اللعبة القذرة

♦ مصطفى أيت خرواش    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

كانت ثورات الربيع الديمقراطي بالنسبة للأنظمة الاستبدادية العربية العريقة بمثابة كابوس رهيب، لم تعرف خلاله أعين المخابرات العربية الراحة أو النوم ولو لدقيقة، فالوقت ثمين هنا والقرارات والمخططات تطبخ في رمش الأعين. من كان يظن أن هذه الأنظمة العسكرية القوية ستنهار أمام الحشود السلمية بتلك الطريقة التي شهدناها بها؟ ومن كان يظن بالمثل أن هذه الأنظمة المنتهية الصلاحية سوف تنبعث من الرماد الكاحل وتنهض على أدرع الانقلابات والثورات المضادة؟ كل شيء أصبح ممكنا في هذه الرقعة التي أصبحت مسرح لجرائم الحروب وتصفية للحسابات الإقليمية والدولية ومرتع مافيات الأسلحة والدمار الشامل.

عندما خرج الرئيس الأمريكي السابق ” جورج بوش الإبن ” بذلك التصريح التاريخي عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، والذي صرّح من خلاله أن ” أمريكا مقبلة على معركة طويلة الأمد وأن على العالم اليوم إما أن يكون مع الإرهاب أو ضده، أي معنا أو ضدنا”. لم يكن هذا التصريح في الواقع مجرد فرقعة إعلامية أو لحظة غضب وطنية مشروعة، وإنما كان بداية مشروع استراتيجي غير محسوب العواقب. فالحرب التي شنَّتها بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى بتنظيم القاعدة الإرهابي في أفغانستان أو على حركة الطالبان باعتبارهما المنفذين لتلك الهجمات الإرهابية، لم تكن محصورة على معاقبة هذا التنظيم والقضاء عليه بعدما رعته وأغدقت عليه الأموال في وقت سابق، وإنما تشكيل نظام موازي يرعى المصالح المشتركة ويقاتل بالوكالة، وهذا ما وقع بالذات وسمي إخفاقا من لدن الرافضين للتدخل العسكري هناك.

إن الحرب على العراق والتي توضَّحت معالمها وأهدافها فيما بعد، خلقت واقعا سياسيا ومذهبيا جديدا في المنطقة وخلخلت التوازنات التقليدية بين دول الجوار، وساهمت في نشوب حروب أهلية وإقليمية منهِكة. أولا، لم تثبت أمريكا زعمها بامتلاك النظام العراقي للأسلحة النووية كما سوَّقت لذلك إعلاميا، وفقدت معه الشرعية الأخلاقية في علاقتها بمواطنيها وحلفائها خصوصا من الدول العربية الحليفة، هذا إن سلَّمنا أن الحرب لها شرعية أخلاقية وأن الأنظمة العربية لها أية شرعية أخلاقية. بل فقدت هذه الشرعية عندما خرقت مبادئ الشرعية الدولية ومقررات الأمم المتحدة وذهبت إلى الحرب وحيدة بدون أية مشروعية قانونية وبدون أي إجماع دولي. ثانيا، خرجت أمريكا من العراق بدون انجازات كبيرة ما عدا تدمير نظام صدام حسين الأفقي في حين بقي النظام البعثي القاعدي في حالة سكون حتى ظهر بقوة مع تنامي الثورات الشعبية ضد المالكي وحكومته التي وصفت بالطائفية واختبائه وراء عباءة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. ثم ثالثا، وبعد الخروج الأمريكي الذي فرضته ارتفاع تكلفة الحرب وتنامي المد الاحتجاجي ضد بقاء القوات الأمريكية في العراق ثم فوز الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسية، حيث سهَّلت هذه العملية دخول إيران على خط الصراع السياسي في العراق وتمكنها واقعيا من بسط نفوذها السياسي على طبيعة النظام والحكم السياسيين، ثم ارتهانها على حكومة المالكي الذي اعتمد على الإستراتيجية الطائفية في تبرير فشله وفي قمع معارضيه من القبائل والتيارات السنية وبقايا النظام البعثي ثم الثورات الشعبية ضده فيما بعد، والتي سوف تستغلها أطراف إقليمية عديدة لكي تدخل بورقة داعش على الخط.

تكمن قوة التاريخ في تراكميته وفي ترابط أحداثه وإمكانية الربط بين كل الحيثيات والأحداث القريبة والبعيدة معا لكي تنتج لنا واقعا اَنيا ومستقبلا يختلف تشكيله حسب تشابك الوقائع والأحداث. لذلك فإن ما وقع في الساحة الدولية والإقليمية من نزاعات وحروب منذ أحداث الثلاثاء الأسود وما تلاه من وقائع ستفرز لنا الخريطة النزاعاتية التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط حاليا والتي تتجه نحو أفق قد يكون مُدبرا ولكن قد يكون معقدا أيضا. فالحرب السورية العالمية، وهي بهذا التوصيف الدقيق لنبرز مدى حجم الشركاء فيها والوسطاء والمتدخلين الإقليميين والدوليين، كانت في قائمة المعارك الحتمية بالنسبة لأمريكا لنزع فتيل محور الشر كما حدده بوش الابن والذي يتضمن إيران وحزب الله والصين وكوريا الشمالية وروسيا، وبالتالي وضع موطأ قدم في قلب الشرق الأوسط الضامن للمصالح الإستراتيجية القومية والاقتصادية والمسهل لعملية خنق النظام الإيراني الذي لم تنفع معه العقوبات الاقتصادية في ردع برنامجه النووي والإستراتيجي في المنطقة.

في سوريا، مارس أعداء الأمس أقذر لعبة في التاريخ راح ضحيتها ألاف الضحايا والمهجرين واللاجئين في دول الجوار، ودُمرت البلاد على اَخرها وعتى فيها الإرهاب فسادا واختلط بالثورة الشعبية ومطالب المواطنين في الحرية والعيش الكريم وأُقبرت أجمل ثورة سلمية عرفتها سوريا. فلقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية السباقة لدعم الثورة السورية السلمية الأولى وضغطت كثيرا من أجل نزع ورقة الأمم المتحدة بدعم الثوار وضرب نظام الأسد وحشد تحالف دولي يُسرِّع من سقوط نظام الأسد العسكري ويقلل من أية تكلفة عسكرية إضافية غير مرغوب فيها خصوصا بعد الأزمة المالية الضاغطة وبعد توالي نكسات التدخلات العسكرية في كل من أفغانستان والعراق. لكن المعركة لها رمزية كبيرة لكل من روسيا وإيران وحزب الله أي محور الشر كما وصفه بوش الإبن، ولها عواقب إستراتيجية في حالة تمكنت الثورة من النجاح واستطاعت أن تؤسس لنظام ديمقراطي حقيقي، ولها خسائر اقتصادية إضافية لإيران وروسيا في حالة استقر الوجود الأمريكي هناك. ولقد رأينا بالفعل كيف أُبيد شعب بأكمله بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة وحوصرت المقاومة السلمية بقوة السلاح وتدخل الحرس الثوري الإيراني في الميدان إلى جانب مقاتلي حزب الله وأسلحة الدب الروسي، بل وزُج بأبشع سلاح إرهابي في المعركة وهو سلاح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

سوف تخلخل ورقة داعش هذه اللعبة القذرة من جديد وسوف تجمع أعداء الأمس وتفرق أصدقاء اليوم وتضيف مزيدا من الوقت لاستمرار النظام السوري وتقهر الثورة السورية و تزيد من منسوب إراقة الدماء ثم تضيف التكالب الدولي ضد شعب اختار تقرير مصيره بنفسه. الوقت الوجيز الذي ظهر فيه تنظيم الدولة الإسلامية وضخامة التجهيزات العسكرية التي حصل عليها وقدرته الميدانية على الاختراق والاستيلاء على المناطق ثم دموية أعضائه اتجاه المدنيين العزل وضد ثوار سوريا الأحرار، كلها مؤشرات تدل على طبيعة هذه الصناعة الإستخباراتية والدولية التي تنافس مثيلتها في الشرعية الجهادية ” تنظيم القاعدة”. نحن هنا أمام بعثرة للأوراق الحربية، فالنظام السوري سوف يخلق صراع بين داعش وجبهة النصرة وهو الممثل الشرعي للقاعدة وسوف يضرب به الجيش الحر الذي سلَّحته تركيا وقطر ودول أخرى، ثم سوف يجعل مركب المتحالفة الآن تضرب داعش عوض النظام السوري. سوف تتحالف في المحصلة كل من السعودية والإمارات، واللتان دعمتا انقلاب مصر ووقفتا ضد صعود الإخوان السياسي، مع كل من عدويهما قطر وتركيا في التحالف الأخير الذي شكلته أمريكا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى ضد ما يسمى بداعش.

الأكيد الآن أن اللعبة الحربية باتت أشد فتكا وقتلا بين قطبي النزاع في محوري سوريا والعراق و المحور الجديد اليمن وليبيا. والأكيد أيضا أن الأنظمة العميقة ورموزها وقادة الثورات المضادة سوف ينتعشون على الأقل في الأمد القريب، وسوف يستمرون في ضرب جميع تمظهرات ثورات الربيع العربي حتى لا تعود للواجهة. ثم الأكيد أيضا أن مزيدا من الضحايا المدنيين سوف يسقطون في هذه الحروب التي عرَّت عن الوجه العميق للأنظمة الإقليمية والدولية وأسقطت الشرعية الأخلاقية عن العديد من دول العالم الديمقراطي الذي يستمر في خرق القوانين الدولية والشرعية الأممية من أجل الحفاظ على المصالح الإستراتيجية وتسميتها بمسميات بديلة. الخريطة إذن في منطقة الشرق الأوسط سوف تتغير وسوف تبرز دويلات صغيرة جديدة وستنهار مقومات الدولة الوطنية التقليدية كما اَمن بها القوميون العرب وسوف تستمر الحروب الأهلية والإقليمية وسنرى إلى أين سوف تقود عظمة الجنون التي باتت تتحكم في مقاليد العلاقات الدولية، وسوف يموت مزيد من الضحايا الأبرياء وسوف يكتب التاريخ مرة أخرى عن عظمة الإنسان المجنون.

* كاتب من المغرب.

منبر الحرية، 24 ديسمبر/كانون الأول 2014

(Visited 323 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟