مأزق الدولة العربية ونمو مدرسة العنف 

♦ شفيق ناظم الغبرا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

تتوالى التساؤلات عن الوضع الذي يمر على العرب، فهل نشهد مقدمات يقظة أم انهيار؟ أم أننا نتعايش بصعوبة مع مقدمات ثورية (كما عرفتها مناطق أخرى في العالم) يتخللها العنف والتعرجات والتفتت. على الأغلب دخلنا مرحلة ثورية طويلة المدى ستغير واقعنا وتعلمنا دروساً في كيفية تعاملنا مع الاختلاف والاحتكار السياسي والفساد المالي. مع كل أسف لن يقع التغيير والانتقال إلا بعد السير في دروب شاقة ودفع أثمان كبيرة. وبينما يترنح عالمنا كما لم يحصل من قبل إلا أنه يحتج ويحلم كما لم يحصل منذ زمن بعيد. العرب من الخليج إلى المحيط منقسمون على زمانهم، وهذا يعني أنهم ابتعدوا عن حالة عدم الاكتراث. بعضهم يريد الاستقرار بأي ثمن (خاصة الذين لديهم الكثير ليخسروه من جراء عدم الاستقرار)، وبعضهم يريد نظاماً جديداً حتى لو جاء عبر عنف مفتوح (خصوصاً الذين يشعرون أنهم لم يخسروا إلا بؤسهم من جراء عدم الاستقرار)، أما كتلهم الأكبر فتنتظر، وقد تنظم لأحد المعسكرين إن وجدت حلاً مرضياً وصيغاً أكثر عدالة وديمقراطية وقيم تجديد وبناء.

الأقرب إلى الواقع أن الاستقرار العربي لن يعود إلينا في زمن قريب، وأن المستقبل يحمل في طياته صراعاً طويلاً حول صيغ جديدة للعدالة والحقوق. من الصعب أن نستهين بما وقع في سورية والعراق خاصة عندما قام تنظيم «داعش» بتحدي «سايكس بيكو» وكسر الحدود. فتحويل طرفي الحدود السورية العراقية إلى مشروع كيان من قبل طرف لا يمثل دولة أو نظاماً سياسياً فيه إشارة لا تخطئ إلى مدى ضعف النظام العربي القديم الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم القناعة أن هذا المرور عبر الحدود قد يكون مؤقتاً، إلا أن ما وقع حول سورية والعراق سوف يبقي التساؤلات عن الحدود وعبورها مفتوحة. ففي السابق أثارت الحركة القومية العربية والناصرية والقوميون السوريون والاشتراكيون والبعثيون كل فكرة حول الوحدة، والآن يثير «داعش» من الباب الواسع قضية الحدود القائمة بين بلدان عربية مشرقية.

وتؤكد الأحداث العربية تعاظم قدرة قوى صغيرة من حيث العدد والإمكانيات على تحدي قوى كبيرة الحجم، فهذا النموذج أكان في جنوب لبنان في السابق («حزب الله») أم في العراق راهناً («داعش») أم عبر الثورات في عام ٢٠١١ سيجذب مزيداً من الزخم ويعزز نمو تجارب جديدة. وهذا يعني أن قوى شبيهة (كما حصل مع الحوثيين) ستسير في الطريق الحوثي، وسيقع هذا في الحواضر الكبرى والمناطق العربية المشرقية وصولاً إلى اليمن حيث الكثافة السكانية. وبينما يجتاح الحوثيون اليمن هناك قوى يمنية كامنة قد تكشف فجأة عن قدرة كبيرة على الرد والاجتياح المضاد. وفي المرات المقبلة لن تجد الولايات المتحدة الدعم المحلي الذي يسمح لها بالتدخل العسكري. فقدرتها بل وحماستها للتدخل العسكري يتراجع. المرحلة حبلى بالمفاجآت. وهذه صفة من صفاتها.

تراجع النظام العربي كما عرفناه لا يعني في الوقت نفسه فقدانه القوة والإمكانات. فللتاريخ منطق في توسط حالات الضعف والقوة للدول والأمم. الضعف والتفكك الذاتي تقابله في الوقت نفسه مقدرة أعلى على المبادرة التي تصاحبها حالة من حالات البطش والفتك. وبالفعل عندما تراجعت الدولة العثمانية التي عرفت بسماحة نسبية ارتكبت بعض أسوأ المجازر بحق الأرمن في ١٩١٥، كما أقامت المشانق في بيروت في ساحة الشهداء، لكن هذا لم يغير من واقع تراجعها ونهاية زمنها. ومع ذلك فقمع الأنظمة العربية وتصرفها الراهن إن لم يحتوِ مبادرة مصالحة واستعداد جاد للتغير والانتقال الديمقراطي فهي تسرِّع في تثوير قطاع كبير من الناس وتحولهم إلى النقيض.

إن القمع الذي يزداد في المنطقة العربية خاصة في ظل قرارات الإعدام التي طاولت مئات المعارضين في مصر وما يقع من تعسف غير مبرر في دول عربية شتى (أكان ظاهراً أو مستتراً) لا يعكس حالة صعود، بل يعكس فقدان الثقة وشعور صانعي القرار العرب بالخطر من كل تجمع بل ومن كل تعبير سلمي وغير سلمي. في المرحلة الراهنة والمقبلة سيكون الأخطر على النظام العربي اندفاعه ضد التعددية والحريات والمساحة العامة.

لقد قرأ النظام العربي، حتى الآن، المشهد بصفته معركة حياة أو موت، بل قرأ مسببات الثورات العربية بصفتها عملاً قام به الخارج، فالنظام العربي قلما رأى أن الثورات نتاج للبطالة والفقر والاحتكار السياسي ومنع الحريات وقهر المعارضين ونفيهم وإغلاق السبل أمام التغير السلمي الهادئ. بل قلما استنتج النظام العربي أن التعاطي مع مسببات الثورات السابقة والمقبلة لا يتم بالموانع ونشر الخوف بل من خلال مشاريع إصلاحية جادة.

وتتعمق مشكلة العالم العربي لأن الأجهزة والمؤسسات والقضاء وقوى الأمن والجيوش والمنظومات الرسمية السياسية لا تتمتع بالكفاءة التي يجب أن تتمتع بها (أهل الولاء دائماً على حساب أهل الكفاءة)، فلا هي مرتبطة بفكر إداري وقضائي أو حتى عسكري حديث، ولا هي منبثقة من ديناميكية إصلاحية، وهي لا تشبه تلك الموجودة مثلاً في كل من إيران أو تركيا. ربما لو نجحت المنظومة العربية في أبراز طريق إصلاحي وإداري وتنموي لكانت الأوضاع العربية أقل ضوضاء. فالمؤسسة العربية، باستثناءات محدودة، فاقدة للمشروع الوطني والإداري والفلسفي بل والأيديولوجي والإنساني المرتبط بروح الإنجاز، وهي فاقدة في الوقت نفسه للرؤية التنموية. الجهاز العربي الرسمي بلا روح. كل الأمل أن يفاجئنا بشيء مختلف قبل أن تنفجر براكين جديدة.

ومن مسببات الوهن والضعف الراهن أن المؤسسة العربية تعيش مع الأدوات القديمة على أمل أن يختفي الكابوس. لكن الكابوس لن يختفي في ظل مؤسسات فقدت الفاعلية ولغة رسمية فقدت التأثير ومسؤولين غير مساءلين أمام جهات منتخبة أو شبه منتخبة. لقد سقطت، بسبب الإخفاقات، بعض أهم عناصر الشرعية السياسية والدينية والوطنية. بل تكشف إشكالية هبوط أسعار النفط الأخيرة عن مزيد من الضعف في الخطط والاستعدادات. إن كل أزمة أكانت مرتبطة بالطبيعة والمناخ أم بالأسعار والسلع والحروب أم باحتياجات الناس وحقوقهم تتحول إلى حالة كاشفة لهشاشة النظام العربي وعدم استعداده لمواجهة التطورات. فالدولة العربية استمرار للعقلية المسؤولة عن هزيمة ١٩٦٧.

وفي حالة كهذه سيؤدي عنف الدولة (القمع، التعذيب، الإغلاق، المنع، إطلاق النار، السجن والأحكام المبالغ فيها) ضد ممارسي التعبير والنضال السلمي، سيؤدي حتماً إلى العنف المضاد من قبل قواعد شعبية مختلفة الجذور. المنطقة العربية تختزن الكثير من الغضب، والغضب ناتج من انغلاق السبل والبطالة والتعسف وانحياز أجهزة كالقضاء والجيش والشرطة وسيطرة قوى النفوذ. لنلاحظ كيف سبب عنف النظام السوري والعراقي، الواضح منه والمستتر (قبل الصدام بسنوات) تلك الحالة التي أدت إلى بروز مدرسة العنف في كلا البلدين. إن المدرسة الغاضبة تكسب كل يوم الأنصار الجدد، فهناك انضمام إليها من قبل وسطيين حركيين ثوريين وإصلاحيين رفضوا إلى الأمس القريب مبادئ العنف.

قبل اقترابنا من عام ٢٠١٥ تبدو الدولة العربية التي نتجت من الحرب العالمية الأولى والثانية في مواجهة مع شرائح اجتماعية تزداد حجماً وتسعى للتخلص من المعادلة الراهنة من دون أن تعرف بوضوح شكل المعادلة المقبلة. في المرحلة الأولى للثورات العربية في ٢٠١١ لم تكن الدولة هدف الثورة، بل كان الهدف إزاحة رئيس وفئات محيطة به كما حصل مع الرؤساء زين العابدين ومبارك والقذافي وعلي صالح وغيرهم. لكن الأوضاع تغيرت على مدى السنوات الثلاث الماضية فالدولة هي الأخرى بأجهزتها العسكرية والقضائية والسيادية انضمت إلى المواجهة وفق مبررات كثيرة.

إن الموجة الثانية والموجات الوسيطة من الثورات ستستهدف الكثير من مؤسسات الدولة. الاستهداف قد يكون في بعض جوانبه مدمراً وغير محسوب النتائج، لكن قوى رئيسية ما زالت على الحياد حتى اللحظة ستسعى لإنضاج التحدي مع الدولة بهدف إعادة تفكيكها ووضعها في إطار جديد: فالجيش يجب أن يتحول إلى جيش يحمي الحدود ولا يسيطر على الاقتصاد والأعمال ومشاريع الفساد والبناء والطرق وصناعة أدوات المطابخ وغسيل الأموال، وعلى القضاء أن يحكم بنزاهة وأن لا ينحاز إلى السلطة التنفيذية على حساب الشعب وبقية السلطات والمعارضين، أما الأمن فيجب أن يحمي العدالة ولا يتجاوز حقوق الناس. ويجب تغير الإعلام بحيث يبقى محايداً فلا لا ينحاز إلى فريق على حساب فريق آخر.

في القادم من الثورات: ثورات طبقية، ثورات بطالة وجوع، ثورات عدالة وكرامة وثورات مغلفة بالدين والقبيلة والطائفة، لكنها في جلها تعكس الحاجة إلى العدالة وضرورات الإنصاف. حتى اللحظة تتراجع مدرسة الإصلاح العربي الأهدأ والأكثر سلمية وتنتصر في جموع الشارع العربي مدارس ثورية وأخرى متطرفة ودينية وفئوية جديدة. عقدنا سيكون طويلاً، سيكون بلا منازع عقد غضب وإقصاء واستبداد وثورات وعنف. لكن مبادئ تداول السلطة والانتقال الديمقراطي والإصلاح والعدالة الانتقالية ما زالت متضمنة في ثنايا المرحلة. فهذه الأخرى لن تغادرنا، فالفكرة الديمقراطية بكل أبعادها ستعود إلينا بعد دفع الثمن الكبير.

المصدر: الحياة

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

منبر الحرية، 16 ديسمبر/كانون الاول 2014

(Visited 288 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟