بعيدا عن الأناركيا قريبا من الليبرتارية

♦ مصطفى أيت خرواش    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 4.0/5 (1 vote cast)

لم تكن الأناركيا – التي لا تعني الفوضوية أو العبثية كما ترجمها المترجمون العرب – مجرد حركة سياسية معارضة لمفهوم الدولة والسلطة المطلقة، ولا مجرد اتجاه أدبي وفني نقدي الذي يقطع مع الأنساق التقليدية للإبداع الأدبي، بل هي كما نظَّر لها الأناركي الأول “حوزيف برودون” في منتصف القرن التاسع عشر، فلسفة سياسية وأدبية مكتملة. هذه هي الرؤية التي يروج لها المدافعون عن الإرث الأدبي والفكري للأناركيا، والذين يرون أن هذه الأخيرة تعرَّضت لكثير من الحيف وسوء الفهم بل والتهميش أيضا. فلقد بدأت الأناركيا – كما يؤكد المؤرخ الأناركي “دايفيد كودواي” – كحركة أدبية حداثية تقدس الحرية المطلقة والخصوصيات الفردية والاجتماعية وتقطع مع الأنساق والطابوهات، والتي تؤمن بأن الفنون من لها وحدها القدرة على تحقيق الإصلاحات السياسية والإجتماعية. وتطورت الأناركيا خصوصا في فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، حيث كان المفكرون والأدباء والفنانون المهتمون بقضايا الحرية ينتهي بهم المطاف إلى اعتناق الأناركيا كنوع من الانتماء الحداثي الثوري. وتقاطعت حركة الأناركيين الأدبية مع الحركة السوريالية التي تأسست كحركة سياسية وفنية في فرنسا إبان الحرب العالمية الأولى على يد السوريالي المنظر “اندري بريتون” والذي انضم فيما بعد للأناركيا وقال قولته الشهيرة : إنه في المراَة السوداء للأناركية تعرفت السوريالية على نفسها. وغالبا ما يتم الخلط بين الأناركيا والعبثية للدلالة على الاتجاه الفوضوي للأناركية، فيما هو في الحقيقة أن العبثية فلسفة وجودية تقوم على فكرة البحث عن المعنى في لا معنى العالم، وهذا البحث له ثلاثة حلول كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الأب “كيكرجارد” : إما الانتحار أو الإيمان بدين معين أو العيش في العبث.    

لكن الأناركيا وهي تتحول إلى أيديولوجيا سياسية خصوصا إبان التجربة السوفياتية وصعود المد الاشتراكي الراديكالي في بقاع واسعة من العالم، تحوّلت إلى أيديولوجيا يسارية راديكالية تدعو للثورة ضد استبداد السلطة وقيم الرأسمالية معا، فيما تحول الأناركيون الأمريكيون المدافعون عن قيم الحرية واقتصاد السوق المفتوح إلى الليبرتالية وحدث حدُّ شاسع بين الإتجاهين. ففيما كانت الأناركيا غارقة في أوتوبيا الصراع الطبقي بين طبقة الأثرياء والفقراء وبين سلطة الدولة المطلقة وحرية الأفراد المطلقة، وإيمانها بعدم ضرورة وجود جهاز الدولة الذي تعتبره جهاز استعباد وبالتالي دعوتها لإلغاء النظام والعودة للحكم الطبيعي الذاتي والتطوعي وفي رفضها لقيم الرأسمالية، فإن الليبرتارية بالمقابل تنحو منحى تحرريا من سلطتي الدولة والمجتمع معا. فالليبرتارية كما يقدمها لنا ” دايفيد بواز” صاحب كتاب “الليبرتارية” لها جدور قديمة في الحضارات العريقة، لكنها توضحت معالمها في القرنيين السابع والثامن عشر في أعمال كل من جون لوك ودايفيد هيوم وأدم سميت وتوماس جيفرسون وتوماس بين. وترتكز الليبرتارية على مجموعة قيم ومبادئ أخلاقية وسياسية واقتصادية وفلسفية متكاملة ومن أهمها: أولا: الفردانية والحقوق الفردية، فالليبرتارية تمجد كرامة الفرد وحريته ومصلحته وحقوقه الخاصة بمعزل عن انتماءاته السياسية والدينية والثقافية، وهذه الحقوق لا تمنحها الدولة ولا المجتمع ولكنها متجذرة في الطبيعة البشرية للإنسان. ثانيا: النظام التلقائي، والذي يُعتبر ضروريا للأفراد كي يعيشوا داخل المجتمع والذي لا تفرضه السلطة، بل هو نظام تلقائي يترابط فيه الأفراد من أجل تحقيق مصالحهم وأهدافهم، ومفهوم المجتمع المدني هو مفهوم ليبرتاري يقوم على أساس التنظيم التلقائي للأفراد في شكل تجمعات حرة ومفتوحة والتي تُعنى بتحقيق الأهداف المشتركة. ثالثا، حكم القانون، والذي يعني أن الأفراد ينشدون العيش تحت مجتمع الحرية الذي يحميه القانون والذي يضمن لهم حرياتهم ويقدسها من دون انتهاك لحريات الغير، وليس ذلك القانون الذي يفرض عليهم العيش تحت حكم الأغلبية الضاغطة أو المستبدة. رابعا: الحكومة المحدودة، وتعتبر أحد أهم ركائز الليبرتارية التي تؤمن بأن الأفراد يلجؤون لتشكيل الحكومات فقط لأنهم مضطرون لذلك من أجل الحفاظ على حقوقهم وممتلكاتهم. لكنها تصير خطيرة على الأفراد وتتحول إلى مفسدة مطلقة عندما تتحول إلى سلطة مطلقة كما ذكر لنا اللورد أكتون، لذلك وجب ضبطها بدستور شفاف يحد من تَغوُّل السلطة واستبدادها. خامسا، الأسواق المفتوحة، فهي الضامنة لتحقيق رفاهية الأفراد الذين ينعمون بحق الملكية وتبادلها بطرق رضائية وتعاقدية، فالأسواق المفتوحة هي المرادفة اقتصاديا للحريات الفردية والضرورية لخلق الثروة وتبادلها، لكن الليبرتاريون يعتقدون أن الأفراد يصبحون أحرارا وأكثر رفاهية عندما تحدُّ الحكومات من تدخلها وتوجيهها للأسواق. سادسا: فضيلة العمل والإنتاج، فالليبرتارية بدأت في السبعينيات من القرن الماضي كحركة مناهضة للأنظمة الملكية والأرستقراطية التي تعيش على إنتاجات العمال والفلاحين عبر النهب والسلب وفرض أنظمة الضرائب. لذلك مجّد الليبرتاريون العمل والإنتاج ودعوا إلى إلغاء الضرائب والأنظمة التي تفرض توزيع الثروات على الأفراد والجماعات الذين لم يشاركوا في خلقها. سابعا: الانسجام الطبيعي للمصالح، ففي مجتمع عادل ومسالم، يحصل تناغم طبيعي بين المصالح الفردية عبر نظام السوق المفتوحة، الذي يوفر المنافسة الحرة ويحقق المصالح الذاتية الضرورية للحفاظ على سيرورة الإنتاج وخلق الثروة. لكنه فقط عندما تتدخل الدولة وتوجه الإقتصاد، تبدأ النزاعات بين الأفراد وتتكون اللوبيات السياسية والإقتصادية التي تتصارع من أجل الضفر بريع سياسي يضمن لها الربح السريع اقتصاديا. ثامنا: مبدأ السلم، فالليبرتاريون وعلى غرار الأناركيون، يؤمنون بأن العنف والحروب لا تعتبر اَلية للتغيير والتطور، بل بالعكس فالحروب تُدمر الإقتصادات وتغتال الحريات وتخرب المجتمعات وغالبا ما تستفيد منها الأنظمة المستبدة والسياسيون الفاسدون واللوبيات الإقتصادية وهذا ما حدث إبان ثورات الربيع العربي.

لقد كانت الأناركية واللليبرتارية إلى حد قريب تعني نفس الشيء، وبدأ التضييق في المعنى الأناركي ليخص ما يسمى بالليبرتاريين الاجتماعيين، بل تقاسمت الأناركية مبادئها حتى مع الفاشية والإشتراكية الراديكالية واليمين المتطرف وابتذلت قيم الأناركية الأدبية مما جعل بعض الأناركيين الجدد يحاولون تصحيح المسار الأناركي مجددا. لكن الليبرتارية سلكت مسارا اَخر تماما، فلقد ساعدت أفكار الحرية والمجتمعات المفتوحة والسوق الحرة والفردانية التي اَمن بها جيل من رواد الفلسفة والفكر ومارسها جيل آخر من الثوار السياسيين، إلى تغير عالم اليوم الذي أصبحت فيه المجتمعات أكثر رفاهية مما كانت عليه سابقا. بل شكلت أفكار الليبرتارية أحد أهم الركائز التي يقوم عليها الفكر السياسي الحديث ونظام الحكم الحديث، لكن طبعا تختلف درجة اللبرلة إن صح التعبير من دولة لدولة، تماما كما تختلف درجة الدمقرطة من دولة لأخرى وذلك حسب توجه الحكومات والظروف السياسية والاقتصادية حتى بدأت تتكون أنظمة واقعية تخلط بين قيم ومبادئ مختلفة وأحيانا متناقضة، وفي أحيان أخرى تحصل الردة التاريخية على أفكار الحرية والمجتمع المفتوح وقيم الفردانية وهي التجربة التي بدأت تلوح في الأفق خصوصا بعد طول مدة الأزمة المالية الحالية.

لكن الأناركيا وهي تتحول إلى أيديولوجيا سياسية خصوصا إبان التجربة السوفياتية وصعود المد الاشتراكي الراديكالي في بقاع واسعة من العالم، تحوّلت إلى أيديولوجيا يسارية راديكالية تدعو للثورة ضد استبداد السلطة وقيم الرأسمالية معا، فيما تحول الأناركيون الأمريكيون المدافعون عن قيم الحرية واقتصاد السوق المفتوح إلى الليبرتالية وحدث حدُّ شاسع بين الاتجاهين. ففيما كانت الأناركيا غارقة في أوتوبيا الصراع الطبقي بين طبقة الأثرياء والفقراء وبين سلطة الدولة المطلقة وحرية الأفراد المطلقة، وإيمانها بعدم ضرورة وجود جهاز الدولة الذي تعتبره جهاز استعباد وبالتالي دعوتها لإلغاء النظام والعودة للحكم الطبيعي الذاتي والتطوعي وفي رفضها لقيم الرأسمالية، فإن الليبرتارية بالمقابل تنحو منحى تحرريا من سلطتي الدولة والمجتمع معا. فالليبرتارية كما يقدمها لنا ” دايفيد بواز” صاحب كتاب “الليبرتارية” لها جذور قديمة في الحضارات العريقة، لكنها توضحت معالمها في القرنيين السابع والثامن عشر في أعمال كل من جون لوك ودايفيد هيوم وأدم سميت وتوماس جيفرسون وتوماس بين. وترتكز الليبرتارية على مجموعة قيم ومبادئ أخلاقية وسياسية واقتصادية وفلسفية متكاملة ومن أهمها: أولا: الفردانية والحقوق الفردية، فالليبرتارية تمجد كرامة الفرد وحريته ومصلحته وحقوقه الخاصة بمعزل عن انتماءاته السياسية والدينية والثقافية، وهذه الحقوق لا تضمنها الدولة ولا المجتمع ولكن هي متجذرة في الطبيعة البشرية للإنسان. ثانيا: النظام التلقائي، والذي يُعتبر ضروريا للأفراد كي يعيشوا داخل المجتمع والذي لا تفرضه السلطة، بل هو نظام تلقائي يترابط فيه الأفراد من أجل تحقيق مصالحهم وأهدافهم، ومفهوم المجتمع المدني هو مفهوم ليبرتاري يقوم على أساس التنظيم التلقائي للأفراد في شكل تجمعات حرة ومفتوحة والتي تُعنى بتحقيق الأهداف المشتركة. ثالثا، حكم القانون، والذي يعني أن الأفراد ينشدون العيش تحت مجتمع الحرية الذي يحميه القانون والذي يضمن لهم حرياتهم ويقدسها من دون انتهاك لحريات الغير، وليس ذلك القانون الذي يفرض عليهم العيش تحت حكم الأغلبية الضاغطة أو المستبدة. رابعا: الحكومة المحدودة، وتعتبر أحد أهم ركائز الليبرتارية التي تؤمن بأن الأفراد يلجؤون لتشكيل الحكومات فقط لأنهم مضطرون لذلك من أجل الحفاظ على حقوقهم وممتلكاتهم. لكنها تصير خطيرة على الأفراد وتتحول إلى مفسدة مطلقة عندما تتحول إلى سلطة مطلقة كما ذكر لنا اللورد أكتون، لذلك وجب ضبطها بدستور شفاف يحد من تَغوُّل السلطة واستبدادها. خامسا، الأسواق المفتوحة، فهي الضامنة لتحقيق رفاهية الأفراد الذين ينعمون بحق الملكية وتبادلها بطرق رضائية وتعاقدية، فالأسواق المفتوحة هي المرادفة اقتصاديا للحريات الفردية والضرورية لخلق الثروة وتبادلها، لكن الليبرتاريون يعتقدون أن الأفراد يصبحون أحرارا وأكثر رفاهية عندما تحدُّ الحكومات من تدخلها وتوجيهها للأسواق. سادسا: فضيلة العمل والإنتاج، فالليبرتارية بدأت في السبعينيات من القرن الماضي كحركة مناهضة للأنظمة الملكية والأرستقراطية التي تعيش على إنتاجات العمال والفلاحين عبر النهب والسلب وفرض أنظمة الضرائب. لذلك مجّد الليبرتاريون العمل والإنتاج ودعوا إلى إلغاء الضرائب والأنظمة التي تفرض توزيع الثروات على الأفراد والجماعات الذين لم يشاركوا في خلقها. سابعا: الانسجام الطبيعي للمصالح، ففي مجتمع عادل ومسالم، يحصل تناغم طبيعي بين المصالح الفردية عبر نظام السوق المفتوحة، الذي يوفر المنافسة الحرة ويحقق المصالح الذاتية الضرورية للحفاظ على سيرورة الإنتاج وخلق الثروة. لكنه فقط عندما تتدخل الدولة وتوجه الاقتصاد، تبدأ النزاعات بين الأفراد وتتكون اللوبيات السياسية والاقتصادية التي تتصارع من أجل الضفر بريع سياسي يضمن لها الربح السريع اقتصاديا. ثامنا: مبدأ السلم، فالليبرتاريون وعلى غرار الأناركيون، يؤمنون بأن العنف والحروب لا تعتبر ألية للتغيير والتطور، بل بالعكس فالحروب تُدمر الاقتصادات وتغتال الحريات وتخرب المجتمعات وغالبا ما تستفيد منها الأنظمة المستبدة والسياسيون الفاسدون واللوبيات الاقتصادية وهذا ما حدث إبان ثورات الربيع العربي.

لقد كانت الأناركية واللليبرتارية إلى حد قريب تعني نفس الشيء، وبدأ التضييق في المعنى الأناركي ليخص ما يسمى بالليبرتاريين الاجتماعيين، بل تقاسمت الأناركية مبادئها حتى مع الفاشية والاشتراكية الراديكالية واليمين المتطرف وابتذلت قيم الأناركية الأدبية مما جعل بعض الأناركيين الجدد يحاولون تصحيح المسار الأناركي مجددا. لكن الليبرتارية سلكت مسارا آخر تماما، فلقد ساعدت أفكار الحرية والمجتمعات المفتوحة والسوق الحرة والفردانية التي أمن بها جيل من رواد الفلسفة والفكر ومارسها جيل اَخر من الثوار السياسيون، إلى تغير عالم اليوم الذي أصبحت فيه المجتمعات أكثر رفاهية مما كانت عليه سابقا. بل شكلت أفكار الليبرتارية أحد أهم الركائز التي يقوم عليها الفكر السياسي الحديث ونظام الحكم الحديث، لكن طبعا تختلف درجة اللبرلة إن صح التعبير من دولة لدولة، تماما كما تختلف درجة الدمقرطة من دولة لأخرى وذلك حسب توجه الحكومات والظروف السياسية والاقتصادية حتى بدأت تتكون أنظمة واقعية تخلط بين قيم ومبادئ مختلفة وأحيانا متناقضة، وفي أحيان أخرى تحصل الردة التاريخية على أفكار الحرية والمجتمع المفتوح وقيم الفردانية وهي التجربة التي بدأت تلوح في الأفق خصوصا بعد طول مدة الأزمة المالية الحالية.

*  باحث من المغرب.

منبر الحرية، 25 يونيو/حزيران 2015

 

WWW.MINBARALHURRIYYA.ORG                                © مشروع منبر الحرية      

بعيدا عن الأناركيا قريبا من الليبرتارية, 4.0 out of 5 based on 1 rating
(Visited 241 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟