صناديق الانتخاب اليونانية تهدد أوروبا بشرور الأحزاب المتطرفة 

♦ ألكساندر سكوراس    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

ألكساندر سكوراس*

ترجمة علي الحارس

عندما توجه الأوروبيون في (25 مايو) إلى صناديق الانتخاب قاموا بفتح صندوق باندورا (الانتخابي)، والذي كان يحتوي على أحد الشرور التي كان يعتقد بأنها ذهبت في مجاهل النسيان منذ أمد بعيد، أي: الأحزاب الوطنية الاشتراكية (النازية). (من يلم بالميثولوجيا اليونانية القديمة لا بد أنه اطلع على أسطورة صندوق باندورا المليء بالشرور).

وقد كشفت نتيجة التصويت عن انتخاب ثلاثة ممثلين في البرلمان الأوروبي عن حزب الفجر الذهبي اليوناني، وليس هنالك الكثير من الأوروبيين الذين يمكنهم اكتشاف الصلة بشكل فوري، إلا أنه لن يمضي الكثير من الوقت قبل أن يروا بأم أعينهم أموال دافعي الضرائب وهي تتحول إلى رواتب لأعضاء هذه المجموعة السياسية التي لم يشهد البرلمان منذ خمسة وثلاثين عاما مجموعة أكثر وحشية وكراهية وتعصبا منها.

ولا شك في أن حزب الفجر الذهبي حاول منذ نجاحه الانتخابي السابق أن يخفي ماضيه المؤيد للنازية، لكن الأدلة على وجود هذه النظرة الحزبية كثيرة ولا يمكن دحضها.

لقد كان الاقتصاد اليوناني المتهاوي هو البيئة التي حدث ضمنها صعود حزب الفجر الذهبي من مجموعة ضئيلة من المتطرفين المتعاطفين مع هتلر إلى ثالث أكبر الأحزاب في اليونان. وأسباب الأزمة الاقتصادية اليونانية معلومة وموثقة بشكل جيد: الاقتراض المفرط، والإنتاجية المنخفضة، والفساد، ودولة الرعاية الاجتماعية المسرفة. وقد أصيبت البلاد بأكملها بالغضب في ذروة الأزمة، حيث شعر اليونانيون بأنهم تعرضوا للخيانة من قبل النخب السياسية، وصعد حزبهم النازي انطلاقا من الحاجة إلى توجيه اللوم للأجانب، والحاجة إلى الإحساس بالتميز.

ولم يكن من الصعب العثور على كبش الفداء في هذا البلد الذي كان يتصف في السابق بالتجانس السكاني، وكانت الفكرة المتداولة تقول: “إن الشعب اليوناني يعاني يوميا بسبب الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين الذين يسرقون ممتلكاتنا ووظائفنا، والذين يغتصبوننا ويقتلوننا وينشرون الرعب والقذارة في كل مكان”، وذلك بحسب تعبير رئيس تحرير صحيفة (الفجر الذهبي) خريستوسباباس (المسجون حاليا)، حيث أدلى بهذه التصريحات في مقابلة صحافية ترددت أصداؤها لدى شريحة واسعة من الشعب اليوناني (من الجدير بالذكر أن زوجة باباس كانت من المرشحين في انتخابات البرلمان الأوروبي)، ويمكن القول باختصار: لقد دفع المهاجرون ثمنا غاليا للسياسات الحكومية السيئة.

إن الحاجة للشعور بالتميز، والتي تنغرس عميقا في الهوية الوطنية اليونانية بسبب التاريخ العظيم للبلاد قبل أي شيء آخر، حصلت على الإشباع الكامل بفضل صعود نظريات المؤامرة التي تتناول كل شيء: من الاعتقاد بوجود طائرات أجنبية ترش مواد كيميائية في الأجواء، إلى مؤامرات الصهيونية العالمية للقضاء على الثقافة اليونانية، إلى الاعتقاد بأن “الإخوة الروس الأرثوذكس، بقيادة فلاديمير بوتين الذي يعتبر القائد الوحيد الذي يقف بوجه الغرب المعادي لليونانيين، سيهرعون لإنقاذ اليونان من خلال تقديم المال الذي تحتاجه لتفادي الإفلاس”. وبعد مدة وجيزة من إعلان نتائج الانتخابات الأوروبية صرّحت أحد الأسماء الصاعدة في حزب الفجر الذهبي في مقابلة مع (روسيا اليوم) بأن “روسيا تحتل الموقع الأول في أوروبا التي نريدها، فروسيا الأرثوذكسية هي الحليف الأول لليونان”.

إن هذه الحاجة إلى كبش فداء وإلى الشعور بالتميز ربما تشكل السبب الأكثر ترجيحا في تفسير ما جاء في مؤشر معاداة السامية الذي تصدره عصبة مكافحة الافتراء، حيث وردت اليونان باعتبارها أكثر البلدان عداء للسامية بعد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي هذا المناخ السياسي ارتفعت النسبة التي حصل عليها الفجر الذهبي من الأصوات (من 0.3% في انتخابات العام 2009 إلى حوالي 7% في انتخابات العام 2012)، وقد كان الكثير من المحللين يعتقدون في العام 2012 بأن الملاحقة القانونية لأعضاء حزب (الفجر الذهبي) بتهم تتعلق بالجريمة المنظمة وسجن الكثير من قادته المنتخبين، بمن فيهم الأمين العام نيكوس ميخالولياكوس، ستمنع الحزب من إحراز نتائج انتخابية أخرى، لكن الانتخابات البلدية وانتخابات حاكمي الأقاليم التي جرت في (18 مايو)، وانتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في (25 مايو) جاءت نتائجها بشكل مخالف للتوقعات، حيث حصل حزب (الفجر الذهبي) على (9.4%) من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأوروبية، وهي نسبة تكفي لصعود ثلاثة أعضاء، وكان من بين هؤلاء اثنان من كبار الضباط السابقين في الجيش. وقبل ذلك بأسبوع، شهدت أثينا، وهي عاصمة اليونان وأكبر مدنها، فوز البرلماني المرشح للمحليات عن حزب (الفجرالذهبي) إيليا سكاسيدياريس بـ (16%) من الأصوات فحصل على المركز الرابع في انتخابات متقاربة النتائج، ويشتهر كاسيدياريس هذا بأنه احتل صدارة وسائل الإعلام العالمية عندما وجه صفعة لإحدى عضوات البرلمان عن الحزب الشيوعي خلال برنامج تلفزيوني يذاع بالبث المباشر؛ ويضاف إلى هذه النتيجة ما حققه إيلياس باناغيوتاروس، مرشح حزب (الفجرالذهبي) في انتخابات الحاكمين لإقليم آتيكا، وهو الإقليم الذي يشمل أثينا وضواحيها، حيث حصل على (11%) من الأصوات وحل في المركز الرابع.

وبناء على هذه النتائج أضحى بمقدورنا الافتراض بأن حزب (الفجرالذهبي) لم يعد مجرد مستفيد من الأصوات المعارضة، فالناخب اليوناني أصبح مطلعا بشكل كامل على ما يؤمن به هذا الحزب من الانتماء إلى النازية، وإنكار الهولوكوست، واحتقار المهاجرين، والعنف الأعمى في شوارع أثينا. كما أصبح بمقدورنا الاستنتاج بأن اليونان تمتلك قوة سياسية ذات توجهات اشتراكية وطنية وتتصف بالحيوية والمتانة والخطورة.

إن أي محاولة جدية لعكس هذا المسار يجب أن تتفادى الاضطهاد السياسي، والملاحقة القانونية غير الدستورية، والجهود الأخرى لاستمالة المصوتين لحزب (الفجرالذهبي)، فاليونان تحتاج، وعلى العكس من ذلك، إلى خطاب مدني راشد يتناول شرور النازية والتوجهات الوطنية المتطرفة، والاعتراف بأن حوالي (10%) من اليونانيين صوتوا بشكل واعٍ لحزب من المتعاطفين مع هتلر. ويجب على وسائل الإعلام أن تتوقف عن استبعاد أعضاء حزب (الفجرالذهبي) من نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، وأن تسعى عوضا عن ذلك إلى تحديهم وفضحهم. وإضافة إلى ذلك يجب على الأحزاب السياسية، وخصوصا أحزاب اليمين بما فيها حزب (الديمقراطية الجديدة) الحاكم، أن يتوقف عن رعاية الشعور الخطير المعادي للمهاجرين، والذي يتفشى في جميع أرجاء اليونان، فالمهاجرون لم يتسببوا، في نهاية المطاف، بأي أذى للاقتصاد اليوناني.

وإذا أدركنا بأن من القوى التي دفعت باتجاه تأسيس أوروبا موحدة هي بالتحديد: الرغبة في الحيلولة دون صعود النازية مرة أخرى، فمن المثير للسخرية أن نجد الناخبين في مهد الديمقراطية وقد فتحوا صندوق باندورا الانتخابي ليبث شروره في أرجاء القارة الأوروبية.

* باحث أمريكي/يوناني مهتم بالشؤون المحلية اليونانية.

منبر الحرية، 17 يونيو/حزيران 2014

 

ما رأيك؟