الليبرالية والمنافسة

♦ جاك غاريلو    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

ترجمة : حافظ إدوخراز

تُكَنَّى المنافسة بكل أسماء الطيور التي من شأنها أن تشوه صورتها وتُعَبِّر عن جميع الأضرار التي يمكن أن تتسبب فيها. فهي توصَف بكونها وحشية لأنها تخلق البطالة من خلال تخفيضها للأسعار، وبكونها غير عادلة لأنها تؤدي إلى الإغراق (dumping)، ضريبيا كان أم اجتماعيا أو بيئيا. وتوصف كذلك بكونها ناقصة لأنها تسمح للشركات الكبرى بعقد تحالفات وفرض شروطها داخل السوق، وبأنها غير متكافئة لأنها ترجح كفة الدول الصاعدة مقارنة بالدول المتقدمة، وبأنها ضارة لأنها تبطئ من سرعة النمو.
المنافسة هي خطأ الآخرين، ولذا فإن البعض يريد أن نتخلى عنها، والآخرون يرغبون في تقنينها من أجل إرساء منافسة سليمة و”قابلة للتطبيق”، فلا منافسة من دون تنسيق.

المنافسة الخالصة والكاملة
وفقا للنظرية الكلاسيكية للمنافسة، فإن السوق توصف بأنها تنافسية عندما تتوفر فيها خمس صفات : الكثرة (وجود عدد كبير من الشركات)، الذَّرِّيَّة (عدم وجود أي شركة كبيرة بما فيه الكفاية لتتمكن من فرض شروطها)، التجانس (جميع المتنافسين يعرضون نفس المنتج)، الإنسيابية (ولوج السوق والخروج منه مفتوح أمام الجميع)، والشفافية (جميع الأسعار والتكاليف معروفة). يكفي عَدُّ هذه الشروط لفهم أنه من غير الوارد أن تكون هناك سوق يمكن أن تلبي جميعها. ومع ذلك، فإن هذه المقاربة هي التي تُلهِم عادة قانون المنافسة وخصوصا المادة المشهورة رقم 85 من معاهدة روما، والتي تحظر كل أشكال الاحتكار والإقصاء والهيمنة، وأي تحالف أو كارتيل بين المتنافسين.
من ناحية أخرى، أشاع الاقتصادي ألفريد مارشال فكرة أن السوق التنافسية تجد توازنها على المدى الطويل وذلك من تلقاء نفسها، لأن منحنيات تكاليف المقاولات تميل إلى التقائية بعضها مع البعض، بحيث أن العرض سيتساوى بالضبط مع الطلب عند مستوى سعر وحيد. إذا كانت المنافسة “كاملة”، فسوف نجد الكمية الأمثل بالسعر المناسب.

المساواة بين المتنافسين
من الواضح أن المقاربة التقليدية لا تمُت للواقع بصلة، بل لعلها في الأساس غير متسقة، لأن المنافسة تُبرز وجود الفرق بين المتنافسين. فهل ينبغي علينا من أجل تنظيم سباق على الأقدام، أن نتأكد من أن جميع المتسابقين هم قادرون على نفس الأداء ؟
ذلك هو ما ندَّعيه فعلا حينما نشترط المساواة بين المتنافسين. نظرا لأن الشركات لا تملك كلها نفس التكاليف، ولا تتحمل نفس المصاريف الضريبية والاجتماعية، فسيصرخ البعض تنديدا بالإغراق الضريبي. ولأن الشركات لا توظف الأجراء تحت الشروط ذاتها، فسيصرخ آخرون تنديدا بالإغراق الاجتماعي. ولأن الشركات لا تخضع لنفس القوانين التي تحد من التلوث أو استخدام الطاقة أو الموارد الطبيعية، فسيصرخ آخرون تنديدا بالإغراق البيئي. ولأن الشركات لا تتعاقد بالعملة نفسها، فسيصرخ آخرون تنديدا بالتخفيض التنافسي لقيمة العملة.
دور المنافسة هو تحديدا إبراز أفضل الإمكانات، أما تخطيط الإنتاج، كما حدث في الإتحاد السوفياتي، فهو دفع إلى أسفل، فمن يتحمل عواقب ذلك ؟

حرية الاختيار لدى المستهلك
تَمَثَّل الخطأ الأول في النظر إلى المنافسة من زاوية المنتجين فقط، في حين أن مبررها هو تقديم أفضل خدمة للمستهلكين. فهؤلاء هم من يستفيد من دفع أقل الأثمان مقابل الحصول على أفضل السلع والخدمات من حيث الجودة. ولكن الاقتصاديين الكلاسيكيين كانوا مهووسين بمنحنيات التكلفة كما لو كانت معطى قائما وإلى الأبد، وبالتوازن، كما لو كان حالة دائمة. يمارس المستهلك في الواقع ضغطا مستمرا على المنتجين، مؤديا إلى تغير الأسعار وحصص المتنافسين في السوق باستمرار.
تسعى المقاولات، تحت ضغط الزبناء، ليس فقط إلى تحسنها من الداخل، ولكن أيضا إلى الضغط على محيطها، بما في ذلك حكومات بلدانها، للحصول على ظروف مؤاتية لتنافسية جيدة. بعض هذه المقاولات ستضغط في اتجاه حمايتها (مكافحة “الإغراق”، الإعانات والإقصاء)، والأخرى ستضغط في اتجاه التحرير (تخفيض الضرائب والتكاليف، استقرار قيمة العملة، ورفع القيود). تؤدي العولمة إلى وضع الدول نفسها في منافسة، لأن القرارات السياسية تؤثر باستمرار في القدرة التنافسية.

المنافسة، عملية مستمرة من الاكتشاف
الخطأ الثاني الذي ارتكبه علماء الاقتصاد الكلاسيكيون هو الحكم على المنافسة بناءً على وضع السوق في لحظة معينة. ولكن المنافسة ليست حالة ثابتة، وكما برهن على ذلك إسرائيل كيرزنر (Kirzner) ببراعة، فإن المنافسة هي عملية مستمرة من الاكتشاف. فهي تسمح للشركات باستغلال المعلومات التي تتيحها إشارات الأسعار والأرباح. السوق يجعل المقاول متيقظا ويجعله في بحث للاستجابة إلى حاجيات يتم إهمالها الآن أو إشباعها بشكل لا يرقى إلى انتظارات المستهلكين. السوق ليست في حالة توازن، تماما كما هو عليه الحال بالنسبة للاقتصاد، بل هي في تطور.
المثال الذي يجسده المبتكر هو مليء بالدلالات. فهو حينما يقدم شيئا جديدا، يكون في وضع احتكار على الأقل لفترة، لأنه هو الوحيد الذي يملك المعرفة والدراية التقنية بخصوص هذا الشيء. إذا صادف هذا الابتكار رغبة الزبناء فإن صاحبه سيحقق أرباحا طائلة، مما سوف يشجعه على المثابرة والاستمرار. ولكن هذا من شأنه أيضا أن يجذب منافسين جدد إلى هذه السوق التي فتحت للتو. هكذا تعمل المنافسة. وهذه العملية لا يحُدُّ منها إلا مستوىً عالٍ من تكاليف الولوج (استثمار أولي ضخم على سبيل المثال ـ ولكن هذه الحالة هي نادرة لأن الصناعة نفسها أصبحت أقل أهمية) أو حظر مُصطَنع من ولوج السوق. الأعداء الحقيقيون للمنافسة هم الاحتكارات العمومية، التي لا يمكن لأحد أن يهددها. ولهذا السبب فإن كثيرا من الأنشطة لا يمكن أن تكون فيها منافسة من دون خوصصة مسبقة.

السَّبْقُ بفكرة
ولكن، ألن تؤدي المنافسة إلى “قتل المنافسة”؟ ألن تنتهي المعركة التي تخوضها المقاولات باندثار جزئي أو كُليٍّ للمتنافسين؟ يتجاهل هذا الاعتراض حقيقة أن انخفاض الأسعار يجعل السوق تتوسع باستمرار، وأن ما تفقده المقاولات على مستوى هامش الربح، تسترده على مستوى الكمية. وفضلا عن ذلك، وهنا تكمن الحجة الفاصلة، فرجال الأعمال يعلمون أن أفضل إستراتيجية هي أن تكون دائما في الصدارة على مستوى الابتكار، وأن تكون دائما “سابقا بفكرة”. لا ينبغي “النوم على وسادة الربح” (شومبيتر)، بل يجب أخذ الحيطة والحذر (كيرزنر). ولكن المقاول لن يشعر بالحماس إلا إذا كان لديه وعد باستبقاء أجر ابتكاره، على الأقل لبعض الوقت. كل ملاحقة ضريبية للربح وللنجاح تدفع في الواقع إلى تدمير المنافسة. وعلى العكس، تؤدي المنافسة إلى “تنسيق” حقيقي، لأن المنتجين سوف يقتربون تدريجيا ممن هم الأفضل في ذلك الوقت. لا يُعتبر التنسيق شرطا مسبقا للمنافسة، فهو نتيجة مؤقتة لها، في انتظار مزيد من التقدم.

منبر الحرية، 14 سبتمبر/أيلول 2016

© مشروع منبر الحرية

(Visited 85 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟