الديمقراطية التركية وتحديات الاستبداد

♦ علي الحارس    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

تمكّن الإسلاميون الأتراك سنة 2002 من الجلوس على عرش الجمهورية التركية بعد أن استغلوا فرصة الأزمة المالية الخانقة التي تفاقمت بفعل السياسات الاقتصادية الخاطئة للحكومات السابقة، فاستطاعوا أن يتوجوا نضالهم المرير ضد الانقلابات العسكرية بحكمهم للبلاد دون منافسة تذكر إلا من بعض الأحزاب التي كانت واجهات سياسية للعسكرتاريا التركية، أو أحزابا ترتبط مع الأحزاب السابقة بعلاقة تحالف أو رعاية.
وبما أن الأحزاب الأخرى كانت تعتمد على الدولة في تأمين نفقاتها، كان لزاما على الإسلامويين أن يبحثوا عن مورد غير دولتي لتأمين نفقات كيانهم الحزبي بشكل مغاير، فاعتمدوا على العاملين في المجالات الصناعية والزراعية والاستثمارية، وهم في الأصل (أي: الإسلامويين) كانوا ينتمون إلى هذه الشريحة بسبب إبعادهم عن الوظائف الحكومية المهمة، فاهتموا قبل أي شيء آخر بدفع عجلة التنمية في هذين القطاعين، ونجحوا في مهمتهم هذه، وعملوا في الوقت نفسه على الزج بمؤيديهم في الوظائف الحكومية، ولا سيما في المجالات العسكرية والأمنية والقضائية، فتحصّل لهم من ذلك كله شريحة مؤيدة تضرب أطنابها في القطاعين الحكومي والخاص في الحين ذاته.
كان بطل هذه العملية رجب طيب إردوغان، يؤازره في ذلك جهاز حزبي متناغم عمل على تثبيت أركان الحكم الجديد، وأصبح وجه أردوغان رمزا لما تحقق من تطورات على الرغم من الجهد الجماعي المبذول، لكن ذلك لم يمنع من بزوغ نجم شخصيات أخرى كعبدالله غل وأحمد داود أوغلو، ووصلت التجربة الديمقراطية التركية إلى مرحلة (تداول السلطة بين رؤوس الحزب الواحد)، وهي مرحلة لا تقل صعوبة عن مرحلة (تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة)، وهنا فشل الإسلامويون الأتراك في امتحان مهم: فما أن أصبح إردوغان رئيسا للجمهورية، وهو منصب فخري، بدأ عهده بإبعاد خصمه المباشر، عبدالله غل، وجاء بأحمد داود أوغلو رئيسا للوزراء كي يدمج منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، سائرا على نهج جاره فلاديمير بوتين، لكن داود أوغلو راودته أحلام الزعامة كسياسي له ثقله في حزبه وبين ناخبيه، فبادر إردوغان إلى قطع الطريق عليه وحطم أحلامه عندما استعاض عنه ببن علي يلدريم في مايو الماضي.
ومع مجيء يلدريم بدرت من إردوغان عدة تصرفات تلمح إلى أنه يبتغي القطيعة مع أصدقاء الأمس وإرساء صداقات جديدة مع أعدائه، فتقرب من إيران وأثمر التقارب اتفاقا لبناء محطات لتوليد الكهرباء، وتقرب من إسرائيل وأثمر التقارب عودة للعلاقات، وتقرب من روسيا وأثمر التقارب عودة الرحلات السياحية الروسية، وألقى يلدريم عدة تصريحات متناقضة غير مفهومة حول العلاقات مع سوريا؛ وكان التواتر السريع لهذه المواقف دليلا على أجندة جديدة لإردوغان يعزز بها موقفه داخل البلاد وخارجها.
ثم جاء الانقلاب، وخرج منه إردوغان منتصرا، لكن المنتصر الحقيقي كان العملية الديمقراطية في تركيا، إذ لم ينحز أي حزب معارض إلى صف الانقلابيين، فكان الولاء للديمقراطية أقوى من كراهية هؤلاء لإردوغان، مما جعل ساحة التنافس الديمقراطي تدور بين إردوغان الذي سيحاول استثمار هذه الفرصة لإقصاء المزيد من معارضيه، وبين معارضي إردوغان داخل حزبه ممن سيحاولون استثمار محافظتهم على تماسك الحزب خلال محنته الأخيرة، وبين معارضي إردوغان الذين التزموا بأصول “اللعب النظيف” ولم يسقطوا في فخ التحول إلى دمية في يد العسكر.
وإذا كان لهذا الانقلاب من فائدة فإنه سيكشف طموح إردوغان على حقيقته، فإذا استغل فشل الانقلاب في متابعة التخلص من خصومه وتسخير أجهزة الدولة لخدمة أغراضه الشخصية فسيتوجب عليه أن يتذوق كأس الديمقراطية نفسه ويتحمل تبعات أفعاله أمام حزبه قبل أي طرف آخر، وإذا دفعه الانقلاب إلى مراجعة حساباته والتخلي عن حلمه الاستبدادي فسينبغي عليه حينها أن يعيد عجلة الديمقراطية إلى الدوران ويتقبل تسليم قيادة الحزب والسلطة إلى شخصيات أخرى تتمتع بالمؤهلات اللازمة، وما أكثرها في حزبه!
ومما يؤسف له أن البوادر الأولى لمرحلة ما بعد الانقلاب توحي بأن إردوغان ماضٍ في مخططه الاستبدادي، فاتهامه السريع لخصمه فتح الله غولن (حليفه القديم) بتدبير الانقلاب، وتوجيه ضربة قاصمة للسلطة القضائية بتسريح أكثر من ألفين وسبعمئة قاضٍ من أعمالهم، والإسراع بعملية “تطهير” الجيش، والحرص على إظهار صهره إلى جانبه، كلها مؤشرات تفيد بأن إردوغان كان يتحين فرصة الانقلاب للقيام بحملة مدروسة تضمن له تمتين موقعه في السلطة.
إن مسيرة الديمقراطية التركية متعثرة، وليس هذا بالغريب عليها لأنها مسيرة لا تزال تخطو خطواتها الأولى مهما تعاقبت عليها السنون، كما هو الحال في لبنان والعراق وتونس؛ وقد لا يُعجب البعض بمُخرجات العملية الديمقراطية، لكن شرعية الحكومة تُبنى على نتائج صناديق الانتخاب، وقد ينبئك حراك الشارع بنتائج الانتخابات قبل إجرائها، أما الحل الانقلابي فيعيدنا إلى المربع الاستبدادي الأول، ويجعل الطموحات التي قادت إليه مربوطة برغبات ونزوات ومصالح ثلة من العسكريين الذين لن يلبثوا طويلا حتى تقودهم غريزة الاستبداد إلى التقاتل أو المحاصصة، وكلاهما لا يصبان في مصلحة البلاد، وإذا استمر إردوغان في مخططه الاستبدادي فإنه يهدد البلاد بتكرار الانقلاب، وحينها قد لا يجد أصدقاء الأمس في جانبه مرة أخرى.
*كاتب ومترجم عراقي

منبر الحرية، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016

(Visited 78 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟