المشاركة السياسية للمرأة المغربية: مكتسبات ومعيقات

♦ عصام العدوني    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 4.0/5 (7 votes cast)

 

يعتبر إقرار الحقوق السياسية للنساء (الانتخاب، الترشيح، ولوج المناصب العليا…) مكسبا تحقق منذ السنوات الأولى للاستقلال، فقد حرص أول دستور للبلاد سنة 1962 على تضمين تلك الحقوق للرجال والنساء دون تمييز، وتعزيزا لهذا التقدم صادق المغرب على الاتفاقية المتعلقة بالحقوق السياسية للمرأة منذ أواسط السبعينات (1976). وفي سنة 2008 رفع تحفظاته على بعض مواد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ولاسيما المادة الثانية التي تخص المساواة بين الرجل والمرأة في التشريعات الوطنية، وكذا المادة السادسة عشر التي تشمل المساواة في الزواج والعلاقات الأسرية.

وفي العقدين الاخيرين وقع تطور كبير في اتجاه تعزيز المساواة والمناصفة بين الجنسين فدستور الفاتح يوليوز 2011 أقر تمتع الرجل والمرأة ” على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…” (الفصل 19) وأكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء؛ وتم إحداث هيئة دستورية هي هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز( الفصل  146).

لقد سجلت مشاركة النساء عموما تطورا تصاعديا،  لكنه تميز بالبطء في وثيرته وبالتردد في نوعيته، وذلك الى غاية بداية الألفية التي شهدت مشاركة اكثر كثافة. فاذا كانت سنة 1993 قد شهدت وصول المرأة للبرلمان بنائبتين، فانه منذ 2002  تحسنت مواقع النساء في المؤسسات المنتخبة. لقد خصتها القوانين الانتخابية ب 30 مقعد ضمن اللائحة الوطنية، و نجحت 5 نائبات في الفوز في اللوائح المحلية، وبذلك شكلن 11% من مجموع أعضاء مجلس النواب المصوت عليه بتاريخ 27 شتنبر 2002. وكانت هذه النتيجة قد جعلت المرأة المغربية في طليعة النساء العربيات اللواتي اندمجن في الحياة السياسية لبلدانهن؛  وتم التنويه بها من قبل  المنظمات والهيئات الدولية.

وخلال الانتخابات البلدية التي أُجريت في شهر يونيو 2009، ولجت النساء إلى المجالس المحلية بشكل أفضل من السابق. لقد كان ثمة 3406 امرأة منتخبة، وهذا العدد مثّل 12,17 % من إجمالي عدد المنتخبين، في مقابل نسبة 0,56 % فقط في العام 2003.  وشكلت الترشيحات النسائية كذلك حوالي 16 %، مقابل أقل من 5 % خلال انتخابات  عام 2003، لكن المشاركة في الغرفة الثانية (مجلس  المستشارين) بقيت هزيلة.

ويعزى التقدم النسبي للمشاركة النسائية إلى القوانين الانتخابية الجديدة التي خصت تمثيلية النساء بالكوطا، كما تم إحداث صندوق لتقوية قدرات النساء التمثيلية وذلك بتشجيع الأحزاب السياسية لدعم ترشيح النساء.

وفي الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها التي أجريت في 25  نونبر 2011 والخاصة بتشكيل مجلس النواب البالغ عدده 395 مقعدا تقوت تمثيلية النساء بفعل التوافق على تخصيص لائحة وطنية ب 90 مقعدا، 60 منها للنساء و30 للشباب، وقد مكن هذا التدبير بالإضافة إلى الترشيح ضمن اللائحة المحلية من رفع عدد النساء البرلمانيات.

ولتجاوز هزالة تمثيلية النساء في المجالس المحلية خلال التجارب السابقة  فقد تم إحداث دوائر انتخابية إضافية في كل الجماعات والمقاطعات لضمان الحد الأدنى من الحضور النسوي في التسيير الجماعي، وقد تعزز ذلك بإدخال تعديلات اضافية على الميثاق الجماعي  في فبراير 2009  أقرت اختصاصات جديدة وتدابير من شانها تعزيز مشاركة المرأة في العمل التنموي المحلي، وذلك من خلال الزام المجالس المنتخبة بإدماج مقاربة النوع  والمقاربة التشاركية في اعتماد مخططاتها التنموية (المادة 36)، وكذا  إحداث لجان لتكافؤ الفرص والمساواة (المادة 14)، مشكلة من المجتمع المدني والفعاليات التنموية والنساء تقوم بإبداء رأي استشاري حول برامج التنمية المحلية المزمع انجازها.

أما فيما  يخص ولوج النساء إلى مراكز القرار العمومي، فان التجربة الحالية التي يقودها حزب العدالة والتنمية قد شكلت في التشكيلة الحكومية الاولى تراجعا حيث لم تحض المرأة إلا بوزارة واحدة من حزب العدالة والتنمية بالمقارنة مع حكومة عباس الفاسي التي بلغ عدد الوزيرات فيها إلى سبع وكان ذلك في ظل دستور 1996.

واذا سلمنا بصدق الرواية الرسمية  التي تداولتها وسائل الاعلام بكون الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي لم تتقدم بمرشحات نساء للاستوزار فإننا نعزو ذلك الى استمرار تأثير الأنماط الثقافية للذكورة والأنوثة داخل هذه الأحزاب على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية وتموقعاتها السياسية، وكذا بفعل المنافسة القوية  بين أطرها وقيادييها من اجل الظفر بمقعد وزاري على حساب مبادئ الكفاءة والاستحقاق والتمييز الايجابي تجاه النساء. وهذا الأمر  ليس غربيا عن بنية وثقافة الأحزاب السياسية المغربية التي تظل ذكورية، حيث تهميش المرأة في الولوج إلى المواقع السياسية سواء على مستوى القيادات (أمناء الأحزاب والنقابات غالبيتهم ذكور باستثناء الحزب الاشتراكي الموحد ونقابة الباطرونا ) أو على مستوى القواعد، حيث ينظر إلى المرأة كقوة انتخابية لا غير.

 لكن التعديل الحكومي الذي جرى بتاريخ 10 أكتوبر 2013 حاول تدارك ضعف التمثيلية، إذ خصهن ب ستة مقاعد (وزيرتين وأربع وزيرات منتدبات)، لكن هذا الارتفاع إذا  ربطناه بالارتفاع المماثل الذي حصل في عدد وزراء الحكومة والذي ارتفع من 31 إلى  39  فإننا نجده  متواضعا.

أما عن السياسات العمومية والتدابير المتخذة فقد ساد الاعتقاد لدى المتتبعين وبسبب ما عرف عن بعض التنظيمات الإسلامية من تحفظها من مشاركة المرأة وولوجها إلى المجال العام… ساد الاعتقاد أن وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم يمكن أن يكون سلبيا على واقع المرأة وتراجعا عن المكتسبات التي تحققت مع نتائج “الربيع العربي” خاصة أن الذاكرة السياسية لا زالت تحتفظ بكون حزب العدالة والتنمية كان قد عارض بشدة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي كانت قد أعلنت عنها حكومة  التناوب التوافقي برئاسة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1999.

الا انه من الناحية العملية، فلم يحصل تراجع عن المكتسبات التي تحققت. لقد بادرت الحكومة إلى تبني خطة  للمساواة في أفق المناصفة (يطلق عليها إكرام 2012- 2016) والتي ارتكزت على ثمان محاور من بينها محور تحسين تمثيلية النساء في مراكز القرار؛ لكن آثارها لازالت لم تظهر رغم مرور سنتين من اعتمادها.

 ويبقى ولوج النساء إلى المناصب الحكومية والإدارية العليا  متواضعا رغم الصلاحيات الجديدة لرئيس الحكومة التي يقرها دستور 2011 (أفادت وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية بتاريخ 05 يوليوز 2013 أن نسبة النساء المعينات في هذه المناصب  لم تتجاوز  12 في المئة (27 منصب من بين 245)، من بين ترشيحات نسائية بلغت نسبتها فقط 10 في المئة لنيل هذه المناصب).

مجمل القول، ان الدستور الجديد والقوانين والتدابير المتخذة في السنوات الاخيرة قد ساهمت في ارتفاع حجم ووثيرة المشاركة السياسية للنساء؛ لكنه ارتفاع غير كاف للوصول الى المناصفة  بسبب استمرار مفاعيل العديد من العقبات  نذكر منها:

- تغليب المقاربة الكمية على حساب النوعية، لا يعطي صورة حقيقية عن مشاركة النساء في السياسة والمجتمع، والذي بمقتضاها تقاس المشاركة فقط بالعدد والنسب المئوية المحصل عليها، مع إهمال الجانب الكيفي المتجسد في المردودية والقيمة المجتمعية المضافة، والتي يمكن قياسها من خلال معرفة مدى  تطور الأنماط الثقافية السائدة حول دور المرأة في الحياة العامة، ومدى حضور الوعي المساواتي لدى النساء؛ و مدى  الحرية التي تتمتعن بها في اتخاذ القرارات على صعيد الأجهزة التقريرية… فقد أبانت بعض تجارب التسيير الجماعي على سبيل المثال أن النساء لا يلجئ إليهن إلا كورقة انتخابية وفي فترات التصويت على الحساب الإداري أو الميزانية أو تشكيل بعض اللجان، بينما عمليا لا يشاركن في صياغة المشاريع والبرامج.

- استمرار مفعول مقولات الثقافة الذكورية وتمثلات التنشئة التمييزية والتقسيم الجنسي التقليدي للعمل… وكلها  تعتبر المرأة غير مؤهلة فيزيولوجيا للمشاركة في الحياة العامة وللعمل السياسي ولولوج مراكز القرار ومشاطرة النساء ذاتهن لهذه المقولات بفعل عوامل التشريب والترسيخ التي يخضعن لها عبر مسلسل التنشئة الاجتماعية.

-عدم تجانس فئة النساء حيث أنهن لا يشكلن شريحة اجتماعية موحدة سواء على الصعيد السوسيولوجي أو الإيديولوجي. فإيديولوجيا نجدهن منقسمات حسب التجوهات السياسية المتواجدة في الساحة: إن أغلبية النساء مناصرات للتيارات المحافظة ( حزب الاستقلال، حزب العدالة والتنمية…)، بينما يبقى الانتماء إلى اليسار ضعيفا من الناحية العددية، لكنه مؤثر من الناحية الكيفية؛ حيث ان اغلب المكتسبات التي حققتها المرة المغربية في مجال الحقوق والمساواة وعدم التمييز والمشاركة كانت نتاجا لاستجابة الدولة لمطالب الهيئات المدنية ولتنظيمان النسائية اليسارية.

 وسوسيولوجيا  تظل الأغلبية الصامتة من النساء غير معنية بقضايا المشاركة، وتبقى الحركة النسائية غير متجذرة في النسيج المجتمعي و منعزلة عن جماهير النساء خاصة القروية، الأمر الذي يزيد من عمق الإقصاء والهامشية ومعاناتهن المزدوجة من ثقل التقاليد الأبوية واستفحال مظاهر والأمية والفقر وضعف مستويات التمدرس.

 

*كاتب من المغرب

منبر الحرية، 07 غشت/اب 2014

 

المشاركة السياسية للمرأة المغربية: مكتسبات ومعيقات, 4.0 out of 5 based on 7 ratings

 

ما رأيك؟