العرب بين الثورة والثورة المضادة هل الموجة الثورية المقبلة أمر لا مفر منه؟

♦ شفيق الغبرا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

يحتاج فهم العالم العربي إلى نظرة مطوّلة ومتأنّية. فلا شيء يدعو للاستغراب حقاً في المنطقة مقارنة بالتاريخ الحديث للدول الأخرى والتي شهدت بالفعل كلاً من الحرب والدكتاتورية والقمع والمقاومة والتطرف والطائفية والتدخل الاستعماري والاحتلال. ويمكن ربط كل جزء من هذه الحكاية والقصة المعقدة في العالم العربي بتجربة قديمة من تجارب بلدان جنوب شرق آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

شكّل التمرد العربي عام 2011 انفجاراً وإعلاناً صريحاً يقول أنه بإمكان العرب المنحدرين من الطبقات الوسطى والدنيا التمرد على البنى المهيمنة والمؤسسات الفاشلة، وعلى عمليات التهميش وسوء المعاملة التي يتعرضون لها. ولذلك يعتبر التحول في العالم العربي تغيراً حيوياً من الاستبداد والتبعية إلى حالة من المواجهة مع البنى المهيمنة للأنظمة العربية والعالمية كما تم فرضها وتأسيسها منذ الحرب العالمية الثانية. ويشمل هذا الوضع المعقد 14 عاماً من تواجد القوات الأميركية على الأرض، في المنطقة، واحتلال إسرائيل للأراضي العربية في فلسطين، والذي يتضمن العديد من الحروب الإسرائيلية، وبناء المستوطنات، والسياسة التوسعية. ويوضح هذا التغير الحيوي على المدى الطويل (في الأنظمة الاستبدادية والقوى العالمية المهيمنة) العديد من التوترات الجارية في المنطقة.

نجحت الثورات العربية خلال المرحلة الأولى. أزيح بالفعل أربعة رؤساء، وتمت إعادة التأسيس لدور الانتخابات في العالم العربي، وظهور دور الرأي العام والشباب والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وكان هناك تحد كبير للحكم الفردي والديكتاتوري. كانت هذه الحركة عابرة للحدود وغمرت المنطقة بأكملها من المغرب إلى البحرين، ومن القاهرة إلى سلطنة عُمان.

من المهم لفهم الثورات العربية والعديد من الحركات السياسية الشعبية العربية استيعاب الحقيقة القائلة أن الأفكار كانت قوية بما فيه الكفاية لتحريك الكتلة الحرجة (مجموعة كبيرة الحجم تضم الملايين) لدعم الثوار وشعاراتهم، التي تدعو إلى تحقيق العدالة وتغيير النظام.

كان النظام العربي القديم، وعلى الرغم من الثورات، قادراً على قيادة الثورة المضادة في عام 2013 وما بعده. وهذا ما سمح للأنظمة بمتابعة احتكارها لوسائل العنف (الجيش والشرطة)، والبيروقراطية، والمشهد السياسي، والمحاكم (القوانين). واستمر عنصر مهم من عناصر الشرعية في الدول التي لا تعاني من الثورة (الأنظمة الملكية) أولاً، مترافقاً مع الدور السعودي الناشط مؤخراً. ومع ذلك، فقد تناقصت هذه الشرعية نفسها كثيراً مقارنة بفترة التسعينيات.

ولكن على الرغم من الثورة المضادة، لم يتم إرساء أي نظام جديد، بل أصبحت المشاكل البنيوية أكثر عمقاً حتى مع الدور الاستباقي السعودي ودور دول مجلس التعاون الخليجي. تعيش العديد من الدول العربية اليوم مثل سوريا واليمن وليبيا والعراق حالة من الفوضى، بحيث أنها أصبحت دولاً فاشلة. ولكن العديد من الدول العربية الأخرى تقف على حدود الفشل، ويطالب الشباب في المنطقة، والذين يشكلون 70في المئة من السكان، بالمزيد من الحرية والكرامة، وفرص العمل، والأمن، وحياة أكثر سعادة. لذلك لم تعد الدولة العربية، غير الخاضعة للمساءلة مع نخبها السياسية المهيمنة، قادرة على تلبية تطلعاتهم.

ينتظرنا في العالم العربي، مستقبلاً، عصر السياسة الجماعية، والنشاط السياسي، والعمل النقابي، والإضرابات، والمقاومة السلمية، وحركات الشباب. وسيكون كل هذا جنباً إلى جنب مع العنف الدامي الذي لا مفر منه، كرد فعل على ارتفاع مستويات الصراع، مثل الحالات الحاصلة اليوم في سيناء بمصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا.

مصر على سبيل المثال، الدولة الإقليمية المركزية، عالقة اليوم في خضم الفقر والفساد، مع جيشها الذي يسيطر على أكثر من 30 في المئة من الاقتصاد ومع الحكومة القديمة والبيروقراطية غير الفعالة. لن يتحقق أي نوع من التقدم أو التنمية طالما لا يزال الحكم بيد الجيش، وطالما أن البلد يعيش في حالة من الحرب الأهلية بين المكونات المختلفة مثل الصراع القائم بين الإسلاميين والجنرالات.

لا يندرج جميع شباب المنطقة اليوم تحت تصنيف واحد ولا يتمتعون برأي واحد أيضاً. ويمكنني في إطار تسييس المنطقة تقديم الفرضية التالية: ليس لدى الشباب في المنطقة أي مكان يذهبون إليه. وأمام هؤلاء الشباب أماكن محدودة فقط قادرة على استيعابهم. ولم تعد الهجرة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة حتى خياراً جيداً، كما كان الحال قبل عقد من الزمن. ودائماً ما تجد نخبة الشباب والطبقة العليا منهم طريقها إلى الغرب بكل تأكيد، ولكن الطبقات الوسطى المتقلصة في المنطقة مع أعداد أكبر من الشباب الفقراء والمحرومين في معظم دول المنطقة سيصبحون أكثر يأساً.

أعتقد أن شباب المنطقة لن يتركوا الشوارع. إما أن هؤلاء الشباب سيذهبون إلى الجماعات الأصولية المتطرفة العنيفة مثل القاعدة/ تنظيم الدولة الإسلامية، أو يتبنون أيديولوجية قومية متطرفة، أو يكونون جزءاً من حركة ثورية لا عنفية- أو ذات توجهات إصلاحية مدنية وإلى حركات حقوق الإنسان. وسيغدو السباق بين هذه النماذج في المنطقة أكثر حدة، بل ربما يغدو صراعاً قاتلاً في نهاية المطاف.

يعيش النظام العربي بطبيعة الحال على المؤسسات الفاشلة، والذي يشهد أيضاً صراعاً فئوياً بين أفراد نخبه الحاكمة، الذين لا يجتمعون على رأي واحد حول كيفية الاستجابة للتحديات. ووفقاً لكل ما حدث، فإن النظام العربي سيفشل في حل المشكلة الرئيسة. فقد فشل هذا النظام حتى في تقديم ذلك النوع من الوحدة الوطنية والاستقلال، الذي نراه في كل من إيران الثورية وتركيا الديموقراطية. وصل العالم العربي أثناء العدوان على غزة إلى حالة كبيرة من الخمول، ولم يستطع أن يفعل الكثير. ونجحت الثورة العربية المضادة في تحقيق هدف رئيس واحد يتمثل في شراء الوقت.

يبقى الخيار الحقيقي الوحيد للأنظمة، هو البحث عن تسويات سياسية مع المعارضة، ومع مجموعات الشباب، والسعي إلى عملية إصلاح حقيقي وتحول ديمقراطي حقيقي، وإلى بناء المؤسسات. وسيؤدي فشل هذه الأنظمة في تحقيق التغيير إلى تعرض النظام العربي مجدداً إلى موجة ثورية أخرى. وستمر الموجة الثورية الجديدة في مراحل عدة. يتم في المرحلة الأولى من الموجة الثورية استيعاب آثار الثورة المضادة. وستستفيد الحكومات من الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية والإرهاب لتقويض الحقوق وكبت أبسط أشكال التعبير عن الرأي. وسيذهب المزيد من الناشطين الشباب والمعارضين السياسيين إلى السجون، أو سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف في المنفى، ليتم بالتالي تخزين المزيد من الغضب والعنف في البيئة العربية.

إذا كان الغرب يضع مكافحة العنف في العراق أو في سوريا على سبيل المثال في أعلى قائمة أولوياته من دون تمييز بين الجماعات، والأسباب، وجذور الغضب، والاحتلال، وتهميش الجيوش الغربية على الأرض للجماعات وكيف يرتبط كل هذا بالقمع، فلن يؤدي كل هذا سوى إلى تغذية عملية أكبر من التطرف مجدداً وإلى فشل الغرب في التعامل مع هذه الظاهرة.

تكمن المشكلة بأسرها في الجزء المتعلق بالسياسة الغربية تجاه الأراضي المحتلة في فلسطين والسياسة الغربية تجاه الممارسات الديكتاتورية في المنطقة. أراد الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على أمن النفط وتوفير الدعم الحاسم لإسرائيل مهما حدث. كما قام ببيع أغلى الأسلحة وأكثرها تطوراً للمنطقة وأقفل عليها الطريق الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان والتمثيل السياسي. ويعتبر كل ما نعاني منه اليوم نتيجة لسياسة فاشلة تم اتباعها داخل المنطقة ومن قبل المجتمع الدولي.

ستكون الموجة الثورية العربية المقبلة أكثر راديكالية في التفكير وفي الأساليب، وسيتم التركيز على إنجاز ما لم يتم إنجازه في عام 2011. كما ستستهدف أيضاً بالراديكالية ذاتها بعض الطبقات المهمة في الدول مثل الجيوش، والمحاكم، ووزارة الداخلية. ستتمتع هذه الموجة بمستوى أعمق من الغضب واليأس كما كان الحال مع الثورة الإيرانية السابقة. وسيفكر الذين تمكنوا من التحرك خلال ثورات 2011 أنهم كانوا لطيفين للغاية مقارنة بإخوانهم وأخواتهم المتطرفين الأصغر سناً، الذين رأوا كيف تم اصطياد الثوار وتصفيتهم. القنبلة العربية الموقوتة على وشك الانفجار، وأنا في حيرة من أمري فيما يتعلق بالإجابة على السؤال التالي: هل استيقظت البقية المتبقية من النظام العربي حقاً لبدء الدعوة إلى الإصلاح؟ هل يمكن تفادي فكرة أن تغدو الموجة الثورية القادمة أمراً لا مفر منه؟
المصدر: المستقبل

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت
منبر الحرية، 22 أبريل/شباط 2016

© مشروع منبر الحرية

(Visited 161 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟