على خلفية الصراعات والاحترابات الأهلية المتنقلة، المثقف النقدي.. أين هو؟

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.0/5 (2 votes cast)

يكاد مشهد العنف والإرهاب يختصر حالةَ أمةٍ بأكملها من خليجها إلى محيطها، ويقدّمها لنفسها وللآخر على قاعدة “وإستراتيجية” العنف، لا مشروعية السلم والحوار والتفاهم والسلام والأمان الفردي والمجتمعي..
وهذه الأمة التي عانت واستنزفت مقدراتها نهباً (ومجتمعاتها تدميراً وتحطيماً) على يد نخب ونظم الاستبداد والفساد، لم تكد تهنأ لحظةً حتى ابتليت بالإرهاب الأصولي الممتد إلى كافة مواقعها وبنياتها الثقافية والاجتماعية، وبدأ يهدد كيانات دولها السيادية، محاولاً التلاعب بسلمها الأهلي التعايشي التاريخي الممتد الذي جرت المحافظة عليه، ورعايته على مدى قرون طويلة في ظل راية الإسلام الحضاري ذاته، الإسلام الاجتماعي المنفتح الذي يحاولون اليوم الاختباء (والتلطّي) خلفه –قسراً وزوراً وبهتاناً- لتفجير تلك الانتماءات “التاريخية-الاجتماعية” ما قبل وطنية، واستثمار مقتضيات وجودها الطبيعي التنوعي، والمساومة بها وعليها كمجرد ورقة سياسية بين أفرقاء الصراعات والمصالح السياسية.

وكنتيجة إجمالية لهذا الوضع المأساوي للأمة، عادتْ مجتمعاتنا إلى الوراء، وتقهقرت إلى الحضيض والقاع حضارياً وإنسانياً وثقافياً… وكانت لمآلات هذا السقوط، مقدمات لم تقتصر على مشهد العنف والصراعات الأهلية واستباحة القوى الدولية الكبرى للأمة، بل ظهرت أيضاً في شؤون ومجالات أخرى، اقتصادية وتنموية واجتماعية.. فعلى سبيل المثال نلاحظ أن العرب ما يزالون يعتمدون في أكلهم وغذائهم (في صورة أساسية) على الاستيراد من الخارج، وفي شكل يتفاقم تدريجياً، حيث ارتفعت نسبة الأغذية المستوردة من 29,9 في المائة عام 1971م، إلى 49,5 عام 1990م، لتبلغ نهاية العقد الأول من القرن الراهن59,4 مليار دولار..
كما أن الطبقة الوسطى التي كانت متسعة وكبيرة العدد والنوعية، بدأت تتلاشى وتضمحل، وأعداد الفقراء آخذة في الارتفاع، خصوصاً في الأرياف العربية، حتى بات هناك 220 مليون إنسان فقير في الأقطار المتوسطة والمنخفضة الدخل، إضافة إلى 14,4 في المائة عاطلين عن العمل، حيث تتركز البطالة بين الشباب، ومنهم 40 في المائة من خريجي الجامعات والمعاهد والثانويات.

وهكذا نجد أن هذا الواقع المرير أصاب الناس في مقتل، وجعل اليأس والإحباط صديقاً لها، والكل يسأل عن الأسباب والمسببات، وعن دور الثقافة والمثقف في مواجهة تلك المظاهر المتخلفة.. الكل يسأل عن مصداقية رؤية المثقف للإشكاليات القائمة، ومدى نجاحه ليس في التحليل فقط، بل في المعالجة واقتراح الحلول.. والكل يسأل أيضاً عن أسباب هذا التركيز الدائم على الجانب الثقافي في مثل هذه المراحل الصعبة والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها الأمة.. ولكن من جهة أخرى، لماذا لا نسأل السياسة وأهلها أيضاً قبل الثقافة والمثقفين، الذين نحمّلهم مندرجات الفشل واستتباعاته؟ ولماذا لا نملك الجرأة الكافية لمساءلة “صُناّع القرار” عن دورهم في واقع الأزمات، أو عن النتائج المتواضعة التي أظهرتها عقودُ التطبيق النخبوي الفوقي القسري لبرامج وسياسات التحديث القشري الفاشلة، والتي دعوا إليها وطبّقوها قسراً وبالقوة، وكانوا مشاركين فيها مباشرة أو عن غير قصد..!!؟..

فالمثقف ينطلق دوماً من حقيقة أنه لا يملك مواقع التّأثير مثل السّياسي، وليستْ بيده سُلطة القرار، ولا علاقة له بموازين وقوى الأمر الواقع القادرة على الدفع بالأمر والنفوذ اللازمين لتغيير مجتمعه، أو على الأقل مواجهة تداعيات سقوطه.. أصلاً هو لا يبحثُ عن هذا، وهو ليس اختصاصه ومجاله الحيوي، ولكنه يوضح أنه بلا قوة أو “سلطة أمر” يستحيل إحداث صدمة التغيير المطلوب، بمعنى أنه كمثقف عضوي (والتعبير لغرامشي) (معنيٌ بالإصلاح والتغيير والمساهمة في نهضة الأمة، وتشذيب وتهذيب أفعال السياسي، ومواجهة سلطته، والحد من مناسيب قمعها، وفسادها، وكبح جماح تسلطها) لا يملك سوى سحر البيان والقلم والورقة، ورسالته تكمن في هذا الإصرار والضغط الفكري المعنوي (فقط) القائم على الحس النقدي الجمالي، سعياً صادقاً ودؤوباً نحو إقامة دول الحق والعدل والمساواة، دول الكرامة والحقوق الإنسانية.. الدول المدنية القانونية غير المرتهنة لأحد، وغير المرهونة بشخص أو فئة أو مخلّص منقذ..!!.. ومع ذلك نلاحظ أن كل مواقع السلطات والنفوذ والقرار، تخاف المثقف، حتى لو بقي وحيداً وراء مكتبه برفقة قلمه وورقته وكلماته، يخافونه أكثر من المتطرفين و”الإرهابيين” ربما بآلاف المرات.. فالإرهابي أو المتطرف لا يعيش أية حالة عقلانية، وتفكيره مغلق على مقولات متصنّمة، وأفقه محدد بأدبيات صخرية، يريد تطبيقها بالقوة والإكراه من خلال العنف.

أما المثقف النقدي (الذي يسخر منه الساسة وأصحاب القرار، ويتهكمون عليه إلى درجة الاستهزاء المسف)، صاحب العقل التنويري، طبيب الحضارات، والذي لا يعرف التمييز بين مسدس “اللعب بالماء” و”المسدس الحربي”، فهو إنسان واقعي عملي، قوته دائمة ومستمرة لا تنفذ بحكم نبع المعرفة الفيّاض، قواه العقلية متطورة ومتجدّدة، لاشتغالهِ على القراءات الناقدة، وقدرته الفائقة على الكشف والفضح والتعرية، وهتك الحجب وفض بكارة “الأستار” العقلية، وتحقيق الاستنارة الواقعية.. وهو لديه آفاق لا منظورة، ويمكن أن يرى بعين ثاقبة وبصيرة نافذة، لا يرى غيره بها.. من هنا خطورة ما يمثّله من (عقلانية سلمية) بالغة ومؤثرة ودائمة ومستمرة هي الأكبر والأمضى والأشد تأثيراً (مقارنةً بخطورة الإرهاب والإرهابيين اللحظية) على كافة مواقع التسلط وقوى الإرهاب والظلام الفكري الواقعي والاستبداد التاريخي..

طبعاً نحن وإنْ كنا نقف مع المثقف، وندافع بقوة وصلابة معرفية عن واقع ودور الثقافة والمثقفين في مواجهة تحديات واقع التخلف وهيمنة قوى التسلط، فهذا لا يعني أن لا أخطاء كثيرة ارتكبها مثقفنا العربي النقدي، وبالتالي لا بد أن نلقى ضوءاً على كثير من تلك الأفكار التاريخية الخاطئة التي أعاد كثير من مثقفينا إعادة تسليط الضوء عليها، وضخ الحياة فيها لتؤثر سلباً في واقع وتحولات مجتمعاتهم المعاصرة، فالأحداث الخاطئة الراهنة هي نتيجة أفكار وسلوكيات خاطئة، وعلينا ألا نغضّ الطرف عن مسؤولية المثقف فيها أيضاً.. بالنظر إلى الدور الخطير الذي لعبته (تلك الأخطاء) في تأجيج الصراعات والحروب والتهجير القسري للملايين في كل الأرض العربية.. حيث كان لأفكار وسلوكيات الانقسام الطائفي والتحريض المذهبي دور أساسي في الاضطرابات والحروب التي عاشتها ولا تزال تعيشها أقطار مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وإلى حد أقل غالبية أقطار الوطن العربي الأخرى.. تلك الأفكار والسلوكيات أليست مبثوثة في كثير من كتب الفقه وصادرة عن كثير من علماء الفقه ومفكري ونخب التاريخ.. وهي منسوبة زوراً وبهتاناً للنصوص الدينية الأصلية، عن طريق قراءات خاطئة وأفهام عرفانية غيبية و”بضاعات” فكرية رخيصة تتعارض مع روح الإسلام ومقاصده الكبرى، قام ببثّها كثير من مثقفي هذه الأيام.. ألا تنشر يومياً بين صفوف الملايين من الجهلة البسطاء عن طريق المحطات الفضائية الطائفية البغيضة؟!.. وإذا لم تتغير تلك الأفكار والسلوكيات الطائفية (التي يقدمها مثقفون ورجال دين على أساس أنها ثوابت فكرية تاريخية) في ذهن ووجدان الفرد العربي المسلم والجماعات العربية المسلمة، فلن يحدث أي تطور حقيقي في اجتماعنا الديني العربي والإسلامي.. إن إبراز الفكر والسلوك الطائفي مراراً وتكراراً لم يكن بسبب حالة هوس، أو تقليل لأهمية الأفكار والسلوكيات الخاطئة الأخرى في حقول السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وإنما بسبب الدور الكبير الذي يلعبه في أحداث الحاضر، من خلال الجنون الجهادي التكفيري الذي ينتشر كالوباء بين صفوف شباب الأمة العربية والشباب المسلمين في أنحاء المعمورة، وإنما أيضاً بسبب استعمال ذلك الفكر والسلوك الطائفي استعمالاً خبيثاً من قبل الكثير من أجهزة الإعلام والأمن العربية، ومن قبل بعض حركات الإسلام السّياسي، ومن قبل بعض أجهزة الاستخبارات الأجنبية ومراكز بحوثها.
وكثير من مثقفينا سقطوا في هذا الفخ الطائفي، من خلال نشرهم للأفكار الطائفية، وتأييدهم لنظم الفساد، وعجزهم أصلاً عن استيعاب وتدبر واقع وقيم حركة الثورات العربية (التي كان الأملُ منعقداً عليها لإلغاء الطائفية، وإحداث خرق في الجدران العالية، لتدفع قدماً باتجاه التغيير السلمي المدني لولا الثورات المضادة) والآفاق التي سعتْ إلى فتحها في السياسة والاجتماع وأنماط الوعي والتفكير والسلوك.. ولمْ يستطعْ هؤلاء أيضاً فتح قنوات للتفاعل بإيجابية وحيوية مع مختلف الأسئلة والقضايا التي أفرزها الحراك الشعبي الذي اندلع آنذاك، على طريق تحقق أهداف ومستقبل التغيير والإصلاح الحقيقي المنشود في عالمنا العربي والإسلامي، والذي كنا نعوّل فيه على وجود الطبقة الوسطى، لكن اليوم وللأسف انحت وتلاشت تلك الطبقة الوسطى أو تكاد.. أو أنها تخرّبت واختُرقت… وبتنا نحن اليوم في مواجهة عقليات إقصائية دموية إرهابية تحيط بنا من كل حدب وصوب، تنطلق من فكرة بدائية غاية في الابتذال الأخلاقي والقمع الفكري وهي: إما أن تكون معي، وبالتالي تكون ضد الآخر.. وإلا فلا تكون..!!!..

* باحث وكاتب سوري
منبر الحرية، 25 يونيو/حزيران 2016
فخرو، علي محمد، “تحسن الأحداث أم تحسن الأفكار والسلوكيات”.. صحيفة الشروق، عدد: 6/1/2015. صفحة مقالات. الرابط:
https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=06012016&id=245a1601-e821-421a-a197-56018609ea06

© مشروع منبر الحرية

على خلفية الصراعات والاحترابات الأهلية المتنقلة، المثقف النقدي.. أين هو؟, 2.0 out of 5 based on 2 ratings
(Visited 104 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟