هل محاكمة رؤساء مصر تعقلن حكم القانون في المجتمع ؟

♦ عزمي عاشور    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

أثار الحكم ببراءة الرئيس المصري السابق حسنى مبارك في عدد من التهم التي وجهت إليه عقب ثورة 25 يناير الكثير من الجدل داخل المجتمع المصري ما بين معارض للحكم وما بين مرحب به .فوسط الأوساط الثورية الحكم كان صادما لهم ،لان هناك من خيرة شباب مصر من دفع أرواحهم في سبيل إتمام وإنجاح ثورتهم، أما الذين فرحوا بالحكم هم فئة كانت رافضة للثورة وتعاطفت مع الرئيس مبارك حتى وهو في محنته في السجن وهى ليست بالقليلة في المجتمع المصري كما ظهر في مراحل التفاعل التي أعقبت سقوط نظامه.. فمابين الطرفين ظهرت الكثير من الحقائق والفوائد أبرزها أن المجتمع المصري مجتمعا مركبا، ولا تعبر بروز أي ظاهرة على سطحه عن مكنون تركيبته، فيصعب الوصول إلى غوره من وجهة نظر فصيل سياسي أو تيار ثوري،  كما يصدم من يظن انه امتلك مفاتيحه وسيطر عليه، فانخدع مبارك ونظامه في هذا التركيب العجيب عندما ثاروا عليه وأسقطوه، و بنفس المنطق ظن الإخوان أنهم جاؤا للحكم بالانتخابات  متناسيين أنهم كسبوها في مباراة  شبه متساوية مع مرشح نظام ما قبل الثورة احمد شفيق رمز مرحلة مبارك، هذا في حد ذاته  كان أول المؤشرات على  هذا التركيب لهذا المجتمع العجيب الذي في معظمه على الرغم من الثورة مال بمجرد وصول الإخوان للحكم النظام القديم لتماديهم وظنهم انه بالتعبئة وبسياسة الحشد في الميادين يستطيعون أن يستعبدونهم، وبمجرد أن استعان مرسي بجماعته بهذا لشكل التعبوي المستفز لمشاعر المصريين إلا وظهرت طبقة أخرى من أرضية المجتمع لم تكن ظهرت في الموجات الأولى للثورة لتقف ضد الإخوان وتكون سبب مباشر في إسقاطهم ..وما يلفت النظر أن هذه التركيبة المتنوعة في المجتمع المصري ليست على هوى أحد، وليست ملك للفئات الثورية التي توقفت بأفكارها عند الثمانية  عشر يوم فقط لثورة يناير, ولا حتى ولا ملك للإسلاميين الذين يعتقدون بأيديولوجياتهم أنهم مبعوثون من قبل العناية الالاهية ليخضعوا كل المجتمع  لسطحية أفكارهم، فمرآة المجتمع المصري على مدار الأربع السنوات الماضية  أبرزت هذه  الطبقات الراكدة التي تحتل الطبقة الوسطى المصرية جزء كبير منها  بمقارنتها بطبقة الحراك الثوري، لكونها مرتبطة بعوامل استقرار على عكس الفئات الثورية من الشباب والفئات العاملة التي ثارت نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية .. وبرغم كل ذلك استطاعت هذه الطبقات أن تمتص على مدار السنوات الأربع الماضية ثورتي 25 يناير 30 يونيو بتوابعهما من حالتي عدم الاستقرار الاقتصادي وزيادة العنف والإرهاب. وفى ضوء ذلك جاءت محاكمة رؤساء مصر السابقين  مبارك ومرسى مكسبا كبيرا لها ولعقلنة الثورة المصرية، أن يتم محاكمة رئيسين سابقين أمام قضاء طبيعي أمر غير مسبوق ومألوف في مجتمعات لم تألف وجودهم في هذا الوضع لان غيابهم من سلطتهم كان مرتبط بالموت أو الاغتيالات..الخ ..والسؤال هل الحكم على الرئيس  السابق مبارك بالبراءة فيه جور على العدالة أم انه انتصار لها ؟

حُكم الرئيس مبارك استمر أكثر من 30 سنة بكل ايجابياته وسلبياته التي أدت إلى الثورة التي كان من أهم نتائجها الايجابية محاكمته حول عدد من التهم التي وجهت إليه ، بينها قضية قتل المتظاهرين، وعلى ضوء ذلك وضع في السجن لمدة ثلاثة سنوات وتمت محاكمته على مدار 65 جلسة في هذه المدة ..وجاء القرار النهائي للقضاء الذي حكم ببراءته  لعدم وجود ما يثبت انه حرّض أو أمر بقتل المتظاهرين على عكس جزء من الرأي العام الذي كان يرى انه يستحق الإعدام أو المؤبد..  والسؤال هل القاضي هنا ينتصر للعدالة بتأثره بالرأي العام ومقولاته أم  بإقامته الحجة والبرهان وإتباع الإجراءات القضائية في المحاكمة حتى لو أن هذه الإجراءات والحجة في باطنها يحمل الظلم والتجني على صاحب الحق.. القاعدة العامة أن لب العدالة هو إقامة الحجة والبرهان على أي واقعة … فالقاتل الذي لا يوجد بالفعل ما يثبت انه قتل سوف يكون من التجني على العدالة أن يحكم عليه بأنه قتل وفقا لانطباع وبدون دليل …وهذا هو جوهر  محاكمة القرن التي كان متهم فيها الرئيس السابق مبارك انه بالفعل ضمنيا مسئول عن كثير من الكوارث التي حدثت منها عمليات القتل للمتظاهرين ولكن القاضي حتى ينتصر للعدالة مطالب  بإيجاد ما يثبت ذلك ..وهو ما لم يجد من خلال قراءة حيثيات الحكم التي نشرت في الصحف المصرية عقب الحكم  …هنا قد يكون السبب في النيابة العامة التي لم تتحرى الدقة في دعواها بتوثيقها بالأدلة والبراهين ..وقد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بعدم إظهار الأدلة إلا انه في ا لنهاية القاضي لا يحكم إلا بما أمامه  برغم الجزء الكبير من الرأي العام الذي سوف يصدمه الحكم… والأثر الايجابي الثاني يرتبط بعقلنة  فكرة القانون في المجتمع والبعد عن اخذ الناس بالشبهات وإقامة التهم بالدليل والبرهان وهي ثقافة تحتاج إلى التمرن والتعود عليها عقب هذه الأجواء الثورية التي تختلط فيها الحقائق بالأكاذيب ..فالموضوع ليس أن مبارك تسبب في قتل المتظاهرين وسوف يأخذ براءة  وبعض الثوار الآن في السجن وإنما في كيفية ترسيخ المبدأ العام للعدالة القائم على إصدار الأحكام بناء على وجود الأدلة والبراهين .. فالانتصار للقاعدة هو خير ضمان من إتباع الاستثناء حتى لو كان الاستثناء قد يظلم بعض الأبرياء ….وهذه العملية الإجرائية قد  مرت بها هذه المحاكمات هي مكسب حقيقي، فلو كان حدث مثل الذي حدث للقذافي مع كل من مبارك ومرسي لدخلنا دوامة الغابة وليس حكم القانون والمؤسسات، وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الحكم ببراءته في عدد من القضايا, أصبح لدينا سابقة لم تحدث من قبل في مجتمعاتنا لمحاكمة رؤساء سابقين يمكن البناء عليها في محاكمة أي رئيس موجود أو قادم ..ومن اجل أن يستكمل هذا البناء يجب تعديل  واستحداث عدد من التشريعات التي ظهر غيابها خلل كبير في محاكمة مبارك، وهي التشريعات التي تدين الحاكم من الناحية السياسية، فجسد القانون المصري إذا كان له العذر في غياب مثل هذه القوانين المهمة لظرف غير المسبوقة لمحاكمة رئيس الدولة فان وجودها بات أمر ضروري لتكتمل المنظومة من الإدانة الجنائية إلى الإدانة السياسية..

*كاتب مصري

منبر الحرية، 7 يناير/كانون الثاني 2015

(Visited 197 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟