لماذا تكثر الإضرابات في فرنسا

♦ إيمانويل مارتين     
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

ترجمة: علي الحارس

انخفض معدل الإضرابات في فرنسا خلال الجيل الأخير، لكن البلاد لا تزال ميالة إلى النزاع الاجتماعي، كما تبين من الإضرابات الأخيرة، ومن المتوقع أن نشهد المزيد منها إذا تم تطبيق الإصلاحات الضرورية.

فقبل عدة أيام جرى تأجيل مراسم افتتاح مهرجان آفينون العالمي، وهو من أشهر الأحداث الثقافية في فرنسا، وذلك لأن العاملين بعقود مؤقتة في مجال العروض الفنية كانوا مضربين احتجاجا على التغييرات التي طالت المنح السخية التي تقدمها منظومة إعانات البطالة. كما تعرض قطاع النقل بالعبّارات البحرية بين مدينة مرسيليا الكبيرة وجزيرة كورسيكا، وهي من الوجهات السياحية ذات الشعبية الكبيرة، إلى التوقف طوال أسبوعين بسبب إضراب العاملين في رصيف الميناء رفضا لإعادة هيكلة شركتهم (SNCM)، وهي شركة تعود معظم أسهمها للقطاع العمومي وتتمتع بحق احتكار ميناء مرسيليا؛ ولم يؤد هذا الإضراب إلى اختناق النشاط الاقتصادي في كورسيكا وحسب، وإنما طالت آثاره النشاط الاقتصادي في مرسيليا أيضا، فالمراكب البحرية لم تكن ترسو في ميناء المدينة خوفا من الحصار.

وقبل ثلاثة أسابيع كان هنالك إضراب للعاملين في السكك الحديدية بسبب خشيتهم من أن يؤدي الفتح المنتظر لأبواب التنافس إلى اضطراب ما يدعوه الفرنسيون “المنافع الاجتماعية”، ولذلك أقدم العاملون على منع المواطنين الفرنسيين والسائحين من استخدام القطارات مما أدى إلى وضع أشبه بالكوابيس في بعض المدن، وقد صرح غويولم بيبي، رئيس الشركة الوطنية للسكك الحديدية (SNCF)، بأن الأيام التسعة الأولى من الإضراب كلّفت الشركة أكثر من (150 مليون يورو)، أي: ما يصل إلى ثلث أرباح الشركة في العام 2013.

ويضاف إلى الإضرابات السابقة: إضراب مراقبي حركة النقل الجوي في الأسبوع الأول من موسم العطلات، وذلك في أكثر عطلات نهاية الأسبوع ازدحاما في العام؛ مما يطرح السؤال التالي: لماذا تكثر الإضرابات في فرنسا؟

إن العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل تتصف بأنها مثقلة بالضوابط بسبب متطلبات دولة الرعاية الاجتماعية المركزية في فرنسا؛ ومن المعلوم أن دول الرعاية الاجتماعية تخلق نزاعا بين الحقوق السالبة للفرد و”الحقوق” الموجبة للرعاية الاجتماعية، وبين أجيال الحاضر وأجيال المستقبل. لكن النمط الفرنسي لدولة الرعاية الاجتماعية أدى إلى “صراع طبقي” أكثر تعقيدا بسبب امتلاك الحكومة، كما كانت الأنظمة الملَكية من قبل، القدرة على منح “الامتيازات” إلى جمعيات مهنية مفضلة على غيرها بحسب قدرتها على حشد الضغط السياسي والتهديد بالإضراب أو بالامتناع عن التصويت لهذا الحزب أو ذاك.

وتتمثل عاقبة هذا الوضع في انعدام المساواة ضمن ما يدعى بمنظومة “التضامن” الفرنسية، وهنالك من يعبر عن هذا الوضع بأنه يجعل البعض “أكثر مساواة من الآخرين”. إن (مأساة المشاعات) التي تترافق مع دول الرعاية الاجتماعية، أي: التعامل مع ثروة الفرد كمورد جماعي يمكن لأي فرد آخر أن يأخذ منه، تتفاقم عندما تمتلك مجموعات المصالح الخاصة المتنوعة منفذا تفضيليا إلى أموال الآخرين. وفي خضم هذا السباق “للنهب المتبادل”، بحسب تعبير الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا الذي عاش في القرن التاسع عشر، يتمثل الهدف في تحصيل أفضال الحاكم والصراخ بأن المرء يستحق المزيد، وبالطبع فإن ذلك يحصل بذريعة خدمة المصلحة العمومية.

ولنأخذ على سبيل المثال: العاملين بعقود مؤقتة في مجال العروض الفنية، فهؤلاء يعملون غالبا ضمن الحد الأدنى من ساعات العمل على نحو يتيح لهم استحقاق إعانات البطالة، ولا تصل ثمار أعمالهم سوى إلى خُمس قيمة الإعانات المدفوعة، أما الفرق فيؤخذ من جيوب الآخرين، وهذا يحصل تحت غطاء “التضامن” الذي أشرنا إليه في ما سبق، أو بذريعة الحاجة إلى “المحافظة على الثقافة”.

وهنالك مثال أوسع يتعلق بالنقابات ذاتها، فعلى الرغم مما لها من تأثير في الكثير من السياسات باعتبارها “شركاء اجتماعيين” رسميين، فإنها لا تمثل سوى حوالي (8%) من القوة العاملة! (مهمتها الرئيسية في التفاوض حول الأجور تعاني ضعفا هائلا لأن الحكومة هي من يعين الحد الأدنى للأجور في البلاد). وبسبب العدد القليل من الأعضاء المنخرطين في هذه النقابات يتوجب عليها أن تعتمد على أموال دافعي الضرائب في تمويلها، كما إن معظم المناصب النقابية لا تأتي رواتبها من جيوب الأعضاء، وإنما من جيوب العاملين في القطاعين العمومي والخاص. ويضاف إلى ذلك أن محفزات النشاط النقابي تتعارض مع المساءلة والشفافية والحوار المتين، فالإضراب مع المخاطرة بأموال الآخرين أسهل دائما من التعاون.

إن هذه المنظومة تعزز ذهنية النزاع والتحدي، ومن الواضح أن هذا النهب المؤسساتي، والذي يعني ضمنيا اللامساواة بين من يدفع ومن يستلم، يولد مشاعر الغيرة والحسد والإحباط ضمن المجموعات الاجتماعية، حيث يرى الخبيران الاقتصاديان بيير كاهوك ويان آلجان بأن الجمع بين المنح المركزي لـ”المكانة” الاجتماعية و”الحقوق” الاجتماعية في سياق الشركاتية القوية (هيمنة المصالح الخاصة غالبا) أدى إلى ظهور مجتمع يسوده “التحدي” و”انعدام الثقة”. وهذا يفسر العدد الكبير للأشخاص العاجزين عن القيام بأي نوع فعلي من الحوار، وذلك علىا لرغم منالشغف الفرنسي بمصطلح “الحوار الاجتماعي”، إذ لا يمكنهم الحديث في ما بينهم “أفقيا”، أي: كما يحدث بين الجيران، كما إنهم يعجزون عن ذلك في ما بين المجموعات المهنية، وذلك لأنهم اعتادوا الحديث بشكل مباشر إلى الحكومة. إن استقطاب العلاقات الاجتماعية من قبل الحكومة، “الأمير”، قد أدى إلى تدمير الآليات الديناميكية الداخلية للتعاون في المجتمع المدني.

والأزمة الناشبة في كورسيكا مثال جيد لما ذكرناه، فالمستثمرون الرياديون والمزارعون المحليون المحبطون بسبب عواقب إضراب شركة (SCNM) نظموا اجتماعا للاحتجاج على هذا الإضراب، لكنهم عقدوا هذا الاحتجاج أمام مكاتب الحكومة المحلية.

وإذا أخذنا بالحسبان الوضع المالي الراهن في فرنسا، فلا بد من إجماع قائم على النقاش من أجل تطبيق الإصلاحات ذات الأهمية الملحة، لكن النموذج الاجتماعي الفرنسي خلق المجموعات المصلحية المستفيدة من الوضع الراهن والتي تقف في وجه إصلاحه، فمن المؤكد أننا سنشهد المزيد من الإضرابات بسبب الأزمة التي تضرب أطنابها في قطاع التمويل العمومي والحاجة إلى إجراء المزيد من الاقتطاعات في هذا التمويل.

إن الأسواق الحرة القائمة على حكم القانون تعلمنا كيفية التعاون من خلال التعاقد والمسؤولية وتسوية النزاعات بشكل سلمي، أما الضوابط الحكومية الناظمة للعلاقات الاجتماعية والعملية، وبالخصوص من خلال منح المكانات التمييزية، فإنها تخلق النزاع وإساءة استخدام السلطة، ولذلك فإن فرنسا قد تكون بحاجة إلى إصلاح سريع لنموذجها “اللااجتماعي”.

 * مدير المعهد الأوروبي للدراسات الاقتصادية، ومحلل في مؤسسة أطلس للبحوث الاقتصادية.

منبر الحرية، 4 يوليوز/تموز 2015

PAGE

PAGE  3

                               © مشروع منبر الحرية      

(Visited 127 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟