترفض السوق الحرة. لقد جُرّبت الشيوعية مثلا في كل مكان، ولم تُسفر التجربة فقط عن خلق الفساد والمنتجات ذات جودة رديئة فقط، بل أسفرت أيضا عن الخوف واللامُبالاة والتخلف والظلم وفُقدان عام للثقة. وقد أفلس كل من الاتحاد السوفيتي والصين في فترة ما قبل الإصلاح أخلاقيا واقتصاديا على حدٍ سواء.

أو لنلقِ نظرة على النظام الإقطاعي الموجود في المملكة العربية السعودية حيث نجد حاكما مطلقا، وتنظيما تراتبيا دينيا يعمل على تعزيز قبضة العائلة الحاكمة على السلطة، بالإضافة إلى عدة طبقات من العبيد وهم: الأقلية الشيعية المقموعة والعُمال المُهاجرين الذين ينتمون إلى مستوى اجتماعي متدني والذين يتم استغلالهم بشكل واسع، والنساء، وللّواتي يتم حجزهن و الإساءة لهنَّ. ويبدو الركود والقمع في المجتمع السعودي في أعين الليبراليين التقليديين على أنه أمر غير أخلاقي بمعنى الكلمة. وعلى عكس الشيوعية فإن النظام لا يستطيع حتى أن يقدّم غطاء “العدالة” الكبرى.

وللسوق الحرة عيوبها الأخلاقية الخاصة. ويمكنني أن أفهم لماذا يجد النُقاد بأنه من الصعب إيجاد الأخلاقيات في نظام السوق الذي يسمح للشابات كسب ثروة واسعة من التمايل و التغريد على شاشات التلفاز، وكذلك يسمح للشباب بأن يصبحوا أثرياء على نحوٍ فاحش لأنهم يستطيعون أن يُغنوا حتى بلوغ مستويات إيقاعية عالية تتسبب فيها المخدرات. وهنالك أيضا نقاش مشروع بين مؤيدي السوق الحرة تماما وأولئك الذين يقترحون ضرورة وجود إشراف حكومي على الخدمات الحيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم.

ومن وجهة نظري فإن مستوى خدمات الرعاية الحكومية في أوربا الغربية هو مُبالغ فيه وغير إنتاجي لأن هذه الخدمات لا تُشجع على الإبداع وتُعزّز الاتكالية وبذلك تؤدي إلى إتلاف النسيج الأخلاقي والمسؤولية الفردية عن طريق تشجيع الناس على الكسل و الاتكال على الدولة في فعل أشياء يمكنهم (ويجب عليهم) أن يفعلوها بأنفسهم. ففي مجتمع السوق الحرة حيث تكون الحرية في مُقدمة الأمور، يميل الأفراد ليكونوا أكثر خلقا و إبداعاً. بينما يتم إساءة استعمال الموارد البشرية في دول الرفاهية الاجتماعية التي تُعطي الأولولية للمُساواة. ولتكون شخصاً ناجحاً فإنه يتوجب عليك أن تتعلم “كيفية تشغيل النظام” وليس كيفية تطوير منتوج أفضل. وبذلك فإنه يتم تفادي المخاطر وإثباط المسؤوليات الفردية. وعلى الرغم من أن النظام يبدو عادلاً من الناحية السطحية إلا أنه يعزز نماذج دون مستوى المتوسط و الشعور بكون المرء ضحية وكذلك فإنه يحبط عزيمة الأشخاص الذين يرغبون في التفوق.

واليوم فإن مجتمعات السوق الحرة تتعرض للهجوم من قبل مناصري البيئة لادعائهم بأنهم يخربون الكوكب.  و لكن النقاش الساخن حول الاحتباس الحراري والتداعيات الأخلاقية للنفايات والتلوث يحدث فقط في المجتمعات الحُرة سياسياً. إضافة إلى ذلك، فإنه في الوقت الذي تُناقش فيه الحكومات إذا ما كان الاحتباس الحراري ظاهرة من صنع الإنسان، بدأ الفاعلون الاقتصاديون يأخذون هذه الانشغالات بعين الاعتبار في إنتاجهم واستثمارهم. فقد بدأوا باتخاذ الإجراءات اللازمة لصناعة سيارات أكثر كفاءة من ناحية إحراق الوقود وكذلك خلق أنظمة بأسعار مُناسبة لتوفير موارد بديلة للطاقة. إن التسويق القائم على عبارة “أكثر اخضراراً منك” هو قوة كبيرة بين جزء مُعيّن من مُستهلكين. وتقوم المؤسسات والشركات لكونها فاعلا اقتصاديا عقلانيا. في الواقع، يمكن للشركات “الأكثر اخضراراً” أن تُحقق أرباحاً أكثر من الشركات التي تُهمل أخلاقيات البيئة.

هل يعتري الأغنياء الطمع دائما؟ هنالك الكثير من الناس الأثرياء والمُنحطين والمُبتذلين في أمريكا. إلا أن هنالك الكثير من المحسنين النُشطاء وبالفعل فبفضل بعض أثرى أثرياء هذا البلد، هناك تحسن ملحوظ في الوعي العامي في مجال مُحاربة العديد من الأوبئة. فعلى سبيل المثال فإن احتمالية التخلص من وباء الملاريا قريبا من قبل مُستثمرين خاصين هي أعلى منها من أن تتم عن طريق البُلدان أو بيروقراطيي الأُمم المتحدة.

ويَعتز هؤلاء الرجال والنساء المُحظوظين بمساهماتهم في النتاجات الثقافية مثل المكتبات والحفلات والمتاحف وأخيرا في الحصول على كوكبٍ أنظف. وقد يكون الإحسان الفردي النشيط الذي تتحلى به أمريكا، إحدى وظائف قانون الضرائب، إلا أن هذا الموضوع مُهم بحد ذاته، فقد تكون السوق الحرة المؤطرة بطريقة صحيحة أكثر فعالية في تحقيق الصالح العام أكثر من بيروقراطية دولية مغرورة تُديرها الحكومات.

وبالنسبة للذين يبحثون عن المثالية الأخلاقية والمجتمع المثالي فإن السوق الحرة ليست بالشيء الذي يستجيب لمطالبهم. فالتاريخ يُخبرنا بأن مَهمة البحث عن المجتمعات المثالية – والذي يعني الفشل في الاعتراف بأن الإنسان ليس مثالياً- قد انتهت أغلبها بشكل أو بآخر إلى تكوين نوع من الأنظمة الدينية أو الأنظمة المُستبدة أو الفوضى التي يسودها العنف. إلا أنه وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يرغبون بالعمل مع العيوب البشرية في كل نواحيها و الرفع من مستوى السعادة الفردية، فإن أفضل طريقة هي السوق الحرة ممزوجة بالحرية السياسية.

إن أمريكا بلد غير مثالي وفوضوي وفي بعض الأحيان منحط وعادة مايكون هذا البلد قاسياً على الضعفاء. إلا أن المعايير الأخلاقية لهذا البلد هي أعلى من تلك المعايير الخاصة بالقوى العُظمى الأخرى التي ذكرها في التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018