الفلسفة الحديثة ومفهوم حقوق الإنسان

Rate:
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 3.3/5 (4 votes cast)
Bookmark and Share

  يكتسي موضوع حقوق الإنسان أهمية متزايدة نظرا إلى أنه أصبح أداة نضال سياسي ضد مظاهر الاستبداد، ومن أجل الدفاع عن الحقوق الفردية ضد تعسف الدولة والسلطات المركزية، ومن أجل إنشاء دولة القانون والحقوق. وفي الوقت نفسه يتزايد اهتمام الفلسفة بموضوع حقوق الإنسان بسبب ذلك التنافس المحتدم بين الفلاسفة والحقوقيين بعامة حول مشروعية حقوق الإنسان وأحقية الحديث عنها. إضافة إلى ذلك فإن قرار إدخال ثقافة حقوق الإنسان ضمن برامج التعليم فجر تنافسا قويا بين المواد الحاملة أو المفترض أن تكون كذلك. وهذه الوضعية تطرح التساؤل حول علاقة الفلسفة بحقوق الإنسان، وحول مشروعية الحديث الفلسفي في هذا الموضوع، وحول سماته العامة.

        هناك، على وجه العموم ثلاثة أنماط من الخطاب حول حقوق الإنسان، أولها الخطاب العلمي وهو خطاب وصفي أكاديمي نموذجه العلوم السياسية التي جرى فيها وصف منظومة حقوق الإنسان، وأنواعها وأجيالها وفئاتها، والمؤسسات الوطنية والدولية المكلفة بحمايتها، والنصوص القانونية والإعلانات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعقودة بصددها. وفي مقابل هذا الخطاب العلمي المحايد يزدهر نوع آخر هو الخطاب الإيديولوجي، أي خطاب المناضل السياسي والحقوقي الذي يتخذ من منظومة حقوق الإنسان أداة نضال سياسي ضد هذه السلطة أو تلك. وهذا الخطاب يتسم بنزعته الدعوية والتعبوية والنضالية الواضحة.

        لكن هناك نمطا ثالثا، وهو الخطاب الفلسفي حول حقوق الإنسان. وهو بالتأكيد غير الخطابين، العلمي والإيديولوجي، فسمته الأساسية هي أنه خطاب تساؤلي أكثر مما هو خطاب تقريري وهو، على العموم، يتخذ ثلاثة أنماط:
الخطاب الكاشف للأوهام والاسثمارات:
تتسم الفلسفة المعاصرة باتخاذها موقفا توجسيا وتشككيا تجاه المُثُل العامة، إذ تكشف عما يكمن خلفها من رغبات وإرادات قوة أو استثمارات اقتصادية وإيديولوجية وسيكولوجية. فمُثُل كالوحدة والحرية والحق والديمقراطية والاشتراكية قيم نبيلة في حد ذاتها، لكنها معرضة للاستثمار أو الاستغلال من طرف أفراد أو فئات أو نخب اجتماعية تتخذ منها أقنعة تخفي بها استراتيجيتها في الهيمنة.
وخطاب حقوق الإنسان نفسه لم يسلم من هذه الاستثمارات إما على الصعيد الداخلي لكل بلد، حيث يتم توظيفها من قبل الدولة أو الأحزاب أو بعض الفئات المهنية كالحقوقيين والمحامين والأساتذة، كل بطرق الخاصة. كما أن هذه المنظومة الحقوقية تم استغلالها من طرف الغرب و”العالم الحر” كقوة ضاربة ضد المعسكر الاشتراكي سابقا، أو بانتزاع “حق التدخل” ضد بعض الدول باسم حماية حقوق الإنسان فيها.

        وتقدم الاتجاهات الفلسفية الحديثة السند والأساس الفكري الذي ساعد على تطوير موقف الشك والتوجس تجاه المثل العامة. فالتحليل النفسي ينظر إلى المُثُل في علاقتها بالأنا الأعلى، وينظر إليها من زاوية أنها بنية فكرية تعويضية أو تهويمية على الذات. وسواء تعلق الأمر بالمُثُل الجماعية، التي هي جزء من المتخيل الجمعي الذي يؤدي وظيفة تعويضية أو تحقيق نوع من التوازن في النفسية الجماعية، أو تعلق الأمر بالمثل الفردية فإن التحليل النفسي ينظر إليها من زاوية وظائفها السيكولوجية الجماعية أو الفردية.
ومثل هذا الموقف المتشكك نجده عند نيتشه ( 1900-1840 ) الذي يعتبر المثل بنيات أخلاقية تحمل أقنعة ماكرة من حيث أنها تعبير مقنَّع عن إرادة القوة. وقد سبق لنيتشه في كتابه إرادة القوة أن عرّف الحق من خلال القانون الذي يصوغه ويعبر عنه على أنه يعبر عن “الرغبة في تخليد ميزان (أو علاقات) القوة الحالي للطرف الذي هو في صالحه”.

        وفي منظور مقارب يعتبر ماركس ( 1883-1818 ) المثل أوهاما وتضليلات طبقية، ناظرا إلى القانون وإلى وجهه الآخر المتمثل في الحق، على أنهما انعكاس لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية والمهيمنة والسائدة في المجتمع. كما يعتبر  ألتوسير ( 1990-1918 ) القانون جهازا إيديولوجيا تتمثل وظيفته في شرعنة السيادة والسيطرة وتخليدهما بالتمويه عليهما بإخفاء علاقات السيطرة تحت غلالة من الأخلاق والمثل السامية.
والفلسفة المعاصرة لم تخرج عن هذا المنظور ذي النفحة النيتشوية الواضحة. فميشيل فوكو ( 1984-1920 ) ينظر إلى المثال على أنه يخفي مجموعة من القوى، ويعتبر القانون بمثابة حرب مشنونة بوسائل أخرى. والقاعدة الأساسية التي تحكم منزور فوكو كما صاغها دولوز ( 1995-1925 ) هي “الشكل عبارة عن علاقات قوى”.
ويشير هذا الأخير في دراسة له عن فوكو إلى أن فيلسوف السلطة لم ينخدع يوما بمقولة “دولة الحق والقانون” ولم يتبتل يوما في محرابها لأنه يفترض أن وراء الحق والقانون دوما إرادات سيطرة.

        روح الفلسفة المعاصرة مشحونة بالتوجس والتشكك تجاه الحقوق والقوانين والمثل لأنها ترى أن وراء الحقوق مصالح ورغبات، ووراء لائحة القيم لائحة مصالح خفية. إن القانون أو الحق في هذا المنظور، تعبير عن إرادة قوة تقدم نفسها على شكل حق وعلى شكل إرادة جماعية للخير.

خطاب التفكيك والتفكير في شروط الإمكان:
هناك اتجاهات في الفلسفة المعاصرة تمارس نوعا من الحفريات الفلسفية حيث تفكك المفاهيم والنظريات باحثة عن الجذور الفكرية والاجتماعية البعيدة التي تجعلها ممكنة.
فالشروط الاجتماعية لإمكان قيام حقوق الإنسان هي قيام المجتمع الحديث،  ونشوء ضرب جديد من الشرعية يدعي الشرعية الموضوعية أو المؤسسية، وتحول الفرد من مجرد كونه رقما مجهولا في المعادلة الاجتماعية إلى كونه مواطنا ذا حقوق، ومشاركا فاعلا في المجال السياسي.
أما الشروط الفكرية للإمكان بالنسبة لمنظومة حقوق الإنسان فهي النزعة الإنسانية في مدلولها الفلسفي لا الأخلاقي، وهي نزعة ترتكز على تصور جديد للإنسان قوامه أن الإنسان كائن واع وحر مريد وفاعل ومسؤول، ومن ثم فإنه بمثابة مركز ومرجع في الكثير من العمليات التاريخية.
والنزعة الإنسانية التي هي الخلفية الفكرية والمصدرية الفلسفية الأساسية لحقوق الإنسان هي نوع من الميتافيزيقا في نظر هيدغر ( 1975-1889 )، أي رؤية فلسفية تتبنى تصورا فكريا معينا للكائن وتصورا معينا لحقيقة.
هكذا تشكل النزعة الإنسانية السند الأساسي للنزعة الإنسانية الحقوقية أو القانونية، ومثل هذا الحفر في الجذور الفلسفية لمنظومة حقوق الإنسان، بل للنزعة الإنسانية ذاتها، نجد أسسه في فلسفة هيدغر والاتجاهات الفلسفية المتأثرة بها فديريدا ( 2004-1930 ) يشير إلى العلاقة الباروكية (Baroq ) المعقدة بين النزعة الإنسانية الحديثة وخطاب حقوق الإنسان، كما يشير إلى المفارقة المتمثلة في أنه من الضروري فلسفيا تفكيك النزعة الإنسانية التي هي الأساس الفلسفي لحقوق الإنسان، والتي يكون من الضروري نقدها، لكنه يرى أيضا أن خطاب حقوق الإنسان هو خطاب ضروري سياسيا لأنه أداة لمناهضة النزعة الكليانية (الشمولية).

        الأساس الثاني الذي يشكل سندا لمنظومة حقوق الإنسان هو النزعة الإنسانية الحقوقية. وهذه الأخيرة تتضمن وتؤسس لتصور الإنسان كفاعل قانوني (أي كصاحب حق) وكفاعل أساسي كمواطن تشريعي سواء تعلق الأمر بالذات الفردية أو بالذات الجماعية (الشعب).
المدلول الملموس للنزعة الإنسانية التشريعية هو تحقق المواطن كمشارك وفاعل سياسي والشعب كفاعل سياسي، على المستويين النظري والعملي. فحق الفرد في حرية الرأي والفكر هو حقه في أن يكون سيد أفعاله وممارساته مثلما أن حق الشعب يتمثل في أن يكون سيد مصيره وسيد أفعاله وقراراته.

خطاب التأصيل الفلسفي
إذا كان الخطاب الأول توجسيا وكاشفا، والخطاب الثاني بحثا عن شروط الإمكان وعن المصادرات والخلفيات الفلسفية، فإن النمط الثالث ذو سمة تأسيسية وتأصيلية، فهو تنقيب عن الجذور والأفكار المؤسسة لحقوق الإنسان، وهي في الوقت نفسه المحاضن والسلالات الفكرية التي نشأ وترعرع فيها هذا الخطاب والمرتكزات الفكرية الأساسية التي استند عليها، وهي على وجه العموم ثلاث أنوية وشبكات من الأفكار: الحرية، والعقد الاجتماعي، والحق الطبيعي.
ومن المؤكد أن خطاب حقوق الإنسان ارتبط بالتحولات الفكرية والفلسفية الكبرى في الفكر الغربي الحديث، تلك التحولات التي طالت تصور الإنسان والطبيعة والتاريخ كما طالت طبيعة المعرفة نفسها. لكن الروافد الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان ارتبطت بالأفكار المحورية الثلاث التي شكلت العمود الفقري للمنظومة برمتها.

فكرة الحرية
تنقسم حقوق الإنسان بعامة إلى حقوق/حريات وحقوق/ديون، أي إلى حقوق ليبرالية وحقوق اجتماعية ما يعني أن جل الحقوق المنصوص عليها في المنظومة هي في العمق حريات. فحق التملك ليس إلا حرية التملك، وحق الأمن ليس إلا حرية الحركة، وحق التعبير هو في النهاية حرية الكلمة وهكذا.
وفكرة الحرية هاته، التي تشكل صلب منظومة الحقوق الإنسانية وقوامها، هي التعريف الذي نسبته الفلسفة الحديثة للإنسان. فالإنسان عند ديكارت ( 1650-1596 ) هو كائن الاختيار الحر، وهو مملكة الحرية عند كنط، كما أن هيغل ( 1831-1770 ) يعتبر أن حرية التفكير والقرار هي السمة الأساسية المميزة للإنسان في العصور الحديثة.
فهيغل يرى أن “الحق في الحرية الذاتية يشكل النقطة الحاسمة والمركزية التي تجسد اختلاف الأزمنة الحديثة عن العصور القديمة” (فلسفة الحق). كما اعتبر روسو ( 1778-1712 ) الحرية صفة أساسية للإنسان وحقا غير قابل للسلب وغير قابل للتصرف (العقد الاجتماعي).
وعلى وجه الإجمال فإن الاتجاهات الفلسفية الحديثة تعتبر أن الحق هو الوجه الخارجي، أو التحقق الخارجي للحرية، فالحرية هي جوهر الحق والحق هو صيغة الحرية.
وفكرة لحرية هاته التي تبلورت حولها الفلسفة الحديثة تعتبر أن الحق هو الوجه الخارجي، أو التحقق الخارجي للحرية، فالحرية هي جوهر الحق والحق هو صيغة الحرية. وفكرة الحرية هاته التي تبلورت حولها الفلسفة الحديثة واعتبرتها بمثابة تعريف للإنسان الحديث، وجوهرا له، هي جزء أساسي من النزعة الفلسفية الإنسانية الحديثة التي تتمحور حول تصور للإنسان قوامه: العقل والإرادة والحرية.

فكرة العقد الاجتماعي
تشكل فكرة العقد الاجتماعي، على الرغم من طابعها الفرضي من الزاوية التاريخية، الفكرة المحورية للفلسفة السياسية الحديثة، وعنوان ثورة فكرية في تصور المجتمع والسلطة والسياسة. وقد تبلورت هذه الفكرة في جذورها البعيدة في مدرسة الحق الطبيعي حيث أشار غروتيس (ت 1645 )، أحد رواد هذه المدرسة، إلى أنه “يجب إقامة الدولة على الميل الطبيعي محو العيش المأمون والمأمول عن طريق البحث عن قواعد قائمة على العقل”. وقد شكلت هذه الفكرة مطية تحول أساسي في فكرة الشرعية حيث أصبحت السلطة، من خلال المنظور التعاقدي، مؤسسة إنسانية تستمد شرعيتها من التعاقد بين الناس، وهو التعاقد المنظم للحريات والحقوق. وبذلك أصبحت المشروعية السياسية والاجتماعية مرتبطة بالذاتية الإنسانية كذاتية مسؤولة وفاعلة من حيث أنها حرة.

فكرة الحق الطبيعي
شهدت هذه الفكرة نفسها صراعا وتطورا كبيرين، فقد ظلت محط تنازع بين تأويل يرجع الحق إلى الخلق وتأويل يرجع الحق إلى الطبيعة. كما شهدت هذه الفكرة الأخيرة تحولا من الطبيعة الخارجية، وهي المسلمة الأساسية في الفلسفة اليونانية القديمة، حيث يقوم الحق الطبيعي بمفهومه القديم على اللامساواة والتراتب الطبيعي الذي تؤسس له فيزياء أرسطو، إلى مفهوم الطبيعة بمعناه الحديث، وهو الطبيعة البشرية القائمة على العقل والمستندة إلى أساس أنطولوجي قوامه مبدأ المساواة كما سلمت به علوم الطبيعة الحديثة ابتداء من غاليليو.

        نعثر لدى هوبز ( 1679-1588 ) على تعريف للحق الطبيعي يلم شتات العناصر المؤسسة لحقوق الإنسان بمفهومها الحديث حيث يقول: “الحق الطبيعي هو الحرية التي يملكها كل إنسان في أن يستعمل كما يشاء قدراته الخاصة”. وكلمة ما يشاء لا تخلو من دلالة تعاقدية تصرح بها وتنص عليها فلسفة هوبز التي هي فلسفة الحداثة بامتياز. وبذلك تندغم فكرة الحق بفكرة الحرية وبفكرة الذاتية والتعاقد لتشكل الأساس الفلسفي لمنظومة حقوق الإنسان في مفهومها الغربي الحديث.

                                               * أستاذ كرسي الفلسفة، كلية الآداب
الرباط/ومدير مجلة “مدارات فلسفية”
ورئيس الجمعية الفلسفية المغربية.

الفلسفة الحديثة ومفهوم حقوق الإنسان, 3.3 out of 5 based on 4 ratings
(Visited 8,459 times, 1 visits today)