الحرية كأيديولوجيا سياسية

♦ مصطفى أيت خرواش    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

شاهدنا على مدار ثلاث سنوات من الحراك الشبابي في دول الربيع الديمقراطي كيف تكون الحرية مجرد ألعوبة سياسية سهلة الاستعمال من طرف الأحزاب السياسية التقليدية والجماعات الدينية والمؤسسات الدينية التقليدية وحتى من طرف الأنظمة السياسية العميقة. بدأ الشباب برفع شعار : حرية وكرامة، فانتفضت الشعوب بشكل عفوي ثم سقطت أنظمة ثقيلة وبدأ العد العكسي لمحطة الانتقال الديمقراطي وبشكل فُجائي وربما وهذا هو الأصح الأعم، بشكل مدبر للغاية، تعثر الانتقال الديمقراطي ورفعت الأنظمة العميقة شعار ‘ الثورة الثانية ‘ وهتف مريدوه بالحرية في وجه الجماعات الإسلامية وحتى في وجه الشباب الثائر أول الأمر. بنفس الصيغة رفعت المؤسسات الدينية التقليدية (الأزهر، المؤسسات الإفتائية الوطنية وغيرها) شعار الحرية في وجه الجماعات الدينية المنافسة لها واستعمل سلاح الفتوى بشكل دفاعي قوي حتى سارت الحرية شعارا سفسطائيا مبعثرا بين الألسن هنا وهناك كالحمامة التي من كثرة سجنها لم تعد قادرة على الطيران متناسية أنها من فصيلة الطيور.

باسم الحرية اُغتصبت الديمقراطية ومؤسساتها، وباسمها أيضا مُورس القتل المقدَّس بين أتباع نفس الديانة وأُبيد شعب بأكمله وباسمها انتفض عسكريون متقاعدون واستعملوا السلاح الفتّاك في وجه السلطة السياسية المنتخبة وباسمها أيضا ظهرت جماعات إرهابية تدعي في الناس إقامة الحق الإلهي وتحرير الرقاب من الكفر والزندقة.

هنالك اعتبارات كثيرة يجب وضعها في الحسبان ونحن نتتَّبع مسارات الوعي بالحرية كمطلب فردي وجماعي قبل أن يتحول لمطلب سياسي محض، ومنها ما هو معرفي ثقافي واجتماعي واقتصادي ثم سياسي. فتمثلات الحرية في الوعي العربي ارتبطت بشكل تاريخي بطبيعة إدراكها معرفيا ودينيا بشكل جوهري لم تخرج من بوثقة التأزم المعرفي الديني الذي يشهده العالم العربي والإسلامي.

لقد حملت التجربة العلمانية والليبرالية العربية شعار الحرية كمعطى جوهري لمشاريعها الفكرية والسياسية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اُعتبرت ضربا للتجربة الاشتراكية العربية في العمق ومارست وجودها السياسي والفكري بنوع من الإيتيكيت الحضاري الأنيق الذي يتماشى ومتطلبات عصر العولمة وثورة المعلومة والاتصالات. هذه التجربة سوف تصطدم في مطلع التسعينات بظهور حركات الإسلام السياسي التي سوف تنادي بدورها بالحرية من العمالة الفكرية ومن الاستعمار الفكري الذي تمثله التجربة الليبرالية العربية ومن كافة أنواع الإستلابات الفكرية والحضارية لجهة الغرب وقيمه. المعطى الصادم والذي تتبَّعناه على مدار ثورات الربيع العربي الأخيرة، هو بروز العنف السياسي والمادي لدى الأحزاب الليبرالية والعلمانية العربية ضد الإسلاميين ولدى هؤلاء ضد النظام السياسي الحاكم ومن ورائه المؤسسات الدينية التقليدية، استغلت من خلالها هذه الوضعية من طرف الأنظمة العميقة وحلفائها الإقليميين والدوليين لإعادة الأوضاع لما عليه سلفا أي : أنظمة سلطوية صورية بتحسينات ديمقراطية شكلية، والغائب الأكبر هي الحرية.

مخطط إعادة خارطة الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية التي تناقلتها وكالات الاستخبارات العالمية وكذا المعاهد الإستراتيجية الدولية ربما تحمل الكثير من الصحة، ولعل تغير طبيعة الصراع الإقليمي في المنطقة وتنامي ظهور محاور متحالفة جديدة في المنطقة، يوحي بجدية أطروحة الخارطة الجديدة والتي أصبحت الدول المتصارعة في المنطقة تلعبها باحترافية كبيرة. فمحور إيران وحزب الله وروسيا والصين يلعب ورقة الممانعة في سوريا ويُجنِّد لها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بحجة المقاومة الطائفية أحيانا وبحجة مقاومة الإرهاب أحيانا أخرى فيما تتكلف روسيا والصين بالدعم العسكري على الأرض والسياسي في جبهات الحوار ثم الدولي في مجلس الأمن. ومحور أمريكا ودول الخليج تلعب أوراق كثيرة وأحيانا متناقضة ومعقدة، منها دعم الديمقراطية وحركات التحرر السياسي في بعض دول الربيع ودعم الأنظمة العميقة في أخرى وتسليح حركات قتالية في جبهات أخرى ثم السكوت عن اتخاذ مواقف في مجازر هنا ورفضها في مناطق أخرى. ثم محور تركيا وقطر الرافض لحركات الانقلابات العسكرية ومحاصرة الإسلاميين في العديد من دول الربيع التي وصلوا فيها إلى السلطة، ودعم حركات الشارع العربي إعلاميا وماديا وحتى عسكريا من أجل إعادة الشرعية السياسية لحلفائهم الإسلاميين. الوضع السياسي إذن في المنطقة معقد للغاية وتزيده تعقيدا تنامي الاستقطابات الحادة بين دول المنطقة المتصارعة تاريخيا على ملفات معلقة ومصيرية، كالملف الكردي في تركيا والملف الإسرائيلي في الجولان وسينا وفلسطين والملف الطائفي في العراق، ثم تدخل الحلفاء الدوليين من أجل لعب أوراقها الإستراتيجية في المنطقة.

الآن ، هل يمكن لنا أن نقارب سبب فشل حركات التحرر الشبابية في دول الربيع إن فعلا سلمنا بفشلها في استنبات مجتمعات الحرية والديمقراطية؟ هل يمكن لنا بعد كل هذه المدة أن نرهن كل المعارك المتنامية في مجمل دول الربيع بمخطط أمريكي مدبر هو من أشعل شرارة الربيع العربي ليقلب الوضع السياسي ثم يعيد تشكيله فيما بعد على مزاجه وحفظا لمصالحه؟ هل يمكن لنا الجزم بضعف تشبع المجتمعات والأحزاب والحركات العربية بقيم الحرية والديمقراطية؟ هل من الأجدى أولا القيام بثورة معرفية واقتصادية قبل أن نجعلها سياسية؟

بعدما اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية العراق سنة 2003 وقامت بتصفية النظام السياسي هناك ورموزه وبالتالي نَزعت شوكة مثيرة في المشهد السياسي في المنطقة، سارعت إلى وضع مخطط تنموي جاد في العراق استنفذت من أجله إمكانياتها المادية واللوجيستيكية ورأس مال بشري مهم من الخبراء المرموقين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكانت المهمة تتمثل في استنبات قيم الحرية والديمقراطية كتمهيد لإقامة نظام سياسي قوي يُعتمد عليه في نبذ الإرهاب والتطرف. ويروي لنا الاقتصادي في مجال التنمية “ دون ايبرلي” وصاحب كتاب ” نهوض المجتمع المدني العالمي” كيف كان الفشل ذريعا عندما اكتشف الفريق التنموي هناك كيف أن الفضاء الديني والثقافي في العراق لا يسمح بتاتا بوضع لبنات قيم الحرية والديمقراطية بالنهج الذي تسري به في الفضاء الغربي الأمريكي. بمعنى أن من أهم عوائق بناء مجتمعات حرة عربية يتمثل في العائق الديني ذو الجذور التاريخية الحساسة اتجاه الحرية الفردية والبناء الديمقراطي الحداثي ثم العائق الثقافي المنتج لنموذج ثقافي تقليداني يسري في جميع دواليب الدولة والمجتمع.

والأمر صحيح إلى حد بعيد، فلا الموروث الديني الثقيل يسمح باستنبات قيم الحرية والديمقراطية بشكل سلس كطريق لإنشاء أنظمة سياسية مؤسساتية شفافة وحرة، ولا الموروث الثقافي الشعبي يسمح بذلك. لقد واجهت حركات الشباب الديمقراطي أول الأمر وعلى مدار ثورات الربيع مقاومة شعبية لا يستهان بها استطاعت أن تُروِّج لأطروحات تبعية الشباب وحِراكاتهم لمخطط غربي يروم محاربة الإسلام والقيم العربية الأصيلة. ووجدت الأنظمة العميقة في هذه المقاومة المضادة فرصة سانحة من أجل ضرب حركات الشباب في العمق قبل أن تستعمل وسائل أكثر فتكا من قبيل الانقلابات العسكرية الناعمة والشرسة. وحتى عندما تأزمت الأوضاع الأمنية في العديد من دول الربيع، روّجت الآلة الإعلامية للأنظمة العميقة لأطروحة أن ثورات الربيع العربي هي التي أدت إلى تأزم الأوضاع الأمنية وانتشار الحروب في سوريا والعراق ومصر واليمن وليبيا وغيرها، وهذا ما يؤكد تبعية الربيع العربي لمخطط دولي يهدف لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد.

لقد تبيَّن الوضع الربيعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل جلي وتبيَّنت معه التشكيلة السوسيوثقافية والدينية والسياسية التي تنخر في عظم الجسم العربي، وظهرت للعيان التشكيلة الإقليمية النشطة في المشهد السياسي العربي والتي قد تقف مع مطالب الحرية والديمقراطية، كما قد تعارض نفس المطالب ويمكن أن تجمع بين الاثنين معا في مناطق متجاورة وأخرى متباعدة. على حركة الشباب التحرري العربي إذن أن يعي هذه المعطيات الذاتية والجيواستراتيجية في تحركاته نحو تفعيل مطالب الربيع العربي التي مازالت بواعتها قائمة مادام الوضع الديمقراطي جد مرتبك في مناطق وغائبة تماما في مناطق أخرى، ومادامت أجواء الحرية بقيمها المختلفة عصية على الانتشار في المشهد السياسي العربي.

لكن التجربة الربيعية إلى حد الآن أبانت عن حجم الفقر المعرفي والسياسي لدى القوى السياسية المتعددة التي لم تستطع تدبير خلافاتها بشكل معقلن يجعل جميع الأطراف السياسية واعية أولا بالظروف الإقليمية والدولية وبتشكيلة المجتمع المتعددة ثم بكيفية تدبير الانتقال الديمقراطي بشكل يجعل من المتحاورين أو المتنافسين يتعالون على الحزازات الأيديولوجية الضيقة ويضعون الحرية والديمقراطية فوق الجميع. وجب تحرير مطلب الحرية إذن من سياجات الأيديولوجية التنظيمية ومن الدوغمائيات الفكرية والدينية المغلقة ومن استلابها المُقولب من طرف الأنظمة السلطوية التي طورت صناعاتها المخابراتية التي تقولب القيم والمصطلحات والأحداث والعلاقات والدين والمؤسسات. وتبقى الحرية.

* باحث من المغرب

منبر الحرية، 30 سبتمبر/أيلول 2014

 

(Visited 638 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟