نسيطر على الفقر عندما نسيطر على الخصوبة. إليكم كيف..

♦ مازن ديروان    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

تشير جُل الدراسات و الإحصائيات إلى وجود علاقة طردية بين نسبة الخصوبة ومستوى الفقر. جميع البلاد ذات الخصوبة العالية هي دول فقيرة، هذا فيما عدا الدول النفطية و الدول ذات الموارد الطبيعية الثمينة كدول الخليج العربي، التي تعتبر حالة شاذة و لن تستمر طويلاً إذا لم تعالَج. نسبة كبيرة من الدراسات تشير أيضاً إلى علاقة سببية بين الإثنين و لو كان هناك بعض الخلافات حول موضوع السببية. إذن معظم الإختصاصيين يقرون أن السيطرة على نسبة الخصوبة هي أمر ضروري إذا أردنا أن نخفض مستوى الفقر.

كيف لنا أن نبدأ بالسيطرة على النمو الزائد لعدد السكان؟ أستخدم كلمة “نبدأ” في هذا الموقع لأنني أؤمن بأننا لم نبدأ بعد بأي شكل جدي و ذلك على الرغم من ضرورته. مع أن هذا الموضوع تمت دراسته و التعاطي معه في العديد من اللقاءات و النقاشات والسياسات، لا أعتقد أن هذا التعاطي كان بالجرأة و الصراحة و الواقعية التي يستأهلها، و لهذا السبب لم تكن نتائجه فعالة. الناس الذين يعترفون بوجود مشكلة انفجار سكاني ينقصهم الجرأة للمطالبة بالسيطرة على نسبة الخصوبة لأن ذلك قد يعتبره البعض متعارض مع التعاليم الدينية. بدلاً من المطالبة بالسيطرة (control) على نسبة الخصوبة، فهم يطالبون بإدارتها (management). حسب تفسيري لمطلب السيطرة، يكون من غير المقبول إنجاب ١٠ أطفال في ١٠ سنوات؛ و لكنه مقبول إنجابهم في ٢٠ سنة!! كثيراً ما نسمع بعض الناس يقولون: “أغلب العائلات حالياً لا ينجبون أكثر من ٣ أو ٤ أولاد مقارنة بالماضي حيث كانوا ينجبون أكثر”. هؤلاء الناس حتى لا يعترفون بوجود مشكلة انفجار سكاني و لا يعرفون أيضاً أن بعض العائلات في المجتمعات الريفية مازالت تنجب أكثر من ١٠ أطفال. هكذا أناس قد لا يلاحظوا أنه في الماضي عندما كانت تنجب العائلات الكثير من الأبناء، فقط واحد أو إثنان يصلان لمرحلة البلوغ! الوضع اليوم، لحسن الحظ، أفضل بكثير من ذي قبل حيث أن وفيات الأطفال أقل بكثير عما كانت عليه نتيجة التقدم الصحي و الغذائي. هؤلاء الناس قد لا يلاحظون أيضاً أن الأدوات المتوفرة للناس في هذه الأيام أكثر فائدة في زيادة الإنتاج من عدد الأشخاص. مُزارع واحد عالي التدريب و مزود بتجهيزات عالية التقنية مثل الحاصدات و ما شابه بإمكانه أن يزرع مساحات أكبر من الأراضي و ينتج محصول أكثر تجانساً من عدد كبير من المزارعين المزودين بأدوات بدائية. إنَّ رفْضَنا و تجاهُلَنا لوجود مشكلة تزايد سكاني تشابه حالة المدمن على الكحول و/أو المخدرات الذي لا يعترف بحالة إدمانه. الخطوة الأولى التي يتخذها أي معالج نفسي عند محاولته معالجة مدمن ما من إدمانه هي جعلُه يعترف بأنه مدمن. يجب علينا أولاً أن نعترف بأن مشكلة الانفجار السكاني التي نشاهدها في بلادنا و خاصة في المناطق النائية سوف تؤذي ليس فقط مستوانا المعيشي و ذلك برفع نسبة البطالة و تخفيض مستوى الدخل الفردي و ارتفاع نسبة العنوسة و ما يترتب عن ذلك من نتائج، بل سيؤذي أيضاً البيئة التي نعيش فيها. ظواهر التصحر و الجفاف و تلوث الأنهار و انخفاض مستويات المياه الجوفية ما هي إلا بعض نتائج الانفجار السكاني. أين ذئابنا و ضباعنا و غزلاننا ونسورنا و سناجبنا و المئات من فصائل الحيوانات التي كانت تعيش في بلادنا لملايين السنين؟!! لقد دفعناها جميعاً إلى الفناء و الاندثار في عقود قليلة نتيجة طلبنا الزائد من الطبيعة لنغطي متطلبات هذا الانفجار السكاني.

بعد أن نعترف بوجود مشكلة انفجار سكاني في بلادنا، يجب أن نتبنى سياسات حقيقية و فعالة لنشجع على تشكيل العائلات الصغيرة و لنحُد من تشكيل العائلات الكبيرة. أنا في هذا الموقع لا أشجع على عمليات الإجهاض لتخفيض النمو السكاني و لكني أدافع عن استخدام سياسات أكثر جدية و فاعلية من فقط تقديم بعض وسائل منع الحمل مجاناً أو بأسعار مخفضة. الإحصائيات الحالية تثبت أن هكذا سياسات لم تكن فعالة. ما أرغب أن أراه مطبّقاً هو سياسات تستخدم أسلوب “الجزرة و العصا” لتحقيق هدف تخفيض نسبة الخصوبة.  بمعنى آخر، يجب استخدام حوافز إقتصادية  تكافىء الملتزمين و الواعين و تعاقب المستهترين الذين ينجبون أولاد و لا يستطيعون القيام بواجباتهم تجاههم.

إليكم بعض الحقائق التي يمكن للحكومات أن تبني على أساسها سياسات لتحُد من الإنفجار السكاني. سأستخدم هنا مثال من سورية قبل الأزمة السورية لتوضيح الفكرة و كون السياسات المتبعة في سورية تشابه إلى حد كبير السياسات المتبعة في معظم الدول العربية و نتائجها مماثلة أيضاً. أريد أن أنوه هنا إلى أنني كليبرالي كلاسيكي لا أؤمن بأي من سياسات الدعم الحكومي و لا أوافق عليها. حيث أن جميع الحكومات و خاصة العربية منها مذنبة بتدخل الحكومة في كل شاردة و واردة بحياة الناس و حيث أنها تنفق أموالاً هائلة على هذه البرامج و السياسات التي أعتبرها غير رشيدة، فقط أقوم هنا باقتراح استخدام هذه البرامج الموجودة أصلاً و لكن لأغراض أكثر نبلاً و ريعية.

–  أوضَحَ استبيان تم إجراؤه أن ٨٠٪ من الناس الذين تم سؤالهم في سورية يفضلون أن يحصلوا على وظائف حكومية بدلاً من وظائف في القطاع الخاص. هذا بالرغم من أن جميعهم يشتكي من الدخل المنخفض في وظائف الحكومة!!

–  الجامعات الحكومية في سورية تقدم التعليم مجاناً. مع التدفق الهائل من خريجي المدارس الثانوية الراغبين بالتعليم الجامعي “المجاني” و عدم قدرة مجتمعنا على توسيع الموارد المتاحة لهذه الجامعات بما يتناسب مع هذه الأعداد المتزايدة من الطلاب، أصبحت متطلبات علامات آخر سنة في المرحلة الثانوية (توجيهي آو بكالوريا) التي تحددها الحكومة للدخول إلى هذه الجامعات الحكومية “المجانية” شبه مستحيلة. أصبحت نتيجة ذلك الدراسة الجامعية المجانية ميزة للبعض و ليست حق للكل كما ادعى مهندسو كارثة التعليم الجامعي  المجاني.

–  تقوم الحكومة في سورية بدعم العديد من السلع الإستهلاكية مثل الخبز و الرز و السكر و وقود التدفئة على سبيل المثال.

بناءً على الحقائق و الوقائع أعلاه ، أقترح أن تقوم الحكومة باتخاذ الخطوات التالية لتدفع العائلات باتجاه إبقاء حجم عائلاتهم صغير:

–  تستخدم الحكومة ما يعتبره المواطنون ميزة الحصول على وظيفة حكومية.

–  تتعهد الحكومة للعائلات التي تنجب ولدين أو ولد واحد بتعليم أولادهم في الجامعات الحكومية المجانية دون الحصول على العلامات “التعجيزية” المطلوبة طالما أن الأولاد تخرجوا من مرحلة التعليم الثانوي. أو بإمكان الحكومة إعطائهم عدد من العلامات تضاف إلى رصيدهم لدى التقدم للقبول بالجامعات الحكومية المجانية.

–  تزيد الحكومة حصة الفرد من المواد التموينية المدعومة سعرياً للعائلات ذات الحجم الصغير.

–  تقوم الحكومة بتطبيق هذه البرامج التحفيزية بشكل إنكفائي. أي كلما كبرت العائلة، كلما انخفضت الميزات الممنوحة لها. بعد نقطة معينة تلغى جميع الميزات.  وبعد نقطة متقدمة أخرى في تكبير العائلة، يجب على الحكومة البدء باتخاذ إجراءات عقابية، إن شاءت، تجاه أرباب الأسر اللامسؤولين الذين ينجبون من غير حساب (أعتقد أن عليها فعل ذلك.)

–  يمكن للحكومة أن تستخدم الإعلان بشكل احترافي  و خلّاق لتُظهر النتائج الإيجابية للعائلة الصغيرة و تَمَيُّز مستوى أفرادها المعيشي مقارنة بالصعوبات التي تجابه العائلات الكبيرة ذات الأولاد الكثر و مستواها المعيشي المتدني.

هذه الخطوات أعلاه ما هي إلا إقتراحات بالخطوط العريضة و هي حتماً ليست شاملةً حيث أنني أتوقع من الآخرين ابتكار أفكار عديدة أخرى من الحوافز الاقتصادية التي يمكن إضافتها. تستخدم هذه الأساليب ما يسمى بالدعم الإيجابي (positive reinforcement) أكثر من أسلوب العقاب، وهو الأسلوب المُعتَبَر أكثر فعالية من أسلوب العقاب. هكذا سياسات يجب أن لا تكلف الحكومة أي موارد إضافية، و هي بالحقيقة ستوفر على الحكومة أموالاً كثيرة على المدى المتوسط و الطويل. إضافة لذلك، تضيف هذه السياسات المقترحة عامل العدل و المساواة الذي كان غائباً من برامج الاستحقاق (entitlement) الحالية حيث أن مسيئي استخدام هذه البرامج و من ضمنهم أولائك الذين ينجبون أولاد كثر و يأخذون من فرص أولاد المواطنين الآخرين هم الرابحون دائماً.

لتوضيح الاقتراحات أعلاه أكثر سأستخدم المثال التالي: إذا أنجبت عائلة ما طفلاً واحداً، ستضمن الحكومة لهذا الطفل التعليم الجامعي المجاني في الاختصاص الذي يرغبه هو و أهله، هذا طبعاً بعد إنهائه التعليم الثانوي و لكن دون النظر إلى معدل تخرجه. الحكومة ستضمن أيضاً وظيفة حكومية لهذا الولد بعد التخرج، إن هو رغب بذلك. إذا أنجبت الأسرة ولدين، ستضمن الحكومة للولدين التعليم الجامعي المجاني بالاختصاص الذي يرغبون به و لكن لا تضمن وظيفة حكومية لأي منهما. إذا أنجبت الأسرة ولداً ثالثاً، لا تضمن الحكومة أي شيء و سيتنافس هؤلاء الأولاد مع بقية الأولاد من الأسر الكبيرة الأخرى على أي دراسة أو عمل. سوف لن يكون لهم أي ميزات خاصة. في الحقيقة، أنا شخصياً أرغب بأخذ هذا الموضوع لأبعد من ذلك بمنع أي أولاد من أسر ذات أربعة أولاد أو أكثر من الحصول على التعليم الجامعي المجاني أو الوظائف الحكومية. قسوة العقاب يجب أن تزيد مع زيادة عدد الأولاد في الأسرة الواحدة إلى مستوى قد يصل إلى سجن أحد الوالدين أو كليهما في الحالات القصوى. ما أقترحه هنا هو أسلوب قد يساعد بشكل فعال بحل مشكلة الانفجار السكاني. كم من التحفيز أو عدمه يرغب المجتمع أن يضع في برنامج السيطرة على الخصوبة، يكون على أفراد المجتمع أن يحددوه حسب جديتهم بحل المشكلة. أنا شخصياً، أرغب أن أرى أقوى الحوافز و أقسى العقوبات مطبقة. إنني أؤمن بأن الولد الأول للعائلة هو بمثابة الماء و الهواء كضرورة لإرضاء الغريزة البيولوجية لدى الإنسان. و أعتبر الولد الثاني في هذا الزمان كترف و رفاهية معظم الناس بقدرتهم إن يتحملوا تكاليفها. و أعتبر أن الولد الثالث يماثل شراء سيارة رولز رويس أو فيراري من حيث ترتيبه على سلم الرفاهية. هل يعقل أن يتوقع إنسان عاقل من الحكومة أن تقدم له مساعدة مالية من الأموال العامة للحصول على غرض يعتبر ذو رفاهية عالية المستوى؟!! إن التعليم المجاني و الوظائف الحكومية تعتبر نوع من أنواع المساعدة المالية من الأموال العامة و لذلك هم لا يستحقونها.

بعض القرّاء قد يعتبرون إقتراحاتي غير منصفة و قاسية و غير إنسانية. برأيي، عندما “يحب” أحدهم أن ينجب العديد من الأطفال دون إعطاء أي سبب مقنع لذلك؛ و عندما يأخذ هؤلاء الأولاد العديدين من فرص الأولاد الآخرين الذين يأتون من عائلات مسؤولة و ملتزمة و يزيدون تكلفة برامج الاستحقاق من دعم الخبز و الرز و السكر و ماشابه؛ و عندما ينافس هؤلاء الأطفال من العائلات الكبيرة الأولاد الآخرين للحصول على وظائف حكومية إضافة إلى تخفيض مستوى دخلهم و فرصهم في الحياة الكريمة المرتاحة؛ هذا برأيي هو عدم الإنصاف و القسوة بعينها. إنني على يقين أنه من الضروري التأسيس لثقافة جديدة تُركِّز على “نوعية” الحياة بدلاً من “الكمية”. الطرق القديمة التي يتم التعامل بموجبها مع حدوث ولادة طفل ببساطة عملية شراء حذاء جديد يجب أن تتغير. يجب تبديل ثقافة عدم ربط نسبة الخصوبة مع الازدهار، بأخرى تعترف بالأرقام الإحصائية التي تشير بما لا يدع للشك مكان أن المجتمعات ذات نسبة الخصوبة العالية تعاني من مستويات معيشية متدنية. يجب علينا أن “نبدأ” بحب أولادنا بشكل حقيقي و ذلك بتقديم الكفاية لهم لا تقديم غَزَل فارغ لا يُغْني و لا يُشبع. يجب علينا إن نبدأ بالسيطرة على حياتنا لا أن نكتفي فقط بتلقي ما يحدث لنا و كأنه محتوم. يجب علينا أن نتصرف بشكل يمكّننا من تقديم مستوى معيشي عالي لأولادنا يتضمن وظائف ذات رواتب عالية و تعليم أفضل و بيئة أنظف!! نعم.. يمكن حصول ذلك. ماليزيا و كوريا الجنوبية و تايوان و الصين هي فقط بعض الأمثلة التي فعلتها. فهلّا فعلنا ذلك؟!!!!

* خبير اقتصادي وكاتب سوري

منبر الحرية، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2015

                        © مشروع منبر الحرية 

(Visited 224 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟