إعلان نهاية الديمقراطية الليبرالية في هنغاريا

تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

زولتان كيز*

ماتي هاجيا**

ترجمة علي الحارس

ليس من المبالغة إعلان نهاية الديمقراطية الليبرالية في هنغاريا، فهذا ما ورد على لسان رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يعلم ما أقدم على فعله بيديه حين وجه ضربتين قويتين للديمقراطية مؤخرا.

بدأ الأمر في الأسبوع الماضي حين أعلنت المحكمة الدستورية قرارها الذي كان ينتظره الجميع، حيث كانت المحكمة الدستورية أملنا الأخير لفرض منظومة (الضوابط والتوازنات) في البلد، وكنا مفعمين بالتفاؤل، لكن هذا التفاؤل لم يجدِ نفعا، فقد وجهت المحكمة صفعة إلى وجه الديمقراطية حين أعلنت قرارها بشأن منظومة الانتخابات البلدية في العاصمة بودابست.

جاءت القوانين الجديدة لتعدل طريقة انتخابات مجلس مدينة بودابست، وذلك بطريقة جديدة تحل محل الطريقة التي طبقها حزب التحالف المدني الهنغاري (فيديس) في العام 2010، والطريقة الجديدة تظهر استعداد الحزب لتغيير قوانينه بشكل كامل عندما تكون الظروف ملائمة وإذا كان التغيير يجلب للحزب مزيدا من السلطة؛ أما المعارضة البرلمانية فقد صرحت بأن القوانين الجديدة تنتهك الدستور الذي وضعه حزب فيديس نفسه.

إن مجلس المدينة الحالي جرى انتخابه بواسطة منظومة القائمة الحزبية، وكان عدد الأعضاء متناسبا مع عدد سكان المدينة: عضو واحد لكل خمسين ألف مواطن؛ أما في ظل المنظومة الجديدة فإن المجلس سيتكون من (33) عضوا: حاكم بودابست، وحاكمي المقاطعات الثلاث والعشرين في المدينة، وتسعة أعضاء يجري اختيارهم من قائمة تعويضية تحتوي مرشحين لم يفوزوا في انتخابات حاكمية المقاطعات، حيث يتشاطرون الأصوات بالتناسب مع عدد سكان كل مقاطعة.

لقد قامت المحكمة الدستورية بقلب عنصر التناسب رأسا على عقب، فحكمت بأن الأصوات لن تكون لها القيمة نفسها عند الإدلاء بأصوات أخرى، مما ينتهك قاعدة وجوب حساب الأصوات جميعها بالتساوي؛ لكن هذا الحكم لا يؤدي سوى إلى تعديل القانون فحسب، ولن يتسبب بإلغائه، ويمكننا أن نستدل على كثرة الشكوك المحيطة بدستورية هذا القانون بالنظر إلى عدد قضاة المحكمة الدستورية الذين كان لهم رأي مخالف حيال ذلك، حيث جاء الحكم بتأييد ثمانية من القضاة ومعارضة سبعة من بينهم رئيس المحكمة، وكان المعارضون لا يقبلون بدستورية القانون.

إن السبب الذي يدعو الكثيرين إلى معارضة القانون يتمثل في أنه يحول دون إجراء انتخابات حرة لاختيار أعضاء مجلس المدينة، ففي المنظومة السابقة صوت الناس بشكل مباشر لاختيار هؤلاء الأعضاء، أما الآن فقد أصبحوا يصوتون لاختيار حاكمي مقاطعاتهم فقط، والذين يصبحون بدورهم، وبشكل آلي، أغلبية أعضاء مجلس المدينة، ولن يكون للناخب أي دور في اتخاذ قرار بشأن عضوية حاكمي المقاطعات في مجلس المدينة.

أسرع حزب فيديس في تغيير القانون قبل شهرين فقط من إجراء الانتخابات، وقد أمكن له اتخاذ هذا القرار بهذه السرعة لأنه يمتلك أكثرية مطلقة في البرلمان، وقد ضمن القانون للحزب بأن يمتلك المزيد من مقاعد مجلس المدينة بالمقارنة مع كان يمتلكه في ظل القانون السابق، وذلك لأن معظم المقاطعات الثلاثة والعشرين ستنتخب حتما حاكمين ينتمون إلى حزب فيديس.

والتغييرات السابقة ليست هي التغييرات الوحيدة التي أدخلها حزب فيديس لتعزيز فرصه في الانتخابات، فقبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في أبريل قام الحزب بإعادة تشكيل المناطق الانتخابية على نحو يناسب مرشحيه.

وهكذا انتهت المهمة بعد أن دقت المحكمة الدستورية المسمار الأخير في نعش الديمقراطية، حيث سارع رئيس الوزراء أوربان، والذي يمتلك حزبه أكثرية الثلثين في البرلمان، إلى إعلان مسار جديد ينذر بالخطر، وذلك في خطاب ألقاه في منطقة ترانسلفانيا الرومانية (يقطن هذه المنطقة عدد كبير من الإثنية الهنغارية)، إذ قال: “الأمة الهنغارية ليست مجرد تجمع من الأفراد، وإنما هي مجتمع يجب تنظيمه وتقويته وبناؤه؛ وفي هذا السياق فإن الدولة الجديدة التي نبنيها في هنغاريا هي دولة (لاليبرالية)، أي: دولة غير ليبرالية”؛ وقد صرح رئيس الوزراء بنيّته لإنهاء دولة الرعاية الاجتماعية والاستعاضة عنها بمنظومة تقوم على العمل. وعلى الرغم من ذلك فإن دولة الرعاية الاجتماعية في هنغاريا تزدهر يوما بعد يوم، أما المنظومة القائمة على العمل التي أشار إليها أوربان فإنه ربما يعني بها تأسيس سوق تتحكم به الدولة فلا تتحدد فيه قيمة العمل وفقا لقوى السوق الحر وإنما وفقا لما تقرره الدولة.

كما أعلن أوربان عن شجبه للمنظمات غير الحكومية بسبب محاولتها التأثير على هنغاريا لصالح الغرب، وبالخصوص: لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وربما هذا هو السبب الذي جعل حكومة أوربان تمارس التضييق على مؤسسات المجتمع المدني في هنغاريا؛ وأوضح مثال لهذا التضييق هو فضيحة الرقابة على المنتفعين من المنح النرويجية في هنغاريا، وذلك على يد وكالات حكومية قامت بذلك بذريعة خدمة هؤلاء للصالح الأجنبية. (المنح النرويجية هي مساهمات مالية تقدمها النرويج للدول التي تعاني من تدني مستوي التنمية، وذلك كجزء من خطة لإنشاء المنطقة الاقتصادية الأوروبية، والتي تتكون من دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى أيسلندا وليختنشتاين والنرويج).

وقد زل لسان أوربان في أحد تصريحاته ليكشف عن مكنوناته، حيث أشار إلىأن الرئيس الأمريكي يمكن للمعارضة أن تعزله من منصبه إذا أثبتت انتهاكه للقانون، ثم تساءل قائلا: “كم تعتقدون بأنه سيطول بي الأمر في سدة السلطة إذا كان يمكن حدوث الأمر نفسه في هنغاريا؟”.

إن قرار المحكمة الدستورية وخطاب أوربان ما هما إلا إشارتان واضحتان تنذران بإمكانية نشوء ديكتاتورية جديدة في أوروبا الوسطى؛ فغياب حكم القانون بسبب الانحياز المستمر في أحكام المحكمة الدستورية، وإعلان هنغاريا كدولة جماعاتية غير ليبرالية، وجوقة المعجبين بشخصية رئيس الوزراء تمثل جميعها عناصر تدخل في تكوين نموذج الدولة الذي شاع في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية؛ فهل يبقى مجال للصمت بعد كل ذلك؟

* مدير مؤسسة السوق الحر وأحد مؤسسيها

** نائب رئيس مؤسسة السوق الحر

منبر الحرية، 05 سبتمبر/أيلول 2014

إعلان نهاية الديمقراطية الليبرالية في هنغاريا, 5.0 out of 5 based on 1 rating

(Visited 357 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟