مشروع الدولة المدنية بالعالم العربي: الآليات و المالات

♦ يونس بلفلاح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

يزداد الحديث عن ماهية الدولة و طبيعة الحكم بعد الحراك العربي الواسع، حيث شهدت سنوات الاستبداد استحوذا لناصية القرار عند الحاكم الواحد و إقصاء ممنهج لباقي القوى السياسية و تغليب للهاجس الأمني عن المشروع التنموي. ودعا هذا الحراك إلى إعادة صياغة إطار مفاهيمي جديد لمجموعة من المطالب بتصورات واتجاهات جديدة، من بينها الدولة المدنية كحاضنة للتطلعات العربية من حرية و عدالة و كرامة إنسانية.
و تتكون الدولة المدنية من لفظين: “الدولة” و هي عبارة عن كيان متجسد في مساحة جغرافية و شعب و سلطة ذات سيادة معترف بها. ويعرف جون جاك روسو الدولة على أنها المجال الذي يحقق فيه الإنسان بعده الكوني بوجود حقوق الإنسان، و يؤكد على أن اختصاصات الدولة محدودة في المجال العام المشترك. أما لفظ “المدنية ” فيشار به في الأدبيات الغربية إلى معنى الحالة المدنية المناقضة لحالة الطبيعة الأولى التي عاش فيها الإنسان قبل أن توجد الدولة، كما أن تعبير الدولة المدنية هو تمييز عن الدولة العسكرية أو الدينية، إذ يبين جون لوك أن مهام الحاكم المدني منحصرة في إدارة شؤون الدولة و أن سلطته لا تمتد إلى أشكال العبادة و الإيمان.
و في السياق العربي، عرفت الدولة المدنية كأرضية مشتركة و توافقية بين الفرقاء السياسيين للتعايش و الاندماج المجتمعي، تقوم على أساس المواطنة والحقوق المدنية والمبادئ الديمقراطية. و تهدف هذه المقالة إلى وضع الدولة المدنية تحت مبضع التشريح بإماطة اللثام عن تضاريسها الفكرية و المعرفية و تحليل شروط نشأتها السياسية والاجتماعية، ثم نسبر أغوار تحديات و أفاق تحققها بالعالم العربي.

قراءة في أرومة و هندسة الدولة المدنية.
لا يوجد تعريف محدد لمفهوم الدولة المدنية بل مجموعة من الممارسات المتعلقة بها والتي تربط مقاصد الدولة بغايات المجتمع، فالدولة المدنية هي مرآة لثقافة مجتمعية وحداثة سياسية تقوم على ركائز أساسية:
• النظام الديمقراطي: ينص على إرساء دستور متوافق عليه، يوضح أدوار و مسؤوليات الدولة وينظم السلطة في إطار التداول السلمي على الحكم و ضمان التعددية الحزبية والمشاركة السياسية في مناخ تنافسي شريف و نزيه، و يشدد على أن الشعب هو مالك السلطة. إن تحصين الدولة المدنية بنظام ديمقراطي متكامل الأركان يحميها من انحرافات وسلوكيات استبدادية و يخرجها من دائرة الروابط المجتمعية التي لا تقبل الأخر كالوصاية و التبعية.
• سيادة القانون: تتم سيادة القانون ببناء الإنسان و نبذ الطغيان عبر اكتساب الدولة لشرعية الاستحقاقات الانتخابية و مشروعية الرضا الشعبي، ثم عن طريق الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء بما يكفل الزام المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة و إقامة قواعد رقابية وإجراءات فاعلة لضبط و ربط معادلة الحرية و الأمن.
• المواطنة: تعتمد المواطنة على تكريس الحقوق العامة والحريات الفردية أهمها الحقوق المدنية والسياسية وحرية الرأي والتعبير، وعلى المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والشفافية، وترمي المواطنة إلى عدم اختزال الوطن في حزب أو قبيلة أو طائفة وأنه لا وجود لأقلية في المجتمع، بل مواطنون متساوون و مساهمون في صنع القرار الوطني.
و بناء على ما سبق ولاستيعاب دقيق لشروط الدولة المدنية، وجبت مقارنة حيثياتها بمعالم الدولة الدينية و نظيرتها العسكرية. تختلف الدولة المدنية عن الدولة الدينية الثيوقراطية في المبنى والمعنى، فالأولى مهيكلة و موزعة بشكل متوازن يحفظ من استئثارها لدى فرد أو مجموعة بعينها، فالتراضي المجتمعي والتشاركية في التدبير بمثابة نبراسها في عرض البرامج و السياسات. كما تنكب الدولة المدنية على إدارة الشأن العام دون الاكتراث إلى المجال الخاص لا سيما القضايا الدينية، فالفرد نواة المجتمع يتمتع بكافة حقوقه ويلتزم بواجباته في المواطنة. و مما يلاحظ في هذا الشأن، اعتبار الدولة المدنية كمدخل خلفي للدولة العلمانية، و بالرغم من أن للعلمانية أنماط مختلفة، فالعلمانية الفرنسية المتصلبة والحادة مغايرة عن العلمانية الأمريكية التي تشجع على التدين، إلا أن ربط العلمانية بالإلحاد أحيانا و بالموروث الاستعماري أحيانا أخرى يجعل تقبلها صعبا في العديد من البنيات المجتمعية و على رأسها المجتمع العربي.
و على النقيض من ذلك، فالدولة الدينية لا تفرق بين المجال العام و الخاص وتدخلاتها في المسائل الخاصة واجب ديني، فنجد أن ولي الأمر المفوض من الذات الالهية يحتكر كل السلطات، يوظف المقدس و يحتمي بصورة المعصومية كحارس على الممارسة الدينية ومرشد للرعايا في العقائد و أداء الفروض ويطالبهم بالمساندة في المنشط و المكره.
على صعيد أخر، إذا كانت الدولة المدنية تنشأ على المرونة في التنظيم ومؤسسات ناجعة يرجع إليها للوصل والفصل في الشؤون العامة، فالدولة العسكرية تتبنى المنطق الهرمي في الإدارة والنظام الشمولي في الحكم و تبسط سيطرتها بجعل الاستثناء قاعدة، حيث تجمد القوانين المدنية و يتم اللجوء إلى قضاء عسكري و قوانين مجحفة من قبيل إعلان الطوارئ وحظر التجول، الأمر الذي من شأنه اغتيال الحريات العامة و الفردية واحتكار التسيير بتصنيف المواطنين إلى موالين أو خونة وفقا لمعايير القائد.
و نتيجة لذلك، تبقى الدولة المدنية مساحة شاسعة للالتقاء الفكري بين السياسيين ومنفذا حاميا للسلم المجتمعي من مطرقة الدولة الدينية وسندان الدولة العسكرية، فهي لا تعادي الدين بل تعتبره محددا للهوية وتؤمن المؤسسة العسكرية من مخاطر السياسة، فضلا عن ذلك توفر الملاذ الملائم للبناء الديمقراطي بالدول التي تتسم بالتنوع العرقي و الديني والمذهبي كما هو الحال بالعالم العربي.

نحو عقد اجتماعي جديد للدولة المدنية بالعالم العربي.
بعد الحراك الشعبي، شهدت الدول العربية مرحلة انتقالية لم يتم استثمارها لتكون تأسيسية للتحول الديمقراطي المنشود، فما حدث يشخص في انتقال سياسي تسابقت على إثره الأطراف السياسية على مواقع الحكم و المعارضة، تمكن التيار الاسلامي من الحصول على مقاليد السلطة ومر من التنظير الحالم بمجتمع فاضل إلى الممارسة السياسية الشائكة، ويتبين هذا جليا من خلال فشله في قيادة تحالفات وتوافقات ديمقراطية متينة، مما ترتب عنه غياب للاستقرار وتفشي للانقسام والاستقطاب العددي بين شركاء التغيير وعودة رموز الدولة العميقة و الثورة المضادة إلى تصدر المشهد السياسي العربي.
و في هذا الصدد، تحتاج الدولة المدنية إلى وثيقة دستورية نابعة من طموحات الحراك العربي في التنمية، العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد و تمكين المرأة. على نحو مماثل، يجب تعزيز أواصر الثقة بين المواطنين و مؤسسات الدولة عبر مصالحة وطنية وعدالة انتقالية تحرص على تقصي الحقائق ومحاكمة المتورطين، علاوة على تقديم تعويضات لجبر الضرر.
وبالموازاة مع ذلك، تستدعي الحالة العربية مراجعة علاقة الدولة بالمجتمع لخلق فضاء سياسي قويم و تعبئة الروح الجماعية، مما يستوجب وجود مجتمع مدني حر و مستقل يكون مصدرا للسياسة و مرسخا للمواطنة داخل التنشئة الاجتماعية عبر تخليق الحياة العامة، كما يسعى إلى توطيد مكتسبات الوعي الشعبي و صناعة رأي عام عربي يرتقي إلى القيم الديمقراطية.
استكمالا لهذا المسار، تبدو الحاجة ملحة للخروج من براثن الدولة الرخوة إلى أمال الدولة القوية عبر تغيير فلسفة المؤسسات فتصبح الأجهزة الأمنية في خدمة الشعوب وليس الأنظمة و ينصف القضاء المظلومين دون تحيز لفئة على أخرى، مع الاعتماد على الفاعل الشبابي كإكسير لإزالة العقبات و تعبيد الطريق نحو أفق أرحب للدولة المدنية الديمقراطية.
ختاما، إننا أمام ماضي جائر يتحرش بمستقبل ناشئ و مواجهة مخاطر المرحلة الانتقالية عبر إدارة التوافق الوطني و التشبث بالنظام الديمقراطي بالإضافة إلى الإصلاح الديني والتنوير الفكري تمثل مفاتيح النجاح بالنسبة لمستقبل الدولة المدنية الحديثة بالعالم العربي.
*باحث مغربي
منبر الحرية، 06 يوليوز/تموز 2014

 

ما رأيك؟