مستقبل الحرية كقيمة إنسانية في ظل الحراك العربي ج 2

♦ عمر التاور    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

يكشف تنظير الحرية العربية عن إشكال ظل معلقا هو: هل تنظير الحرية العربية يعبر عن واقع الحرية العربية؟ وهل سمح هذا التنظير بمنح هامش من الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأفراد والجماعات في واقع عربي ديدنه الاستبداد والظلم والهوان؟
للإجابة عن هذا السؤال المزدوج، يمكن القول إن تحليل بنية المجتمع العربي، والعمل على رصد أهم التحولات التي همت أسسه ومقوماته، يسمحان بملامسة المتغيرات التي حصلت فيه وحالت دون تبيئة الليبرالية، وأدت إما إلى غياب الحرية وإما إلى تحديد صيغ حضورها بشكل محتشم على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي، رغم ما يعرفه المجتمع العربي من طفرة في وسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي، التي قد تسمح له بتحريك النقاش وإحداث شقوق من أجل التغيير والتطوير.
والحق أن غياب الحرية على مستوى الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي، وحضورها المحتشم في زمن الحراك العربي، يرتد، في نظرنا، إلى عدة أسباب متداخلة، منها:
– إخفاق الليبرالية في العالم العربي، وفشل حركة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لافتقادها إلى قاعدة مشتركة في التعامل مع الفكر الغربي؛
– وقوع العقل العربي في خطأ عدم التمييز بين شيئين منفصلين تماما: الاستعمار الغربي والحضارة الغربية. فتصور الاثنين شيئا واحدا على الرغم من الفارق الهائل بينهما؛ وهو ما أدى إلى اعتبار كل ما يصدر عن الغرب ذا منزع امبريالي بما في ذلك الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛
– تعملق فكر الهوية والخصوصية، واعتبار التفتح على الأطروحات الفكرية الغربية استشراقا وتبشيرا وغزوا ثقافيا (الحملات على علي عبد الرازق وطه حسين نموذجا)، وسطوة الاستبداد، وتزايد الانتهاكات الفظيعة التي تمارس على الإنسان وحقوقه في العالم العربي، والتي لا تشجع على رفع الصوت للمطالبة بالحرية ونصرة القيم العالمية لحقوق الإنسان.
3- مستقبل الحرية العربية
إن استدعاء كيفيات التنظير للحرية في الفكر العربي المعاصر، وفحص واقع الحرية العربية عبر تحليل بنية المجتمع وتحولاته، إنما يكشفان، في العمق، عن مفارقة الحرية العربية التي تحدثنا عنها آنفا: مفارقة التفكير في سؤال الحرية دون أن يؤدي ذلك التفكير إلى تبيئة الليبرالية ومبادئ الفكر الليبرالي في الواقع العربي سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الحقوقي.
وعليه، فإن التنبؤ بمستقبل الحرية كقيمة إنسانية في ظل الحراك العربي استنادا إلى هذه المفارقة يبدو مستقبلا ميؤوسا منه لسببين اثنين على الأقل: أولهما أن الانفصال بين الفكر والممارسة يرهن مستقبل الثورات العربية ويهددها بالفشل، لأن الثورة بالتعريف هي تحقيق الحرية واقعيا بعد أن يتم التنظير لها فكريا، ولأن قيام الحراك العربي بدون خلفية نظرية/فلسفية يفتحه على المجهول، ويحوله الى وديعة في يد القوى المتطرفة، وفي ذلك خطر على الحرية نفسها؛ وثانيهما، أن غياب الحرية في الواقع العربي هو مقدمة للاستبداد، وديدن الاستبداد هو إسكات الأصوات الحرة، وقتل المبادرة الفردية بنشر ثقافة الريع، ومنع إشاعة الحرية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحقوقية.
لكن، كيف يمكن تصحيح هذا الوضع القائم على المفارقة، بحيث يكون مستقبل الحرية كقيمة إنسانية في ظل الحراك العربي مستقبلا مزهرا؟
للإجابة عن هذا السؤال، نعتقد أن لا مستقبل مزهرا للحرية كقيمة إنسانية في ظل الحراك العربي إلا بوصل النظر بالعمل والممارسة. وليس يمكن قيام مثل هذا الوصل إلا بتبيئة الليبرالية التي تقتضي بدورها إعادة البناء. فبما أن إشكالات عصر التنوير لا تزال معلقة وقائمة في العصر الراهن، فإن الضرورة التاريخية تقتضي إعادة بناء الليبرالية على الفهم التكافلي، فهو القادر على جعلنا نشرئب إلى أفق الكونية، ونتلمس خطانا على درب الانخراط في حضارة العولمة، وهو القادر، أيضا، على إضاءة تاريخنا وواقعنا، وجعله قابلا للقراءة، وفك الارتباط بينه وبين تأويلات رجال الدين التي رهنت الديمقراطية بالمطلق، وبينه وبين الايديولوجيات التي رهنتها بالتقدم الاقتصادي تارة وبالاجتماعي طورا؛ وهذا ما يعني ضرورة مواصلة واستئناف مشروع التحديث في إطار نهضة ثانية تتدارك أخطاء الأولى، وتقعد للمشروع السياسي الليبرالي، وتدفع به نحو أفق أوسع وأرحب.
صحيح أن العالم العربي عرف منعطفات في تبيئة وتعقل الليبرالية، لكنها ظلت، للأسف، منعطفات حسيرة لم تزحزح الاعتقاد في أن الليبرالية يمكن تجديدها من الداخل بما يتوافق وبنية الواقع والفكر العربي المعاصر؛ ومن هنا ضرورة العودة إلى المبدأ العام الذي انطلقت منه، وهو إنعاش الجانب الإنساني الذي يكرس حرية الأفراد حتى يتسنى لها الذوبان في المجتمعات الرافضة لها.

* كاتب من المغرب
منبر الحرية، 12 نونبر/تشرين الثاني 2016

(Visited 40 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟