بقلم: روبرت ب-رايتش، أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وقد نشر اثني عشر كتابا في السياسة العامة اشتغل في ثلاث إدارات وطنية، وكان آخرها منصب وزير العمل في عهد الرئيس بيل كلينتون.
إن غالبيتنا هم مستهلكون يحاولون الحصول على أفضل الصفقات الممكنة في السوق. غالبيتنا أيضا هم ” كائنات أخلاقية” تحاول أن تقوم بالأشياء الصحيحة في جماعاتها و مجتمعاتها. للأسف، فإن رغباتنا المتعلقة بالسوق هي غالبا ما تتعارض مع التزاماتنا الأخلاقية. كيف نتعامل إذن مع هذا الصراع؟ إننا غالبا ما نتجنبه. إننا نفضل أن لا تنعكس القرارات التي نتخذها كمستهلكين على أخلاقنا، فبهذه الطريقة لا يتوجب علينا القيام بخيارات غير مريحة بين المنتجات و الخدمات التي نريدها و المُثل التي نطمح إليها.
فعلى سبيل المثال، عندما يمكننا أن نحصل على المنتجات التي نريد من وراء البحار بكلفة أرخص فإن أفضل الصفقات التي يمكن أن نحصل عليها في السوق ستكون على حساب وظائف جيراننا و أجورهم.
إن الصفقات الجيدة غالبا ما تأتي أيضا على حساب ” شوارعنا الرئيسية” محاور -جماعتنا- لأننا نستطيع الحصول على أسعار أقل لدى متاجر كبيرة على مشارف بلدتنا. كفاعلين أخلاقيين فإننا نهتم بمصلحة جيراننا و جماعتنا و لكن كمستهلكين، فإننا نبحث متلهفين على صفقات بإمكانها أن تضعف ظروف عيش جيراننا و محيط جماعاتنا. كيف نتعامل مع هذا الصراع؟ إننا غالبا ما نتجاهله.
بالمثل، فإننا ككائنات أخلاقية، نريد أن نرى أنفسنا كوكلاء للبيئة يحاولون حماية الأجيال المقبلة، و لكننا كمستهلكين، غالبا ما نتجاهل هذا الطموح الأخلاقي. يستمر العديد منا في شراء السيارات التي تنفث الكربون في الهواء، و بعضنا يقضون الكثير من الوقت في التحليق من مكان لآخر في طائرات نفاثة لديها انبعاثات أكبر من الكربون، كما أننا دائما ما نشتري سلعا بأسعار منخفضة من دول لا تلتزم المعايير البيئية حيث المعامل تتخلص من موادها الكيميائية السامة في المياه و ملوثاتها في الهواء.
كيف نوافق بين موقفنا الأخلاقي اتجاه البيئة و عاداتنا الشرائية ؟ عدا شراء المنتجات “الصديقة للبيئة” بين الحين والآخر، فنحن عادة لا نحاول حتى.
إن لمعاملاتنا المتعلقة بالسوق كل أشكال العواقب الأخلاقية، عواقب نفضل أن لا نعرف عنها شيئا. يمكننا الحصول على صفقات جيدة لأن منتجا قد خفض من التكاليف عن طريق إنشاء متاجر في الدول الفقيرة وتوظيف أطفال يعملون اثنتي عشرة ساعة يوميا، سبعة أيام في الأسبوع، أو عن طريق حذف المزايا الصحية والمعاشات التقاعدية لموظفيها الأمريكيين ، أو عن طريق النقص من معايير سلامة العمال. ككائنات أخلاقية، فإن معظمنا لا يختار عمدا هذه النتائج، ولكن كأشخاص يبحثون عن الصفقات الجيدة فنحن مسؤولون في نهاية المطاف عن هذه النتائج.
إننا عادة ما نتجنب مواجهة الصراعات بين حوافز السوق لدينا ومُثلنا الأخلاقية و ذلك بطريقتين. أولا، إذا علمنا بالنتائج المرفوضة أخلاقيا مثل تلك التي وصفتها أعلاه، فعندها نُحمل المنتجين والبائعين المسؤولية وليس أنفسنا نحن كمستهلكين. إننا نعتقد مثلا، أن تجار التقسيط الكبار هم مسؤولون كليا عن إعطاء موظفيهم أجورا منخفضة و عن إبعاد النشاط التجاري عن الشوارع الرئيسية، أو أن شركات صناعة السيارات هي المسؤولة عن إنتاج السيارات التي ينبعث منها الكثير من الكربون الملوث.

رغم هذا، فإن هذا المنطق غير سليم. عادة ما لا يملك المنتجون والبائعون الكثير من الخيارات سوى خفض التكاليف أكثر ما يمكن إن لم يكن خفضها أكثر من منافسيهم. إن مطالبنا المستمرة من أجل الحصول على صفقات جيدة هي من يدفعهم للقيام بذلك. فهم يعرفون أنهم إذا ما فشلوا في منحنا ما نريد، فسنطرق أبواب منافسيهم. إن النتائج المرفوضة أخلاقيا والتي نلومهم عليها هي غالبا الآثار الجانبية الحتمية لمحاولاتهم الاستجابة لمطالبنا من أجل صفقات جيدة.
إن الطريقة الثانية التي نتجنب بها مواجهة هذه الصراعات هي تفرقة رغباتنا المتعلقة بالسوق عن رؤانا الأخلاقية. إننا في الواقع “نغسل” أموالنا من خلال آلية السوق. عندما نشتري من بائع لديه عقدة لبيع ماركة محلية لإحدى متاجر التجزئة العملاقة، وهذه الأخيرة تحصل على المنتج من خلال شبكة توزيع تحصل عليه بدورها من شركة مصنِعة ، و تلك الشركة تقوم بتجميع الأجزاء المتخصصة للمنتج من مقاولين يقومون بتشغيل مقاولين آخرين في جميع أنحاء العالم، فإن الآثار الاجتماعية لعملية شراءنا في نهاية المطاف هي بعيدة للغاية عنه لدرجة أنه يمكننا بسهولة إخلاء أنفسنا من المسؤولية الأخلاقية. فنحن ببساطة لا نرى العلاقة بين اختيارات المستهلك فينا و، مثلا، بين الأطفال الذين يعملون في دولة فقيرة أو جيراننا الذين يفقدون وظائفهم وأجورهم.
ومن المؤكد أن بعض المستهلكين يقومون بالتسوق آخذين بعين الاعتبار هذه النتائج الأخلاقية البعيدة التأثير، وبعض الشركات تفخر لبيعها سلعا وخدمات أنتجتها بطريقة مسؤولة اجتماعيا وأخلاقيا. لكن الدلائل تشير إلى أن معظم المستهلكين يريدون فقط صفقات جيدة. وحتى و إن أردنا أن نضم صوتنا للعلامات التجارية المسؤولة، فمعظمنا لا يريد دفع أية مصاريف إضافية للحصول على منتجات مسؤولة.
لا تفسد السوق أخلاقنا. بل إنها بدلا من ذلك تمكننا من خلال هاتين الطريقتين أن نحمي أنفسنا من أي اختبار حقيقي لأخلاقنا. إنها تسمح لنا إذن بالاحتفاظ بمبادئنا الأخلاقية حتى عندما يكون من شأن خياراتنا الخاصة بالسوق أن تولد نتائج من شأنها انتهاكها.
إذا كانت آلية السوق شفافة بحيث لا يمكننا أن نتجنب معرفة الآثار الأخلاقية الناجمة عن قراراتنا بالشراء، فمن المفترض أنه سيكون علينا أن نختار إما التضحية ببعض الراحة المادية في سبيل مبادئنا أو التضحية بهذه المبادئ من أجل الحصول على وسائل الراحة. سيكون ذلك اختبارا حقيقيا. و بما أن هذه الشفافية غير موجودة، فنحن لسنا بحاجة أن نضحي بأي من الاثنين. يمكننا الحصول على الصفقات الجيدة والحفاظ في نفس الوقت على ضميرنا الأخلاقي دون بذل أدنى مجهود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018