الرأسماليين و سر حب المال

♦ مازن ديروان    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 3.0/5 (2 votes cast)

كثيراً ما نرى رجل أعمال متقدم في السن و ثري مازال يعمل لساعات طويلة بجد و نشاط لتطوير و إنجاح أعماله!! يتساءل البعض، ما السر في ذلك؟! هل يريد أن يؤمن مستقبله الذي أصبح في عداد ماضيه بسبب تقدمه في السن؟!! هذا غير معقول إذ أن ما لديه من المال يجب أن يكفيه للحياة عدة مرات و لمئات السنين!! إذاً ما هو سر هذا الاندفاع للعمل؟! أهو الطمع؟ أم الجشع؟ تتساءل إحداهن: “ما الذي يجعل الإنسان لا يتوقف عند حدود حاجته البشرية من المال؟” هذه أسئلة مشروعة يتساءلها العديد ممن لم يمتهنوا ريادة الأعمال و لم يعيشوا آمالها و آلامها. أحاول أن أجيب عليها بصفتي رائد أعمال مدى الحياة أولاً، و باحث في شؤون الاقتصاد و إدارة الأعمال، ثانياً.

أولاً، أريد أن أعيد طرح تساؤل السيدة أعلاه بشكل آخر لتوضيح نقطة: “ما الذي يجعل الإنسان لا يتوقف عند حدود حاجته البشرية من العلم و الثقافة؟” أو “لماذا يثابر التلميذ المجتهد على الدراسة للحصول على العلامة الكاملة مع أن علاماته الحالية كافية للنجاح؟!!” الجواب على هذه الأسئلة هو نفسه – “الطموح!!!” و ليس “الجشع”!! إذا توقف الطموح و الإبداع تكون كارثة الكوارث حيث ستتوقف حركة التطور و ستزيد البطالة و بالتالي الفقر. دعونا نميز هنا بين نوعين من الثراء، الثراء الناتج عن العمل الشريف و المشروع، و الثراء الناتج عن العمل الغير شريف. و إذا أسقطنا ذلك على مثالي السابق، هناك نجاح دراسي بواسطة الغش (التنقيل) و نجاح بواسطة الدراسة والجهد و التعب. شتان بين الاثنين!! في كلامي هنا أركز على النجاح الشريف و ليس على الغش و الخداع و الاحتكار التي هي جرائم يعاقب عليها القانون في جميع الدول التي تحترم القانون و لا حاجة لي على إثبات المثبت بالقول أن الغش و الاحتكار هو غير قانوني و غير أخلاقي!!

إذا صنع أحدهم، على سبيل المثال، منتَج غذائي ما أحبه عدد كبير من الناس و أقدموا على شرائه بكميات كبيرة مما أدى إلى ثرائه؛ أين الخلل في هذه الصورة؟!! الشخص عمل بجد و اجتهاد و جازف بماله و تعبه و وقته بدون أي تأكيدات على النجاح. ما هي الآليات التي يجب إتباعها “للحد من نجاحه”؟!! أو حتى، ماذا سنجني كمجتمع من محاولة الحد من نجاحه؟! هل يجب علينا الحد من المواد الأولية التي يستخدمها للحد من إنتاجيته و التقليل من الكميات التي ينتجها؟!! كيف لهكذا عمل أن يخدم المجتمع والصالح العام؟!! هل نريد للسوق السوداء لأكلته أو منتَجه أن تزدهر بأسعار ظالمة؟!! ثم، كيف نعتبر أن توسع أعماله ضار بالمجتمع و يجب الحد منها؟! ألا يشعر مستهلكو أكلته لدى شرائهم لها “بملء إرادتهم” أنهم يضيفون شيء إيجابي لحياتهم أكثر من عدم شرائهم لها؟!! ألن يشتري هذا الشخص مواده الأولية من مصانع أخرى مما يؤدي إلى نجاحها؟!! أليس من الممكن لهذا الشخص أن يصدر منتجاته للخارج و يساهم في زيادة مدخول بلده من القطع النادر؟! لماذا ننزعج من ثراء هذا الشخص و هو ناتج عن ممارسة عمل قانوني و أخلاقي يساعد المجتمع على الرقي و التقدم ناهيك عن فرص العمل التي أوجدها و يوجدها؟!! إذا كان عمل هذا الشخص سهل و مجزي، أليست الفرصة دائماً مفتوحة في بيئة عمل تحترم القانون و تساوي بين الناس أن يقوم الآخرون بعمل مماثل؟!! ألا يحصل هذا بشكل مستمر؟!! ألا تنافس شركة يبسي كولا كوكا كولا؟! ألا تنافس شركة فورد شركة تويوتا و نيسان و و و و؟!! ألا يتنافس بائعي سندويشات الشاورما على نفس الصف و نفس الشارع على رضا الزبائن لتقديم ما هو أطيب أو أرقى أو أرخص؟!! البعض يعتقد أن معادلة العلاقة بين رائد الأعمال و زبائنه هي معادلة صفرية، أي ناتجها صفر. يعتقدون أن ربح رائد الأعمال هو خسارة الزبون بينما الوقائع تشير إلى أن العلاقة هي علاقة تعاون و تكامل synergy. هذا ما يفسر تهافت المستهلكين في الأسواق المقيدة على منتجات الأسواق الحرة. على كلٍ هذا موضوع آخر يناقش بشكل أكثر تفصيلاً في موقع آخر.

الجميع يعلم و أولهم رواد الأعمال أن “مال الدنيا للدنيا” و أنهم لن يأخذوا شيئا معهم بعد الموت؛ إذاً لماذا يستميتون بالعمل و جمع المال حتى عندما يشيخون؟! هل هم أغبياء و سذج لهذه الدرجة؟ أم قمة في الجشع؟!! بعد تحقيق مستلزمات الحياة، تصبح الأموال بالنسبة لرجال الأعمال و ريادييها كالعلامات لدى التلاميذ في المدارس. تحقيق الأهداف المالية لشركاتهم تصبح مهمتهم الأساسية لضمان استمرار و نجاح الشركات والذي بدوره يؤدي إلى الحفاظ على مكانة هذه الشركات في مجتمعاتها كمورد لفرص العمل و للدخل القومي. أي كلام عن الأموال الطائلة التي يجنيها رجال الأعمال من منظار كونها أموال للإنفاق و الرفاهية هو كلام سطحي و مبسط لواقعها.

  خلاصة الكلام، على المجتمعات إيجاد بيئة عمل قائمة على حرية العمل و تقديسه لا على تقييده!! بيئة عمل قائمة على سيادة القانون و المساواة بين الناس لتشجيع الناجحين على النجاح أكثر و معاقبة المسيئين لحثهم على النجاح الشريف بدل الغش و الخداع والاحتكار!! النجاح يولد النجاح و الفشل يولد الفشل!!

 * رجل أعمال وخبير اقتصادي.

منبر الحرية، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2014

الرأسماليين و سر حب المال, 3.0 out of 5 based on 2 ratings
(Visited 1,336 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟