أمريكا الترامبية وصناعة التوترات

♦ شفيق ناظم الغبرا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

تحدث توني بلير منذ أسبوعين منتقدا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي سيؤدي، برأيه، لإفقار وإضعاف بريطانيا. لكن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي يحاكي خروج ترامب من أجزاء أساسية من العالم وذلك عبر هجومه على العلاقات التجارية مع دول كثيرة والسعي نحو الانعزال. وقد تضمن هذا التوجه الهجومي تحديا لأسس أساسية للعلاقات الدولية مع مؤسسات راسخة في عالم الأمن والتجارة كنافتا والأمم المتحدة والناتو. هذه السياسة الأمريكية ستؤدي لإضعاف أمريكا بنفس الوقت. فحتى اللحظة لا بديل عن العولمة والانفتاح الدولي والتجارة العالمية والديمقراطية والحقوق لتطوير الحياة في قارات شتى بما فيها الولايات المتحدة. فالمشكلة ليست بالتجارة الدولية، بل في سياسة رأسماليه في الولايات المتحدة لم تقم بالأساس التفكير جديا في أسس جديدة للعدالة الاجتماعية المحلية. غياب هذا كله سيدفع نحو الأزمات والمغامرات.
في بيئة تتميز بالانعزالية ترتفع حالة العداء للمسلمين في الولايات المتحدة كما وترتفع حالة تأهب وحشد القوى الأمريكية الشعبية المقاومة لهذا التوجه والساعية لانتزاع حقها في العدالة الاجتماعية الأمريكية التي لن يلتفت إليها الرئيس ترامب. فالتيار الشعبي الأمريكي المقاوم الذي حشد في المطارات وسعى في كل إطار قضائي لمنع قرارات ترامب التعسفية من التنفيذ لازال في طور التشكيل والتطوير. لكن تيار اليمين الذي يسيطر على هرم السلطة الأمريكية وجد في التركيز على الإسلام طريقة لترتيب شرعية العهد الجديد وتحالفاته الإسرائيلية بنفس الوقت، ووجد في هذه الطريقة أفضل توجه لغياب المقدرة على تحقيق نتائج أساسية حيث يجب: حقوق الطبقات الشعبية وتحسين معيشتها. إن الهاء الأمريكيين في صراع الإرهاب والإسلام هدفه إبعادهم عن طبيعة الفشل الذي تحمله المدرسة الترامبية ووعودها.
إن ما تقوم به الإدارة الجديدة في ظل توجهات منظرها الأخطر ستيفين بانون تشويه للحقائق، فالمشكلة الأكبر تقع في تراجع مكانة الدولة الكبرى و تحول رأس المال لصالح الأقلية المتحكمة ماليا، المشكلة الحقيقة التي تعاني منها الولايات المتحدة تكمن في تراجع الطبقة الوسطى وخوفها من المستقبل. صراع الحضارات والمواجهة مع الإسلام كما يبدو لليمين الأمريكي هو البديل الأساسي عن حل المشكلات التي تعاني منها الولايات المتحدة.
وتواجه الولايات المتحدة بنفس الوقت فضيحة سياسية في طور التكوين مصدرها مقدرة الاستخبارات الروسية على اختراق أجهزة الحزب الديمقراطي واستخراج معلومات وإيميلات وتسريبها للويكيليكس بهدف إضعاف هيلاري كلينتون قبل الانتخابات بأيام. هذا التدخل لا يختلف عن سعي أنصار نيكسون الدخول لمركز الحزب الديمقراطي لأخذ بعض المعلومات التي تساعد علي هزيمة المرشح الديمقراطي في انتخابات ١٩٧٢. لهذا تكتسب عملية التحقيق حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية زخما كل يوم. فبعد استقالة مستشار الأمن القومي بسبب لقاؤه مع السفير الإسرائيلي جاء الدور علي شخصية أساسية هو جيف سيشينس المدعي العام الجديد المسؤول عن القضاء والعدالة، إذ تبين انه التقى مع السفير الروسي مرتين أثناء الحملة الانتخابية، وهذا أمر لم يعترف به أو يقر به في جلسة الاستماع التي أدت إلى تعينه في المنصب.
أكثر ما يزعج الكثير من النقاد من المحللين الامريكين والنشطاء والمعارضين أن الرئيس ترامب تصادم مع أستراليا ورئيس وزراءها وخلق توتر مع رئيسة وزراء ألمانيا ميركل وهاجم الصين والأقليات ولم يبقى احد لم يصله جملة من جمله النارية. الدولة الوحيدة التي لم يهاجمها ترامب للان هي روسيا وبالطبع إسرائيل نتنياهو. هناك شكوك في وسائل الإعلام والرأي العام حول طبيعة العلاقة بين الإدارة الجديدة والرئيس الجديد بالتحديد و روسيا. هل التقارب الروسي الأمريكي مرتبط بقضية أخلاقية تمس الرئيس بسبب زياراته السابقة لروسيا؟ هل هناك صفقات تجارية كبرى بين روسيا وترامب أم أنها مرتبطة بدور روسيا في مساعدة ترامب على الفوز بالانتخابات في واحدة من اخطر التدخلات لدولة منافسة في السياسة الأمريكية؟ لهذا يزداد الهجوم من أكثر من اتجاه على رجال الرئيس والشخصيات التي أحاط نفسه بها، تساقط هؤلاء سيترك ترامب مع الوقت بلا دفاعات، وهذا قد يفرض عليه تغير سياساته أو مواجهة مزيد من المخاسر وصولا لأكثرها جموحا.
المصدر: الوطن
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت
منبر الحرية، 7 مارس/آذار 2017

(Visited 49 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟