السياسات الاقتصادية في إيران بعد الاتفاق النووي .. بين المواطن وبيروقراطية الدولة

♦ عياد البطنيجي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

جرى توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب بعد مفاوضات طويلة. وفي هذه الغضون ينطرح السؤال ما إذا كان سينعكس هذا الاتفاق في مضمونه الاقتصادي على المواطن الإيراني والمدى الزمني المتوخى ليتلمس المواطن تحسينات في أوضاعه المعيشية. فإيران مقبلة على حقبة من النمو الاقتصادي وبالتالي يتوقع المواطن الإيراني الذي لطالما أنهكته العقوبات الاقتصادية ليس أن يكون المستفيد الأكبر من النمو الاقتصادي المتوقع فحسب وإنما تكون هذه الاستفادة على وجه السرعة التي لا تحتمل التباطؤ والتأجير. إذ لن ينتظر المواطن زمنا طويلا كي تسترخي أوضاعه الاقتصادية وتسوى، فالأزمات المتلاحقة التي أنهكته تجعل توقعاته ذا أولوية قصوى.

يذهب هذا المقال إلى فرضية مفادها أن الآثار الاقتصادية المحتملة ستكون طويلة المدى في انعكاساتها على المواطن الإيراني، وهو ما يخالف التوقعات العريضة لدى الإيرانيين في تحسن الأوضاع المعيشية، وترقب حصول تغيير إيجابي في حياتهم؛ ويعود ذلك إلي طبيعة النظام السياسي الإيراني في خطاباته وشعاراته ورؤى النخبة السياسة يجعل عملية الاستفادة من النمو الاقتصادية عملية غير متوازنة لا تلبي توقعات المواطن في إيران، وذلك لأسباب عديدة يسعى هذا المقال إلى توضيحها.

أولا، تركت العقوبات الاقتصادية الدولية اقتصادا يعاني من تشوهات هيكلية مما يجعل من المداخل عقب فك مغاليق العقوبات الاقتصادية والمالية الغربية متجهة نحو ترميم الكثير من المؤسسات الاقتصادية والمالية الإيرانية (القطاع الحكومي، القطاع التعاوني، القطاع الخاص) التي تضررت نتيجة هذا الحظر الغربي. وبالتالي يؤخر من التحسينات الاقتصادية للمواطن الإيراني إلى مدى بعيد، وكذلك يبقى مشروطا باستمرار وتيرة تطبيق الاتفاق بين الغرب وإيران. وهو الذي سيجعل من استفادة المواطن من النمو الاقتصادي المتوقع  تحتاج إلى وقت طويل مقارنة بالمؤسسات الاقتصادية التي سيكون لها الأولوية.

ثانيا، تأثر طبيعة النظام السياسي المتعدد الأقطاب والمزدوج على توجهات التنمية في إيران بعد الاتفاق النووي. إذ يتصف النظام السياسي في إيران بمراكز سلطة رسمية وغير رسمية تتميز بوجود العديد من الروابط المهلهلة بينها والمتنافسة في ما يبنها بضراوة. وهكذا، يوازي المؤسسات الرسمية مؤسسات غير رسمية فاعلة تعمل علي تصريف السياسيات الرسمية في نهاية المطاف. ولا تقتصر ازدواجية السلطة على منصبي الرئيس والمرشد الأعلى بل تسري على كل المجالات السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية تقريبا، وتتضح تحديدا، على سبيل المثال، وجود القوات المسلحة النظامية مقابل الحرس الثوري، والمحاكم الثورية ومحاكم رجال الدين إلى جانب القضاء العادي، وحزب الله إلى جانب قوات الشرطة، ومجلس صيانة الدستور إلى جانب البرلمان الذي أطلق عليه مجلس الشورى الإسلامي، وخطباء وأئمة المساجد إلى جانب الحكام المحليين.  والمعنى في النظام السياسي الإيراني توجد بيروقراطية رسمية وغير رسمية تلتحق بمؤسسة المرشد وتعمل وفق إرادته. فمن جهة فإن هذه الوضعية ستؤثر على الحكومة في إداراتها للمشاريع الاقتصادية بكفاءة وفاعلية، ومن جهة ثانية، اندماج المؤسسات العامة عضويا بالبنى الاجتماعية المحلية مما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة الاقتصادية لأنظمة المراقبة والمحاسبة. ويبدو هذا كله سيجعل لهذه الأجهزة نصيب وافر من حقبة الرخاء الاقتصادي المتوقعة. ففي ظل وجود جهاز بيروقراطي متضخم فمن المتوقع أن يكون له الحصة الأكبر من المداخيل المالية التي ستجنيها إيران من الشركات العابرة للقارات التي ستقوم بتسهيل عمليات نقل المال والسلع إلى إيران. فالتنمية مرتبة برباط لا ينفصم بطبيعة علاقات القوة ولأنها غير متكافئة بطبيعتها فإنها تجهل من العوائد كذلك غير متوازن. ويؤكد منظور الاقتصاد السياسي على دور علاقات القوة في تحديد مسارات التنمية بأبعادها المختلفة، وكذلك تعمل التنمية على إعادة تشكيل علاقات القوى المهيمنة.  هذه الوضعية نقيضه للمبدأ التنموي السائد في الحقبة الراهنة حيث هيمنة منظور تنموي يرى تفضيل دولة “أصغر ولكن أقوى”، أي ضرورة أن تكون الدولة أصغر مدى وأقوى قدرة مؤسساتية وإدارية حتى التنمية وتنعكس على الفرد.  كما من شأن تدفق الأموال أن يسهم في ازدياد الفساد، وخاصة في أوساط الجهاز البيروقراطي المتضخم وبخاصة حين تضعف مراقبة الحكومة على ميزانيات مؤسسات الدولة.

ثالثا، تبعات الصراع السياسي الداخلي في إيران بين المحافظين والإصلاحيين. فتوجهات الرئيس حسن روحاني المنفتحة جزئيًا تلقى معاندة قوية من المحافظين إذ يعتبر الاتفاق النووي انجازا كبيرا لروحاني الأمر الذي يعني للتيار المعارض (المحافظ) تحويل الانتباه نحو مواجهة التحديات المختلفة الاقتصادية والسياسية الداخلية وبالتالي قد يؤدي إلى شلل الرئيس روحاني. والقصد أن التيار المحافظ يرى في الولايات المتحدة عدوًا أبديًا، شغله الشاغل هو تقويض النظام السياسي الإيراني برمته، هذا التيار كان يضع العدو في مكان ما هناك خارج إيران. فضلا عن ذلك يأتي هذا التحول في العلاقة مع الغرب مشفوعا بميل دخلي لدى الطبقة الوسطى الإيرانية والمجتمع المدني نحو الانفتاح على الغرب وتوسيع النشاط التجاري مع العالم الخارجي وبخاصة أن هذه الطبقة ليست معنية بكل الإيديولوجيات التي يطرحها النظام، وترى فرصة في هذا الاتفاق لتعميق الإصلاح الداخلي ومن ثمة اندماج إيران في النظام العالمي. وتصير المعادلة الجديدة بالنسبة للمحافظين كالتالي: بعد الاتفاق النووي، بالنسبة للتيار المحافظ، يصير العدو محايثا، لم يعد مفارقا أو خارجيا، وما يفاقم من حدة الصراع بينهما أن الاتفاق النووي يسهل من عملية اخترق للمحلي ليس أقلها عبر الشركات العابرة للقارات التي سوف تتكالب على إيران بعد الاتفاق، وكان هناك مقايضة لمبدأ الاستقلال الذاتي وهو مبدأ متأصل في الثورة الإيرانية.

ومن هنا تفهم المرشد لهذه الوضعية الجيوسياسية كما ظهر في خطابه عقب الاتفاق، في محاولة لتخفيف التوتر السياسي الداخلي عبر تأكيده على ثوابت الثورة الإيرانية، وعلى مبدئية طهران على المستوى الاستراتيجي. والتقليل من الهواجس المتشكلة في خطابات ورؤى وشعارات تتمظهر في حالة التوتر الداخلي من أي رهان خارجي على حرب أهلية، وأي رهان داخلي على رافعة خارجية للسيطرة والهيمنة وتغيير الاتجاه. والمقصود أن ثمة احتمال أن تبعات الصراع السياسي سوف تتفاقم بعد الاتفاق، إن حصل فإنه سينعكس سلبا على التنمية الاقتصادية التي لا يمكن تحقيق مفاعليها بدون استقرار سياسي وهو  شرط مسبق في  فعالية التنمية.

رابعا، الاندراج السياسي الإقليمي والعالمي. من المعروف أن إيران لاعب رئيسي في لبنان، سوريا، العراق، واليمن، وثمة محاولة للنفاذ إلى البحرين، كما أن المحافظة على هذا النفوذ مكلف ماليا. ومن غير المتوقع أن تنسحب إيران من الإقليم بعد توقع الاتفاق النووي. لقد عبر المرشد عن الهواجس المتوقعة من تغير الأولويات والثوابت بعيد الاتفاق: “سياستنا تجاه أميركا والاستكبار العالمي وقوى الشر لن تتغيّر”، ” ولن نتخلى عن دعم الشعوب المظلومة في المنطقة بغض النظر عن مصير الاتفاق النووي مع الدول الكبرى”.

وعليه يعيد المرشد وضع  الأمور في نصابها  عبر تحديد أولويات إيران وثوابت سياستها، وقواعد الاشتباك في الإقليم. ويلحظ أن الأجندات الإقليمية لم تمس بمعنى أن سياسات إيران في العراق ولبنان وسورية واليمن. وما يشجع طهران على الاستمرار على الوتيرة ذاتها ليس لأنها حققت مراميها وأجبرت الغرب في الجلوس إلى جانب طهران على طاولة المفاوضات، بل إن ذلك يأتي مشفوعا بتحول النظام الدولي بقيادة واشنطن حسبما يبدو من عقيدة اوباما الجديدة في الشرق الأوسط الرافضة لأي نشر للقوات الأمريكية في المنطقة، والرامية إلى تدشين توازن سياسي على أسس طائفية لتأمين خروج آمن بتوكيل أطراف محلية للعب أدوار معينة ضمن محددات السياسية الأمريكية.  فتلعب إيران في مناطق نفوذها أضمن لها من مد نفوذها خارج نطاق قدرتها الجيوسياسية. في المقابل تلعب السعودية كذلك في مناطق نفوذها “السنية” مما يؤسس لتوازن سياسي طائفي أقدر على تحقيق “الاستقرار”. بيد أن هذه المعادلة من غير الممكن أن تحقق أغراضها وهذا حديث آخر ليس هنا مجال استنطاقه. والمعنى سيبقى النفوذ الإيراني مكلفا ماليا وعبئا على خزانة الدولة وسوف تستخدم إيران المداخيل  المالية في تصريف نفوذها الإقليمي  مما يقلص حصة الفرد من هذه المداخيل.  إذ إن الأولوية للمحافظة على المكانة الجيو- استراتيجية لإيران.

خامسا، طبيعة البنية الاجتماعية المركبة والمنقسمة تجعل من عملية النمو الاقتصادي المتوقع غير متوازنة. من المحتمل أن يعمق الاتفاق النووي الانقسامات والتناقضات إن كان هناك توزيعٌ غير عادل للثروة الجديدة. مما يعمق التوترات المتزايدة بين الإثنيات والمذاهب التي تتكون منها إيران. علما أن الفرس لا يتجاوز 51% من مجموع السكان هذا يعني أن إيران أقل انسجاماً. والمعنى أن استئثار الفرس بالعائدات المالية، والتحول الاقتصادي المرتقب عقب الانفتاح على الغرب وشركاه مما يكرس مظلومية بقية السكان. وهذا الأمر شبيه بما حصل مع كثير من الدول حين يبدأ فك الحصار عنها وإدماجها في النظام الدولي. وهو ما يجعل سيناريو الاتحاد السوفيتي حاضرا، في حقبة الحرب الباردة، واعتماد استراتيجية الانفتاح والتغلغل الاقتصادي على الغرب التي أدت إحداث قلاقل في البنية الاجتماعية المركبة. وفي نهاية المطاف انهار الاتحاد. غير أن طبيعة الدولة الإيرانية العميقة الجذور قد تحد من محاولات التفكيك هاته وإسقاط أي رهان على هذا السيناريو.

على العموم ليس هناك شيء سيء بالمطلق أو جيد بالمطلق، فإن الأشياء يمكن أن تكون سيئة أو جيدة، مفيدة أو ضارة. والأهم هو في طريقة التعاطي معها. والمعنى أنه يمكن أن يكون الاتفاق النووي إيجابيا لإيران ويمكن أن يكون العكس وفي كل الأحوال هناك فرصة تفتحت والأهم كيف يجري اغتنامها في إطار شغف الإرادة الإيرانية المتواصلة في احتلال وقع في التاريخ، وهو ما عرف عنها بما لديها من إرادة لصنع تاريخا الخاص.

*باحث فلسطيني

منبر الحرية، 12 نونبر/تشرين الثاني 2015

 

                               © مشروع منبر الحرية 

(Visited 284 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟