في التبرع وبناء الديمقراطيات

♦ مصطفى أيت خرواش    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

لست بصدد الحديث عن التبرع كعمل اجتماعي تطوعي مرتبط بالتعاون الإنساني، خصوصا في قضايا الكوارث الطبيعية والمجاعات والأوبئة وغيرها، إنما الحديث هنا عن التبرع كمنظومة قيم مدنية فعالة وكفكر مساهم في بناء ومراقبة الأنظمة الديمقراطية الحديثة. لمّا كانت التجمعات التطوعية ومنظمات المجتمع المدني هي الخلايا الصغيرة والضرورية لبناء الأنظمة الديمقراطية ذات المؤسسات الشفافة والحرة، فإن التبرع كان النواة الأساس لهذا العمل المدني التطوعي. ويرتبط فعل التبرع بعقيدة الفرد الحر والفعال والمؤثر، وهي العقيدة المدنية للفكر الديمقراطي الليبرالي، حيث الأفراد يساهمون عبر تبرعاتهم المادية والمعنوية في بناء المنظمات التطوعية ودعمها ومراقبتها وتسييرها، وهذه الأخيرة تشتغل في المجتمع ومع المؤسسات السياسية والاقتصادية وتلعب دور المبادر والرقيب والناقد والمؤسس، وتساهم عبر عملها العظيم هذا في تحريك وتنشيط دولب النظام الديمقراطي.

إن الأعمال التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني التطوعية لها وقع عظيم على المجتمعات والمؤسسات والأنظمة السياسية؛ وذلك عبر الأدوار التي تقوم بها من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية، ومراقبة عمل المؤسسات السياسية، وكذا في تنشيط الحركة الاقتصادية عبر دعمها للوداديات الاقتصادية والتعاونيات والمقاولات الصغيرة وغيرها، وهي الأعمال الحرة التي ترتكز على قيم المبادرة والإبداع وروح المغامرة. ولقد كانت الفكرة التقليدية المرتبطة بالمنظمات المدنية تحصر أدوارها في العمل الخيري ذو الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والدينية، حيث يقترب مفهوم التبرع هنا من مفهوم الإحسان وفعل الخير والتآزر الاجتماعي، فيما تطوّر المفهوم لكي ينتقل للمجال السياسي والفكري والتكوين الأكاديمي، ليصبح مقترنا بالفعل الاقتراحي والنقدي وبالمبادرة الفكرية وبالتأطير المجتمعي، وهي كلها الأدوار التي أصبحت تقوم بها ما يسمى “بمراكز التفكير” Think Tanks أو “مختبرات الأفكار” les laboratoires d’idées عبر العالم.

ظهرت مراكز التفكير بداية في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر، وسرعان ما انتشرت في معظم دول العالم، حيث أصبحت قوة اقتراحية أساسية إلى جانب المؤسسات السياسية والاقتصادية المستقلة وغير الحكومية. ويرتكز النموذج الاقتصادي والمؤسساتي لهذه المراكز على فكرة التبرع Donation وعلى فكرة خلايا البحث Research Cells. فالمصدر الأساس للتمويل يعتمد على تبرعات الأفراد والمؤسسات المقتنعون بأهداف مركز التفكير وبقيمه وبطرق اشتغاله؛ بحيث يلتزم هؤلاء جميعا بالتبرع دوريا أو سنويا كل حسب امكانياته المادية، ويتابعون أنشطة المركز ويتلقون دعواته ويشجعون معارفهم للمساهمة معهم فيه، ويقترحون مواضيع للبحث والتفكير، ويحضرون في تجمعاته السنوية بل وقد يحصلون على مهمات استشارية داخل أجهزة هذه المراكز. إن التبرع هنا لا يقتصر على تقديم الدعم المادي وفقط، بل يتعدّاه إلى اعتباره مساهمة مدنية فعالة للأفراد تمكنهم من استشعار مسؤولية العمل المدني اتجاه قضايا المجتمع المتعددة. أما خلايا البحث فهي عصب هذه المراكز وعمادها؛ حيث ينشط الأفراد الباحثون ويشتغلون على صوغ الأفكار والرؤى الجديدة، وعلى مراجعة السياسات العمومية وشبه العمومية، وتتبع مخططات وسياسات الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية المعمول بها ، وصياغة سياسات عمومية جديدة تقوم على القدرة التركيبية للأبعاد التالية: البعد الأكاديمي والسياسي والاقتصادي.

وطبعا، فإن مراكز التفكير لا تعوض أو تتجاوز الأدوار التي تقوم بها الأحزاب كما يعتقد البعض، بل هي تعمل كاطار مرجعي قوي وكمصدر بحثي رصين، تلجئ له الاحزاب السياسية نفسها للاستشارة وتقديم المقترحات والرؤى المعرفية حول القضايا المجتمعية الشائكة والمواضيع التي تحتاج بحثا وتعمقا معرفيين. إن مراكز التفكير تمثل في نفس الوقت، القوة المدنية الفعالة التي تتحدث باسم الفاعل المدني المسؤول الذي يريد أن يساهم عبر هذه المنظمات غير الربحية وغير الحكومية، في الفعل المدني الموازي؛ أي العمل إلى جانب باقي المؤسسات السياسية والنظامية في توجيه السياسات العمومية، وتفعيل ومراقبة عمل المؤسسات وكل ذلك من أجل مراقبة عمل النظام الديمقراطي ومسائلة المسؤولين المنتخبين عندما تحدث تجاوزات في احترام العمل الديمقراطي المؤسساتي.

مربط الفرس هنا، هو فعل التبرع ودوره في خلق واستمرار منظمات مدنية فعالة؛ فتبرع الافراد والمؤسسات المستقلة هي القوة المالية الأساسية التي تقف خلف عمل هذه القوى المدنية، حيث يساهم هؤلاء جميعا في زرع بذور الإبداع والعمل الحر والثقة وغيرها من القيم الضرورية لدمقرطة النظام الديمقراطي المؤسساتي. لذلك تعتمد مراكز التفكير على اختيار المفردات بدقة وهي تقوم بحملات التعبئة تجاه الداعمين سواء من الأفراد أو المؤسسات، فهي لا تخاطبهم بعبارة “تبرع”، بل بعبارة “ساهم”، وبين المفردتين بون شاسع من الدلالات والحمولات المعرفية؛ فالأولى تخاطب فيك روح المادة فقط، بينما الثانية تخاطب فيك روح المبادرة والتعاون وتحمل المسؤولية، وهذه القيم تجد لها صدا كبيرا لدى الناس الذي يريدون المشاركة في الفعل المدني لاعتبار قوته وفعاليته في إحداث التغيير. إن إلقاء لمحة موجزة على عمل مراكز التفكير والمنظمات المدنية في بعض الدول الديمقراطية أو السائرة نحو الأنظمة الديمقراطية، يعطينا نظرة أولية عن حجم وكثافة هذه المؤسسات غير الحكومية المنتشرة كالفطر والمشتغلة في قطاعات مختلفة ومتباينة وكل واحدة ولها برامجها وتوجهاتها الفكرية والسياسية، ولكل واحدة أيضا جيش هائل من الداعمين والمساهمين الذين يتابعون ويراقبون هذه المؤسسات باستمرار. وطبعا، فانتشارها الكثيف مرتبط بشفافية الأنظمة المؤسساتية الحاكمة، التي وبموجب القوانين الحرة والمستقلة، توفر مساحات واسعة من حرية التنظيم وانشاء المؤسسات والمنظمات المدنية، ومن العمل بكل حرية وفق القوانين المعمول بها، ثم من حرية امتلاك الأموال والتصرف بها بدون قيود وشروط وفق قوانين حرية السوق التي تسهل حركة الأموال والتي لها أثر عظيم على انتعاش الاقتصاد. وما يساعد أيضا على تنشيط حركة هذه المنظمات والمؤسسات المدنية غير الحكومية، هو انتشار ثقافة الحرية والمبادرة والديمقراطية لدى جمهور المدنيين المقتنعين بالسلطة المدنية كأحد أهم السلط في تشكيلة المؤسسات المكونة للأنظمة الديمقراطية.

تحصل بالمقابل، مفارقة عظيمة ساعة قيامنا بمقارنة عمل منظمات المجتمع المدني ومراكز التفكير شبه المنعدمة في الوطن العربي، مع مثيلاتها في دول أخرى، رغم ايماننا بغياب المقارنة مع وجود الفارق. فأول تحدي في هذا السياق، هو تحدي الاستقرار السياسي؛ فلا يمكن الحديث عن مؤسسات مدنية تشتغل بفعالية في غياب استقرار سياسي، وغالبية الدول العربية تعيش على صفيح ارتدادات وتوترات سياسية سواء قبل أو بعد ثورات الربيع الديمقراطي. وباستثناء بعض الدول التي تعرف استقرارا سياسيا ملحوظا، فإنه ورغم ذلك تظل السلطة السياسية متحكمة حتى في الفعل المدني المفروض أن يكون مستقلا، وذلك عبر دعمه ومسائلته ومحاسبته في كل صغيرة وكبيرة. إن سبب تأميم العمل المدني في بعض هذه الدول، هو في خوف الأنظمة السلطوية من تنامي المد المدني الديمقراطي وخصوصا ذلك الحامل لقيم سياسية جديدة متجاوزة لقيم السلطة السياسية التقليدية المتعششة في جسم الأنظمة العربية. وحتى ثقافة العمل المدني مازالت تقليدية، وهي طبعا محكومة بانعدام ظروف العمل المدني الحر والمستقل الذي لا توفره القوانين المعمول بها وكذا السلطة الحاكمة، وبضعف ثقافة المساهمة المدنية التي ما زالت مرهونة بالأبعاد الدينية في التبرع.

إن الطريق إلى البناء الديمقراطي المؤسساتي يمر عبر طرق مختلفة، سياسية واقتصادية وتشريعية وحقوقية وأوعرها هي الطريق المدنية. فالعمل المدني الفعال هو عصب النظام الديمقراطي، ففيه تتكون جيوش المدنيين المشبعين بقيم الحرية والديمقراطية، لأنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا ديمقراطيين بدون ثقافة ديمقراطية. الدرس هنا، هو في أهمية التبرع –باعتباره مساهمة مدنية- في إحساس الفرد بأهميته أولا، وفي قوة فعله ثانيا، ثم في دوره كمساهم في تحريك عجلة العمل المدني المستقل الذي يلعب أدوار عظيمة في الاقتراح والمبادرة، في مراقبة عمل المؤسسات ومحاسبتها، ثم في تقديم بدائل للسياسات العمومية المعمول بها، وهي المهمة الأكثر حساسية في نسيج المؤسسات السياسية.

* كاتب من المغرب
منبر الحرية، 30 نونبر/تشرين الثاني 2016

(Visited 22 times, 5 visits today)

 

ما رأيك؟