عن استعادة حماس علاقتها مع إيران

♦ عياد البطنيجي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

يجادل بعض المحللين بأن حماس ستغامر بصورتها ومصداقيتها وعمقها العربي والإسلامي، إن هي استعادة علاقتها مع إيران من جهة، “وتورطت في مدِّ اليد من جديد إلى النظام السوري، قبل أن يحسم السوريون أمرهم حول مستقبل ثورتهم”، من جهة ثانية. ومن المحللين ما يرى أن ثمة ردود فعل متوقعة من النظام الإقليمي العربي على مغازلة أبو عبيدة إيران حين قدم الشكر لها (كانت الحركة في السابق تتمنع عن تقديم الشكر لإيران) على دعمها حركته بالمال والسلاح والصواريخ وبأمور أخرى لم يذكرها، تتراوح هذه الردود بين معاقبة الحركة، أو إعادة دمجها في الإقليم.

من المؤكد أن حماس واقعة في حيص بيص: إن هي استعادة علاقتها بإيران فلن يرضى عنها العرب، لأنه كيف لها أن تستعيد هذه العلاقة في ظل ما تفعله إيران في البلدان العربية: سورية والعراق، واليمن والإمارات والبحرين وغيرها من الدول. وعليه، إما قد تحارب الدول الإقليمية حماس على ذلك لتأديبها، أو أن تفتح حواراً معها لجهة رفع الحصار عنها، وتقديم المال لها كي لا تستعيد علاقتها بإيران، وبالتالي ردها إلى البيت العربي.

على أي حال، حماس مخطئة في منهج علاقاتها الإقليمية والدولية أي في رؤيتها لعلاقة المقاومة والتحرير بالدول الإقليمية وبمنطق الدولة ذاته. فالانخراط في لعبة التوازنات والسياسات الإقليمية هي بحكم طبيعتها لن تكون حاملة للمشروع الكفاحي الفلسطيني، بل تمثل قيداً عليه، لأنه ببساطة أن الدول الإقليمية محكومة بنظام دولي من جهة ومحكومة باعتبارات مفهوم الدولة القومية نفسه من جهة ثانية. وهذا ما يجعلها دول محافظة ضد التغيير في المنطقة وبخاصة التغيير الذي يجيء على يد حركات المقاومة والحركات الثورية التي تريد الانقلاب على الترتيبات السياسية المهيمنة في المنطقة.

وهذا خطأ تقع فيه حركات المقاومة الفلسطينية كافة. وعلى سبيل المثال ما قامت به حركات المقاومة من التفاوض من خلال الدولة المصرية على تسوية مع إسرائيل أثناء الحروب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة، يعكس فقراً في وعي  أنظمة الهيمنة الإقليمية وإدراك حقيقتها السياسية. إذ إن المشكلة هنا في الدولة القطرية ذاتها المحكومة بترتيبات سياسية وقواعد لا تستطيع أن تحيد عنها أي قواعد النظام الدولي وأعرافه التي تهدف في نهاية المضاف إلى المحافظة على النظام الدولي وأنظمته الفرعية (الإقليمية المشتقة منه بالضرورة). ومنذ اتفاقية كامب ديفيد تموضعت الدولة المصرية داخل أفق سياسي محافظ، وهذا ما يفسر من الناحية البنيوية، بصرف النظر عن النوايا، أن تقف مصر على الضد من كل الحركات الثورية الساعية إلى قلب الترتيبات السياسية في المنطقة. والمعنى أن المقاومة ستحدد خياراتها وفق منطق هذه الدولة، فكيف لقوى المقاومة الساعية إلى التغيير أن تجعل القوى المحافظة التي تقف ضد التغيير شريكة معها ورافعه لها في مقارعة دولة إسرائيل الاستعمارية المتعاقدة معها على اتفاقيات سلام والمعترفة بوجودها؟! وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن حركات المقاومة الفلسطينية تفتقر إلى الفهم النقدي والشمولي لأنظمة الهيمنة وهياكل القمع والاضطهاد، وتفتقر إلى وعي تحرري يرمي إلى تحويل هياكل الهيمنة وهدمها وتبديلها. وعليه لا مراء أن حركات المقاومة تعمل من داخل علاقات القوة الإقليمية ذاتها وليس من خارجها، فباعتمادها على الدول الإقليمية لتصريف شؤونها، لن تستطيع أن تحُدث اختراقات حقيقية في البنية السياسية التسلطية لمصلحة مشروع المقاومة، بل كل ما هنالك هو مجرد هامش تغيير محدود وضيق الأفق لا يمكن الرهان عليه في تشكيل رافعة دولانية إقليمية لمشروع الكفاح (النضال الفلسطيني).

من الأجدر لحركات المقاومة الفلسطينية ألا تنخرط في لعبة السياسة الإقليمية، بل أن تخلق لها موقعاً منفصلاً عن دائرة النفوذ الإقليمي ويكون متحرراً من لعبة التوازنات الإقليمية التي تريد تحجيم مشروع المقاومة في فلسطين. أما الدخول في منطق التحالفات والتوازنات الإقليمية سيؤدي  إلى تقليص أو خسارة المجال المحلي والاستقلال الذاتي لحركات المقاومة.

إن الحفاظ على فعالية المقاومة يسترعي بناء مجال مستقل ومتحرر من القوى المسيطرة الإقليمية والدولية التي يحكمها منطق حساب سياسي مختلف عن منطق المقاومة بل نقيضه، والقطع مع علاقات الإخضاع الإقليمية التي فرضتها تلك النظم، إن تموقعها داخل الترتيبات السياسية الإقليمية يؤدي إلى احتوائها وتدجينها.

  من هنا يتوجب على حركات المقاومة أن تعيد منطق تعاملها مع العلاقات السياسية الدولية والإقليمية في تعاطيها مع شأن المقاومة، من منطلقات ترمي في نهاية الأمر إلى خدمة فعالية المقاومة لا جعل المقاومة أداة في يد هذه النظم الإقليمية. فمن يريد أن يدعم المقاومة فعلى الرحب والسعة دون رهنها بتبني مواقف الدولة الداعمة. لذا ينبغي أن تكون المقاومة هي المحور والأصل الذي تتركب عليه السياسيات والمواقف، وليس أداة تستخدم في لعبة السياسة الإقليمية.

تكرر حركة حماس أخطاءها، وهي بالمناسبة أخطاء قريبة من حيث زمنها. فهي تخلت عن تحالفها مع إيران وسورية وراهنت على نظام مرسي في مصر الذي سقط بشكل سريع (وهذا خطأ في منطق الحساب السياسي لحماس الذي له تداعياته على تدبير شأن المقاومة) وهي تعيد الآن ترميم تحالفاتها القديمة مع إيران وسورية بعد فشل رهانها ذاك، وهي إن أرضت إيران فإنها لن ترضي المناوئين من العرب للنظام الإيراني.

وعليه، على حماس، وكذلك حركات المقاومة كافة التي ينبغي أن تتعلم الدرس، أن تعيد النظر في منهج إدارة علاقاتها السياسية، وأن تتخلى عن الدخول في معمعان المحاور الإقليمية وألاعيبها السياسة التي هي في النهاية سياسات ترمي إلى تحقيق المصالح القومية لتلك الدول، والتي ستحول حماس من جماعة مقاومة تمتلك زمام أمورها إلى جماعة مفتعل بها، ألعوبة في يد هذا النظام أو ذاك.

نعم حماس تعيش لحظة معنوية جد صعبة بعد انغلاق الإقليم أمامها، وخسارتها لسورية وإيران وفيما بعد مصر، ومحاولات تخويفها من حرب قادمة وظيفتها اجتثاثها من المنطقة، كل ذلك  يضع حماس في حالة نفسية ومعنوية شديدة التعقيد وشديدة الاضطراب، وهذا بالطبع يسهل من عملية اختراقها أو ستكون أكثر قابلية للاختراق الإقليمي والدولي (قد يكون قرار المحكمة العدل الأوروبية القاضي برفع حماس من قائمة الإرهاب يشكل توطئة لهذا الاختراق)؛ لأن هذا الظرف هو أفضل وقت لانتزاع مواقف سياسية من حماس، وبالتالي ترويضها وإدخالها بيت الطاعة. ولكن في المقابل عليها أن تستوعب الدرس لجهة تأسيس منهج جديد، ومنطق سياسي مختلف، حتى تخرج من مأزقها والتخلص من انحشارها في الزاوية، لا أن تكرر المكرر.

* كاتب من فلسطين

منبر الحرية، 13 أبريل/نيسان 2015

(Visited 199 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟