كندا تمضي في مسيرتها الاقتصادية الناجحة رغم الصعوبات

♦ جانيت نيلسون    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

ترجمة: علي الحارس

درجت العادة في حقبة سابقة أن تكون كندا مثارا للسخرية والنكات عندما يتعلق الأمر بالحرية الاقتصادية، بل إن مقالة نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال في منتصف التسعينيات الماضية أعلنت هذا البلد باعتباره “عضوا فخريا في العالم الثالث” بسبب خروج الاقتراض والإنفاق الحكومي عن السيطرة. أما في الحين الراهن فإن كندا تتبوأ المرتبة الأولى في الأداء الاقتصادي على مستوى الدول الثماني الكبار (G8)، وعلى الرغم من أن حوكمتها المالية عانت تحت وطأة الأزمة المالية التي ضربت العالم في العام 2008، فإن كندا ليست مصابة بمشكلات عصية على الحل تشابه ما تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

بلغ الدين الفيدرالي الكندي في أوائل التسعينيات الماضية حوالي (70%) من إجمالي الناتج الوطني، وكانت تكاليف الفائدة لخدمة هذا الدين الجامح تشكل حوالي ثلث العائدات الفيدرالية وأكثر من ربع النفقات الفيدرالية، ولم يكن من الممكن الاستمرار بتوفير نفقات المعاشات التقاعدية بسبب زيادة عدد السكان المسنين، ولم تستطع الحكومة المحافظية التقدمية في حقبة ثاتشر وريغان أن تفعل إلا القليل بكبح جماح الإنفاق، وكادت تفقد جميع مقاعدها في البرلمان عندما تسلم السلطة الحزب الليبرالي (يسار الوسط) بقيادة جان كريتيان في العام 1993.

ما الذي تغير حينها؟

تغيرت حينها الأفكار السائدة، فعندما أحدقت الأزمة بالبلد وبدأت وكالات تصنيف الدين تعيد تقييم تصنيف كندا، أخذت تظهر ثمار الجهود التي بذلتها مراكز الأبحاث وكبار المستثمرين الذين دفعوا باتجاه إدارة مالية أكثر متانة، وفقدت المعارك السياسية أهميتها. وعلى الرغم من أن كريتيان كان ديمقراطيا اشتراكيا، فإن أي حزب يرغب بالاستمرار في السلطة كان لا بد له من السير في طريق الإصلاحات.

وبين العامين 1993 و2013 كان الإنفاق الفيدرالي الكندي ينخفض كل عام، وحدثت أكثر التغييرات دراماتيكية من خلال إقرار الميزانية الفيدرالية للعام 1995 على يد وزير المالية بول مارتين، والتي اقتطعت (9.7%) من برنامج الإنفاق الفيدرالي (متجاوزة الهدف المرسوم البالغ 8.8%)، مما أدى إلى تخفيض عدد العاملين في الأجهزة الحكومية الفيدرالية بمقدار (14%) والتخلص من (40%) من الوزارات خلال عامين. وهي إجراءات لم تكن مجرد اقتطاعات في نمو محتمل للإنفاق، وإنما كانت تخفيضات حقيقية في حجم الحكومة.

كما خضعت كل البرامج الحكومية إلى “المراجعة” دون استثناء، وهو إجراء كان يستوجب التحقق مما إذا كانت الحكومة الفيدرالية ينبغي عليها أداء العمل الذي يضطلع به أي من البرامج الحكومية، وذلك بالإضافة إلى تحري الكفاءة والفعالية التي يجري بها أداء هذا العمل، فكان على الوزارات أن تصنف أداء وكالاتها وفقا للمعايير الآتية:

1. خدمة المصلحة العمومية.

2. مدى ضرورة التدخل الحكومي.

3. الدور الفيدرالي المناسب.

4. إمكانية الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص.

5. إمكانية زيادة الكفاءة.

6. القدرة على الإيفاء بتكاليف العمل.

وبالإضافة إلى هذه الإصلاحات، جرى الانتقال إلى اللامركزية في إدارة بعض البرامج من خلال إيكال أمرها إلى الأقاليم. كما جرى إصلاح منظومة المعاشات الفيدرالية الكندية على نحو يجعلها ممولة بالكامل.

وكانت النتيجة أن الاقتصاد نما مع تقلص الحكومة الذي أتاح المجال للتنمية، فنمت العائدات وهذا بدوره سمح بإدخال اقتطاعات في الضرائب، مما أتاح التوسع في النمو الاقتصادي، وقد عبر برايان لي كراولي، الخبير في معهد ماكدونالد لورييه، عن هذا المشهد بأنه “حلقة فاضلة لذيذة”.

وتتفوق كندا على جارتها الجنوبية، الولايات المتحدة، بأنها أكثر انفتاحا على العالم، فهي تستقبل كل عام من المهاجرين الكفوئين عددا ينوف على عدد نظرائهم الذين تستقبلهم الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من أن كندا يقل عددها كثيرا عن عدد سكان جارتها الجنوبية، كما إنها لا تقيد هؤلاء المهاجرين بالعمل في وظائف محددة، ولا تجد فيها أي حزب من الأحزاب الرئيسية يعارض الهجرة.

وقد استطاعت المنظومة المصرفية الكندية أن تحافظ طوال ستة أعوام على تصنيفها كأمتن منظومة مصرفية في العالم، ولم ينتج ذلك لأن الضوابط أكثر محافظية في كندا، وإنما لأن المصارف سمح لها بالعمل على النحو الذي تعتبره هي أكثر حذرا وحكمة، وتكرر ما حصل في حقبة (الكساد العظيم) في الثلاثينيات، إذ لم تعان المنظومة المصرفية الكندية من أية إخفاقات خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة.

لكن التحديات لا تزال شاخصة أمام كندا، فقد نما حجم الخدمات العمومية الفيدرالية نموا هائلا في عهد الحكومة المحافظية لرئيس الوزراء ستيفين هاربر، وتعرضت عدة قرارات للاستثمارات الأجنبية إلى الإيقاف، ولا يزال الدعم مستمرا لقيود التجارة الزراعية ذات الأهمية السياسية. وعلى الرغم من استطلاعات الرأي التي تشير إلى استمرار معارضة الكنديين لعجز الموازنة فقد عمدت الحكومة إلى إقرار حزمة تحفيزية بعنوان “خطة العمل الاقتصادية الكندية” والتي عادت بالبلاد إلى زمان أزمات العجز المتتالية لتستمر حتى يومنا هذا. ويضاف إلى ما سبق أن حكومات الأقاليم تعاني أيضا من مشكلاتها الخاصة بها.

وعلى الرغم من الجهود الجهيدة التي تبذلها النخبة السياسية المحافظية لتهدئة أنصار الحكومة الصغيرة الذين يتهمون الحكومة بالإنفاق الطائش، فإن الكنديين لا يبدون استعدادا للقبول بعجز الموازنة دون أي خطة لتوازن الموازنة، وهنالك سير متثاقل، ولكنه ثابت، تجاه توازن الموازنة وإن كانت هذه الحركة تبدو بطيئة ومتحفظة عند مقارنتها بالإصلاحات التي حدثت في حقبة حكومة كريتيان الليبرالية. إن كندا مستمرة في أدائها الاقتصادي الجيد، وقد وصل إنفاقها على الرعاية الاجتماعية (كنسبة من إجمالي الناتج الوطني) إلى معدلات تقترب من أدناها في العالم المتقدم، وهي تتمتع بمنظومة مصرفية مستقرة، وعلى الرغم من نمو حجم الحكومة (كنسبة من إجمالي الناتج الوطني) فإن حجمها يظل قريبا مما كان عليه في عشرينيات القرن الماضي.

إن معركة تقييد الحكومة ليست معركة سياسية، وإنما هي معركة أفكار، وإن الانتصارات السابقة التي أحرزتها كندا في هذه المعركة تقدم دروسا وعبرا ستستفيد منها في المستقبل كل دول العالم.

* مديرة معهد الدراسات الليبرالية من كندا.

منبر الحرية، 27 مارس/آذار 2015

(Visited 324 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟