جسوس في لحظات سوسيولوجية: قيم الشباب وهوية الأيباد والأيفون

♦ عزيز مشواط    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

قالت الباحثة السوسيولوجية سمية نعمان جسوس “أن قيم المجتمع المغربي تتجه نحو مزيد من التعقيد خاصة لدى الشباب بفعل هيمنة هوية مبنية على جديد التكنولوجيا، و الأحلام المبالغة فيها، والرغبة في الحفاظ على امتيازات التقليد مع الاستفادة من مكتسبات القيم الحديثة”. جاء ذلك خلال لقاء احتضنته شعبة السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق. الدار البيضاء بالمغرب. وتأتي استضافة جسوس، ضمن مبادرة “لحظات سوسيولوجية” التي دأبت الشعبة على تنظيمها حيث سبق وأن استضافت كل من الأنتروبولوجي حسن رشيق والفيلسوف موليم العروسي. وحسب رئيس الشعبة، البروفيسور جمال خليل، تدخل هذه اللقاءات في إطار توجه عام يرمي إلى الانفتاح على التعدد السوسيولوجي المغربي بكل أطيافه من خلال أنشطة هاجسها الأساسي البحث عن التعدد واختلاف المقاربات لكي تبقى الجامعة وشعبة السوسيولوجيا بشكل خاص مجالا للممارسة العلمية الموسومة بالحرية”.
الشباب: هوية الأيفون والأيباد
وحول تطورات القيم اعتبرت جسوس أن الجيل الحالي يعاني الكثير من الإحباطات” لكونه مهووس بالأدوات التكنولوجية التي صارت جزءا من هويته، بل إن شراء آخر نوع من الهاتف المحمول صار يبعث على السعادة والارتياح. لكن هذه السعادة لا تدوم سوى لأشهر معدودة، أي إلى حين صدور النسخة الجديدة من الهاتف، بل إن من لا يستطيع مجاراة الجديد من الأدوات التكنولوجية يصير محكوما عليه بالتجاوز. وبهذا المعنى، انتقل الجيل الجديد من هوية مبنية على الإبداع والفكر والمواطنة، إلى ربط قيمة الشخص بنوع الأيفون أو الأيباد الذي يمتلكه”. وفي هذا السياق توقفت جسوس عند ما يسمى جيل الحرف الأبجدي Y، حيث طابعه الأساسي الآنية والرغبة في التحقيق السريع للأهداف “بينما جيلنا،أقصد به جيلي، كان مطبوعا بالمشاريع المتوسطة والبعيدة الأمد. وهو جيل المهنة التي ترافقنا طور العمر والزوج الذي يرافقنا طول العمر، في حين أن الجيل الحالي مطبوع بعدم الوفاء في كل شئ، في الزواج والعمل وغيرها. كان تغيير العمل بالنسبة للجيل السابق كارثة. أما بالنسبة للجيل الحالي فحتى الزواج هو تجسيد فعلا لعبارة” في يد الله”.
جيل قيم اللاستقرار وعدم الوفاء
وتستطرد جسوس قائلة “ما يؤرق هذا الجيل، أنه يعيش نوعا من السفر المتواصل بين الأشياء، فإذا كانت أحلام الأجيال السابقة مرتبطة بالاستقرار في العمل، في الزواج، في البيت فإن أحلام الجيل الحالي مبنية على اللاثبات واللاستقرار، بل إن الحلم الذي يتردد كثيرا على ألسنة المبحوثين الشباب هو الحلم بالقيام بجولة عبر العالم. إنه جيل يتموقع ضمن براديغم اللااستقرار واللاثبات في الحياة الزوجية، في العمل، وفي وسائل الترفيه. لكن ما يعقد مهمة الجيل الحالي هو محاولته تحقيق نوع من التوازن بين الحياة الخاصة والحياة المهنية، الأمر الذي يخلق مشاكل تدبيرية كبيرة. فعلى سبيل المثال، كان الجيل السابق يعتبر التضحية في العمل القيمة الأهم في الحياة، في حين أن هذه القيمة توارت إلى الخلف بالنسبة للجيل الجديد لفائدة قيم جديدة تحاول البحث عن التوازن بين العمل والحياة الخاصة. ومن جهة أخرى، توقفت الباحثة السوسويولوجية عند ما سمته بالأحلام المبالغة فيها والتي تتجاوز إمكانيات الشباب الواقعية. لكن الحلم أيضا هو القدرة على التمكن من أدوات التواصل، حيث قدمت جسوس نماذج تواصلية شبابية تثبت المستوى المتدني لهذه الفئة وعدم القدرة على ضبط أدنى أبجديات التواصل واحترام السياقات. وهكذا، يصبح عدم القدرة على تملك أدوات التواصل، عائقا أمام اندماج الشباب في سوق الشغل، وعوض الاهتمام بأصل المشكل، غالبا ما يوجه الشباب اتهاماته إلى هيمنة الرشوة على سوق الشغل، تقول المتحدثة.
صراع الأجيال الجديد القديم
وفي سياق حديثها عن العلاقة بين الأجيال، اعتبرت الباحثة السوسيولوجية ما يحدثه الشباب من خلل في معتقدات الآباء وممارساتهم، يجعل هؤلاء شديدي الحساسية من ممارسات الشباب وتصرفاتهم. غير أن النظرة إلى الشباب باعتباره حاملا لقيم التغيير، ليست حكرا على مجتمع دون آخر، بل هي صفة ظلت لصيقة بهذه الفئة عبر مختلف الحضارات والعصور. وفي هذا السياق، أوردت الباحثة مقولات لكل من سقراط وإزيود، وراهب مصري وجملة عثر عليها في إناء بابلي، تشترك كلها في وصف الشباب بكونه غير متخلق وثائر على السلطة. غير أن هذه الثورة التي يحملها الشباب هي أساس التقدم والتطور بما أنها تحمل دائما أفكارا إبداعية إذ “أن الخلل الذي يحدثه الشباب في الممارسات والمعتقدات أساسي للتطور من خلال الطاقة الشابة التي لولاها لبقي الإنسان دون تقدم يذكر ولبقي يعيش في المغارات والكهوف” تختم الباحثة.
شباب متمسك بالامتيازات وشابات رافضات
على ضوء هذه المعطيات، تقول الباحثة، يمكن فهم التحولات الاجتماعية التي تمس المجتمع المغربي وشبابه على الخصوص، حيث عاش المغرب على إيقاع تحولات سريعة منذ الاستقلال حتى الآن. وفي الوقت الراهن يعيش المجتمع المغربي، تقول جسوس على إيقاع صراع قوي بين الأجيال بفعل التطورات التي شهدها العالم في العشرين سنة الأخيرة. وهو صراع يتجسد في ما نسمعه باستمرار من عبارات تتهم هذا الشباب بأنه “ما فيه فايدة”، وما فيه ثقة”و”مقابلين غير “الشطيح” (الرقص)…وغيرها. وتعزو جسوس ذلك إلى أننا”حققنا في المغرب على مستوى التحولات خلال60 سنة ما حققه الغرب خلال قرنين من الزمن،هذه التحولات تبعث على الاعتقاد أننا نعيش فتنة كبرى”الروينة” (الفوضى)، حيث نبدو في مجالات معينة حداثيين ونبدو في أخرى تقليديين. هذه الحالة لا تساعدنا على الانفتاح ويمكنها أن تخلق العديد من التناقضات والعديد من المفارقات. ولعل المجال الذي يبدو فيه ذلك بوضوح هو أن الرجل والمرأة لا يعيشان في انسجام، تقول المحاضرة.
وترجع جسوس التناقضات إلى اختلال في بنية الأدوار الاجتماعية فإذا كانت الأدوار واضحة بالنسبة للجيل السابق فإنها لا تتمتع بنفس الوضوح بالنسبة للجيل الحالي. وتضيف في هذا السياق “كانت الأدوار بالنسبة لجيل الآباء واضحة حيث يتم تزويج الفتيات بمجرد البلوغ، بل إنه في بعض الحالات يتم تزويجها و هي لا تزال في مرحلة جنينية، ونفس الشيء بالنسبة للذكور حيث يتم تزويجهم من طرف الآباء.وضوح هذه الوضعية كانت تعود إلى ضرورة تهيئ الفتاة لإدارة المنزل بشكل جيد،والذكور للقيام بأدوارهم في الفضاء العام”. غير أن هذه الوضعية ستتغير بخروج المرأة إلى العمل وتمدرسها حيث أصيب النظام الاجتماعي القائم بتحولات مست على الخصوص العلاقة بين الرجل والمرأة وتعزو جسوس هذه التناقضات إلى أن التغيرات في بنية الأدوار لم ترافقها تحولات تمس نمط التربية الأسرية، هذه الأخيرة تقول الباحثة، لا تزال تقليدانية حتى بالنسبة للأمهات اللواتي يدعين الحداثة، بل إن العديد من رواد الحركة النسائية يربون أولادهن كما تربى إخوانهم ويربون بناتهن بنفس الطريقة التي تربوا بها”. وبالمقابل، تضيف ذات المتحدثة ترفض الفتيات المغربيات العيش بنفس الطريقة التي عاشت بها أمهاتهن في حين يتشبث الذكور بشكل كبير بامتيازاتهم”.منطق الرفض ومنطق المحافظة على الامتيازات، تقول جسوس، أفرز صراعا على المواقع بين الذكور والإناث في الوقت الذي يفرض عليهما الواقع العملي اقتسام فضاء البيت، العمل والفضاء العام.
تبادل الاتهامات: شباب منافق وشابات ماديات
حين تحليل العلاقة بين الشباب والشابات غالبا ما نصطدم بتبادل الاتهامات. يتهم الشباب الفتيات بكونهن ماديات، وتتهم الشابات الشباب بكونهم “كذابين”. فما سبب هذه النظرة السلبية المتبادلة بين الجنسين ؟ تجيب جسوس عن هذا السؤال قائلة”إن الشاب الذي يبدو حداثيا قبل فترة الزواج من خلال علاقات متحررة مع صديقته سرعان ما يتجه نحو مزيد من التقليد عندما يريد الزواج ليلجأ إلى أمه مطالبا إياه باختيار بنت الناس مع الحرص على أن تكون غير خبيرة في العلاقات مع الرجال وأن تعيد إنتاج نفس نمط تصرفات المرأة التقليدية. هذه الإزدواحية تقول جسوس، دفعت الشابات إلى تكوين تمثل سلبي عن الشاب واتهامه بالكذب والنفاق.وبخصوص الشابات، تضيف جسوس، فإن استفادتهن من التمدرس ومن الخروج إلى سوق الشغل دفعهن إلى تبني العديد من التصرفات والسلوكات الحداثية، من قبيل الرغبة في المساواة مع الرجل وتقاسم الأدوار المنزلية، لكن حينما يتعلق الأمر بتقاسم الأعباء المالية للأسرة يتشبثن بضرورة أن يكون الرجل هو القوام والقادر على أن يصرف على بيته. هذا التناقض يعكس رغبة في الاستفادة في نفس الوقت من مكتسبات الحداثة ومن امتيازات العادات التقليدية، الأمر الذي يجعل الشباب يتهمون الشابات بكونهن ماديات. ولم تخف جسوس، مع ذلك وجود انزياح طفيف نحو التحديث حيث تفيد مؤشرات عدة أن جزءا من الشباب المغربي صار متصالحا مع الأدوار الجديدة خاصة في تدبير العلاقات داخل المنزل بين الرجل والمرأة، غير أن ذلك يبقى طفيفا، تختم الباحثة.

*باحث وكاتب من المغرب
 منبر الحرية، 18 يوليوز/تموز 2016

(Visited 93 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟