البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2.

♦ يوسف محمد بناصر    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

لقد سبق وان اعتبر الإمام علي –كرم الله وجهه- فئة الخوارج بغاة وخواطئ، وعندما قارنهم بغيرهم من مخالفيه اعتبرهم طلاب حق فقال:”ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه”، واليوم تلعب هذه الفئة على مشاعر المؤمنين بادعاء استرجاع القيم الراشدة التاريخية وبتمثل الحكم السديد، وذهنية المؤمن أمَدُها لا يستوعب مآل تعاطفه الروحي مع قضايا تتعلق بمعتقده، لأن ذاكرته تقتصر على الحلم بتحقيق مشروع الخلافة المؤجل والتي ستأتي لتوفر الموعود من رخاء وعدل ومساواة..، ونرجسية المؤمنين المجروحة حول هذه المفاهيم المأزومة حينئذ ستتحفز النفوس فتسقط في فخ الانتماء لا شعوريا للدعوة المتطرفة والتعاطف مع مشروعها. هذا المدخل النفسي والروحي الخطير هو الآن في قبضة الحركات المتطرفة، تفتحه في وجه المثقفين والأميين وهم سيان، أهل دار الإيمان أو المهاجرين لدار الكفر – بتعبيراتهم-. وهذا ما يفسر كذلك تلك “الهجرة المبهمة والمعكوسة” لبعض الشباب المثقف من مختلف الدول سواء كانت عربية إسلامية أو غربية لمناطق النزاع في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان..، فمفتاح تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية يتوقف على الاستعداد للارتماء في أحضان إحدى تلك الحركات. والاتصالات المعولمة تلعب دورها اليوم كوسيلة لتأجيج هذا الاختراق وتوسيع نطاق المتعاطفين والـمُـستقطَبين، لأن الوعود المثالية بتحقيق جنة أرضية تجد لها دائما آذانا صاغية ثم بعدها حصادا من اليائسين من ذوي النوايا الحسنة. وتنهار لحظتها ثقافة الإنسان عاجزة عن الممانعة أو تنشيط الوعي النقدي لدى هذا الكائن البائس، وتكتفي بتوريطه في دور التابع والمبرر، فتتحول الثقافة والفكر إلى عنصر مميت وقاتل. والتحاق بعض العلماء أو ذوي الشهادات العليا من مختلف التخصصات العلمية والأدبية بمعسكر الحركات المتطرفة؛ يعد لحد الآن في عيون بعض المحللين مسألة مستغربة ومبهمة لا يجدون لها التفسير المناسب. ولكن إذا قمنا باستقراء التاريخ الإسلامي الحديث وما طرأ عليه من استعمار وأنظمة استبدادية وتمزق طائفي وانتشار للأمية، واعتمدنا على تفسير وفهم لصيرورة التحولات الاجتماعية والسياسية الطارئة في المجتمع الإسلامي المعاصر في علاقته مع الحضارة الحديثة وحنينه الدائم للماضي، سنقترب من الإمساك بالخيط الناظم، ونفكك آلية الاشتغال التي تعتمدها التنظيمات المغلقة في التعبئة والاستقطاب، فلا فرق بين متعلم وجاهل في لحظة حماسة واستجابة لنداء مقدس. إنهم ينسجون لعبتهم على مختلف التناقضات ويحركون الحمية الدينية ويموقعونها في لحظة تاريخية، فهم كمن يضبط ساعة يده على توقيت بلد يقوم فيه بالسياحة، بحيث يجد الفرد نفسه يتمثل عصرا غير عصره وبطولة موهومة ليست له، وكل زعمه أنه يحقق مجد الأجداد والسلف، ولو تطلب الأمر أن يستنهض قدراتهم مرة أخرى من رفاتهم الأبدي، ليحقق النصر بتفاصيله الدقيقة والمملة في لحظته هو وزمانه الواقعي. فلا تفكير ولا مراجعات لتفاصيل الدعوة ومصاديقها أو لخلفيتها العقدية أو الاجتماعية أو السياسية، بالنسبة لهم إنما هو تصديق وإيمان،تنفيذ للأوامر، ثم نصر أو شهادة. وانتشار عمليات التفجير الذاتي للنفوس يعد في هذا الباب خير مثال على أن المنتمين للتنظيمات الإرهابية يلغون ذواتهم ومصالحهم وكل عواطفهم مصدقين ومدركين أن مقصدهم المثالي لا يقارن بتحقيق أي هدف مادي أو معنوي آخر، وهذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم أن كل شيء باطل ولا قيمة له أمام الـمـــُثل العليا التي يسعون إلى تحقيقها.
قد حدث في التاريخ الإسلامي أن ناظر عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي[61ه /101ه،] الخوارج في زمانه، فاستخدم في حواره معهم الحجج التي يقرون بصحتها، فحاججهم بسلوك من يعترفون به كأبي بكر[ت،13ه] وعمر[23ه]، وبلال بن مرداس [ت 61 هجرية] وعبد الله بن وهب الراسبي أبرز قادتهم، فبين أخطاءهم بشهادتهم على أنفسهم، فرجع منهم الباحث عن الحق إلى الرشد وبقي المتعصبون على رأيهم، واستولى على عقول ونفوس الخوارج عبارات اللعن والتكفير والبراءة وطلبوا من عمر أن يقر بها في حق أهل بيته، وإلا فلا التقاء بينهما، فلم يجزع ولم يفزع الخليفة عمر، بهذا الطلب الصعب الخاطئ بل صبر وضبط نفسه وحاور القوم بالحجج الدامغة فهو طبيب يبتغي العلاج وليس جزارا يريد سفك الدماء. صورة أولئك تبقى مستعادة اليوم ببؤسها المعنوي والمادي، وخصوصا أن وسائل الميديا اليوم توثق الجرائم بالصوت والصورة، وما أرتكب من تقتيل وهتك للأعراض وتدمير للإرث الحضاري والإنساني من متاحف وآثار للدول والحضارات القديمة، يصعب على العقل أن يتصوره وأن يتقبله، ومناظرتهم اليوم حول صوابية أفعالهم بعد كلما ما حدث لا قيمة لها، وقد سبق أن فعلت هيئات إسلامية ذلك في وقت سابق مع تنظيم طالبان، لحظة إقدامهم على هدم تمثال بوذا التاريخي بأفغانستان، فلم يحفز ذلك قدراتهم الإدراكية لمراجعة مواقفهم من العنف والعلاقة مع الغير وأهمية الحفاظ على الإرث الحضاري المشترك، ولن يحفز كذلك قدرات هؤلاء الجدد من المتطرفين؛ لأخذ قسط من سكينة للتفكر والتدبر في مآلات سلوكاتهم البدائية واللاحضارية والمأساوية على مستقبل الإنسانية جمعاء…

*كاتب وباحث من المغرب.
منبر الحرية، 13 يونيو/حزيران 2016
-يقسم المفكر الجزائري مالك بن نبي الأفكار إلى الميتة والمميتة وانتقام الأفكار المخذولة، ويبين خطورة كل عنصر ومدى تأثيره على المجتمع والفرد، يراجع كتابه:مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي،تقديم عمر مسقاوي، ترجمةوتحقيق، بسام بركة –أحمد شعبو، عمر مسقاوي، الناشر دار الفكر المعاصر،الطبعة11،2014م.
– أبو بلال الخارجي مرداس بن أدية (ت61هـ/ 680م): أحد أئمة HYPERLINK “http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=4854&vid=9″الخوارج (الشراة) وخطبائهم المشهورين، وأبوه حُدَيْر بن عامر الرَبَعي الحَنْظَلي من تميم، وقد نسب إلى أُديّة أمّه أو جدّته.
– عبد الله بن وهب الراسبي: بايعه الخوارج على أنه خليفتهم سنة 37 ه‍ فقتل في النهروان.
-ظاهرة الغلو في الدين في العصر الحديث، محمد عبد الحكيم حامد ، دار المنار الحديثة، ط. الأولى 1991، ص407.

© مشروع منبر الحرية

البراديغم الداعشي... عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2., 5.0 out of 5 based on 1 rating
(Visited 183 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟