الحرية، أساس الحياة وقوامها

♦ اكرام عدنني    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

يعد مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم التي تحمل بين طياتها معاني عديدة، وهي من أكثر المصطلحات تداولا في أدبيات الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، منذ القديم والى يومنا هذا.

ويمكن القول أن مفهوم الحرية يستلزم دراسات وتحليلات معمقة من اجل ملامسة الإشكاليات التي يطرحها، والاعتقاد بوضوح أو سهولة استيعابه يأتي من كثرة تداوله واستعماله في الدساتير والأدبيات ودراسات علماء الاجتماع والفلسفة والاقتصاديين

وتختلف معاني الحرية على حسب الزاوية التي ننظر منها إليها، فالحرية عند عالم الاجتماع تختلف عنها عند الفيلسوف أو السياسي أو رجل الدين أو الأديب. كما أنها مفهوم فردي وفي نفس الوقت اجتماعي، فلا معنى لحياة الفرد إذا لم يكن حرا، ولا يعد مجتمعا من فقد حريته واستقلاليته.

 ولكن لماذا يجب أن يكون الإنسان حرا؟ يمكن أن نجد الإجابة عن هذا السؤال في مذهب الحقوق الطبيعية، والذي يعتبر أن الحرية متأصلة في الإنسان كانسان قبل الديانات وقبل القوانين والدساتير التي أصلت لهذا المفهوم. أي أن الحرية والوجود الإنساني غير منفصلين منذ بدايتهما، وهو ما يعني أن نزع الحرية هو في نفس الوقت اعتداء على إنسانية الإنسان.

وإذا كانت حرية الفرد مرتبطة به كفرد إلا أنه لا يمكن أن يعيشها إلا في ظل مجتمع يحترم حريته وينظمها وهذا ما يجعل الحرية تضيق وتتسع على حسب نظرة المجتمع إليها. أي أن الفرد الحر مرتبط في نفس الوقت بالمجتمع الحر. وهو ما يمكن معه القول أن الحرية قد تظهر كعلاقة اجتماعية أيضا وليس فقط خاصية إنسانية.

ومن المؤكد أن الحرية ومبادئ الحرية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الدساتير الدولية واحد أسس الدولة الحديثة وبنائها، إلا أن الأمر لم يترسخ بالمجتمعات الإنسانية بهذه البساطة وخاصة بالدول العربية، بل إنها جاءت نتيجة مخاضات عسيرة وكفاح طويل انتهى إلى تقنينها على شكل قوانين ومواثيق دولية تنظمها مؤسسات قانونية محددة.

ولا يمكن إغفال دور فلاسفة التنوير في هذا المضمار والذين اشتغلوا كثيرا على هذا مفهوم الحرية وعلى رأسهم فلاسفة العقد الاجتماعي، والذين اعتبروا أن هناك عقدا اجتماعيا تبلور ضمنيا بين الأفراد اتفقوا بموجبه على أن يخضعوا حقوقهم وسلطتهم لإرادة المجتمع ككل، أي أن كل فرد من أفراد المجتمع هو طرف في هذا العقد.

وعلى هذا الأساس اعتبر جون جاك روسو ـ أحد ابرز منظري العقد الاجتماعي ـ أنه وقبل هذا الاتفاق كان المجتمع يعيش حياة فطرة سعيدة تتميز بالحرية الكاملة والمساواة والسعادة المطلقة، ولكن الإنسان ولأنه ينشد بطبعه الكمال بحث عن وسائل لتقدمه. ومع ازدياد عدد السكان وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية ستتحول حالة الفطرة هذه إلى حياة اجتماعية ومدنية معقدة، ولأن الأفراد وجدوا أنفسهم ملزمين بالحفاظ على أمنهم واستقرارهم فقد اتفقوا بينهم بموجب عقد اجتماعي على أن يتنازل كل فرد عن بعض حقوقه ويضعها تحت تصرف سلطة عليا لا تتجزأ عن الكل الذي منحها هذه الصفة. فالمرحلة التي سبقت مرحلة المجتمع المدني هي بالنسبة لجان جوك روسو حالة طبيعة افتراضية ولكنها مهمة في إبراز تحول المجتمع من حالة إلى حالة أخرى.

وهذا ما يعني أن الحرية لم تعد كما في حالة الطبيعة حرية مطلقة، ولكنها حرية مقيدة بالقانون، والفرد داخلها يبقى حرا ولكن ليس له الحق في أن يلحق ضررا بالآخرين ولا أن يقتص لنفسه.

والواقع أن المبادئ التي تضمنتها القوانين الدولية والمواثيق إنما جاءت نتيجة لأفكار هؤلاء المفكرين وغيرهم، وعلى أساسها برز مفهوم الحرية بقوة إلى جانب الحرية مفاهيم المساواة والمواطنة والسلام وحقوق الإنسان، حتى تحولت إلى أعراف وقوانين ثابتة.

والتاريخ الإنساني يبرز بوضوح كيف أن مسار تطور هذه الحقوق وعلى رأسها الحرية طبعا، عرف انتكاسات ومنعطفات وثورات كبيرة قبل أن تتم ترجمته إلى قوانين، و كان الميثاق الأعظم للحرية والمعروف بالماغنا كارتا أحد أهم الوثائق التي مهدت لمسلسل من القوانين والمواثيق التي تبنت مبادئها كإعلان الاستقلال  الأمريكي 1776 والذي نص بشكل صريح على أن جميع البشر خلقوا متساويين، وأن خالقهم منحهم حقوقا ثابتة لا يمكن التنازل عنها ومن بينها الحق في الحياة والحق في الحرية والحق في تحقيق السعادة، وفي نفس الوقت أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الفرنسي لسنة 1789 على أن الناس يولدون ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق، وتتأسس التمايزات الاجتماعية بينهم على المصلحة العامة فحسب.

ولا يمكن فهم أعمق للحرية دون الاستعانة بالكتابات حول المفهوم في الفكر الغربي كدراسات جون ستيوارت ميل التي لا يمكن الاستغناء عنها في دراسة أي باحث لمفهوم الحرية. فقد حاول دائما أن يجيب على سؤال ما الحرية؟ وأعطى  تعريفا تقريبيا للمفهوم مع الإحاطة به من جوانب مختلفة، حيث اعتبر أن الحرية تعني أن يكون الفرد قادرا على اختيار تصرفاته دون تدخل من الآخرين. ولقد انطلق من هذه النقطة من أجل أن يؤكد على أن الإنسان له الحق في أن يعيش حياته كما يريد في ظل احترام حريات الآخرين وخاصة وأنه هو الأدرى بمصالحه الشخصية وذلك لأن له إرادة حرة وعقل وتمييز، ومن المؤكد أنه سيحترم حرية الجميع لأنه يحترم حريته ونتيجة لذلك سيكون لدينا مجتمع حر وستتحقق السعادة لأكبر لدى عدد من الأفراد والذين سيعيشون في ظل التسامح واحترام الآخر ومن ثمة نمو المعرفة ـ كما يقول فردريك هايك ـ في عقول نطاق واسع من الأفراد.

وعن علاقة الديمقراطية بالحرية رأى باسكال سالان أن المجتمع الحر هو المجتمع الذي تحترم فيه الحكومة سائر الحقوق الطبيعية. فالحرية لا تقطع إلى أجزاء. إنما حرية الأفراد تدخل في إطار كل ما يقومون به من نشاط في حياتهم، وما يسلكونه من طرق للتعامل بين بعضهم البعض. ويدخل في هذا الإطار الحريات الاقتصادية والسياسية أيضا. وهنا لابد من فهم واستيعاب لماذا الحد من الحرية وعلى أي أساس يمكننا الحد من حرياتنا وحريات الأفراد داخل المجتمع؟، ويجد الجواب أساسه عند باسكال سالان في تطبيق واحترام القواعد المشتركة للتنظيم الاجتماعي وهو ما يمكن أن يضمن له استمراريته.

لقد أضحت الحرية أكثر من أي وقت سابق شرطا وجوديا داخل المجتمعات الإنسانية من اجل التقدم ومن اجل ضمان وجود مجتمع منظم ومتكامل، وهذا ما فطنت إليه الدول المتقدمة، وما يجب أن تنتبه إليه المجتمعات العربية التي تعيش حاليا فترات الانتقال الديمقراطي. ولا نملك إلا أن نؤكد أن الحرية هي المقوم الأول للحياة ولا حياة نحياها إن لم تكن حرة.

* باحثة في علم السياسة من المغرب.

منبر الحرية، 27 نونبر/تشرين الثاني 2015

(Visited 774 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟