هل سينقذ رئيس الوزراء الفرنسي الجديد بلاده من الغرق؟

♦ إيمانويل مارتين    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

إيمانويل مارتين *
ترجمة علي الحارس

هل يمر مستقبل أوروبا في هذه الأيام بمرحلة حرجة بسبب تصرفات الحكومة الفرنسية؟.
إن فرنسا تبدو بأنها عاجزة عن تصحيح مسار عجزها، مما يؤدي إلى تعريض الاتحاد الأوروبي للخطر نظرا لحجم الدور الفرنسي في هذا الاتحاد، وقد قامت المفوضية الأوروبية مؤخرا بوضع فرنسا تحت المراقبة الدقيقة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الدين المرتفع الذي ترزح تحته (94% من إجمالي الناتج الوطني)، والمستويات القياسية للبطالة، والحصة الهائلة للإنفاق العمومي من إجمالي الناتج الوطني (57%)، فمن الواضح أن هذه البلاد أصبحت رجل أوروبا المريض.
لقد بُذِلت المحاولات خلال ثلاثة أعوام تقريبا لتخفيض العجز، وكانت هذه المحاولات تتكون في الأساس من زيادة الضرائب (بما فيها ضريبة على الأغنياء اقترحها الاقتصادي توماس بيكيتي الذي نال حفاوة كبيرة تثير السخرية)، لكنها لم تؤدّ سوى إلى إعاقة الاقتصاد أكثر، والذي كان من قبلها يعاني الاختناق فعليا بسبب الإفراط في الضوابط وتخمة القطاع العام. وقد أطلق الرئيس هولاند مؤخرا تغييرا في السياسات المتبعة من خلال الاهتمام المفاجئ بالاستثمارات، بعد أن “لاحظ” أنها تؤدي إلى خلق فرص العمل والنمو، وتخفيض الضرائب قليلا في ما يخص الشركات والأسر.
ويفترض برئيس الوزراء الجديد، مانويل فالس، أن يطبق خطة استقرار تتضمن “اقتطاعات في الإنفاق” تصل إلى (50 مليار يورو) خلال ثلاثة أعوام من أجل احترام الالتزامات الأوروبية للبلاد. وينظر الكثير من المحللين والمستثمرين إلى فالس بأنه يمتلك الإرادة اللازمة لإنقاذ البلاد، وللمحافظة بشكل غير مباشر على المشروع الأوروبي، لكنهم قد يصابون بالإحباط في نهاية المطاف.
لا يكفي، لكن… في الحقيقة، إن ما يدعى “اقتطاعات الإنفاق” لن تؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض الإنفاق العمومي وإنما إلى انخفاض معدل نمو الإنفاق العمومي، حيث سيستمر هذا الإنفاق بالازدياد بمعدل (0.1%) سنويا، ولذلك فإن تخفيض (50 مليار يورو) خلال ثلاثة أعوام بهذه الطريقة بينما ستقترض فرنسا (170 مليار يورو) هذا العام فقط لا يمكن اعتباره مدعاة للطموح بشكل خاص.
وعلى الرغم من الحقيقة التي تقول بأن هذه الجهود متواضعة فإن جزءا كبيرا من الأكثرية يعتقد بأنها لا يمكن تحملها، وقد اقترحوا خطة احتياطية أخف وطأة. بل إن (41) عضوا في البرلمان امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم خلال التصويت الاستشاري على إجراءات فالس في الجمعية العمومية في 29 أبريل. كما أعلن موظفو القطاع العمومي عن إضراب كبير في (15 مايو) ضد اقتطاعات الإنفاق (وهذا مثال جيد جدا لتأثير السقاطة Ratchet Effect في الإنفاق العمومي، فعندما يرتفع هذا الإنفاق يصبح من الصعب جدا على الحكومة أن تخفضه).
وبغض النظر عما تعتقده الجهات المصلحية المستفيدة من الوضع القائم فإن هذه “الإجراءات المقتصدة” لا تكفي على صعيد الحجم، ولا هي تكفي على صعيد النطاق؛ فالإجراءات التي لجأ إليها رئيس الوزراء الفرنسي تصل في الحقيقة إلى مستوى ما يدعوه الفرنسيون “استخدام السطح الخشبي”، حيث يجري بعض التعديلات هنا وهناك. كأن يجمد أجور بعض موظفي القطاع العمومي حتى العام 2017، لكن، ما الذي سيحدث حينما يحل العام 2017؟ سيجري اللجوء حينها إلى فعل الأمر نفسه للمعاشات التقاعدية، ولذلك فإن الأمر لا يتجاوز توليد إحباط اجتماعي دون معالجة القضايا الحقيقية.
إن ما تحتاجه فرنسا هو إصلاح حقيقي، وليس مجرد إخفاء التصدعات مرة أخرى، والإصلاح الحقيقي يمكن البدء به من خلال إعادة تعريف دور الحكومة ووظائفها، مع التفكير الحقيقي بالمواضع التي تحتاج فعلا إلى موظفين حكوميين من أجل تحقيق “الصالح العام”.
إن الوصول إلى تحديد واضح لـ(من يدفع) و(مقابل ماذا) من شأنه أن يساعد الفرنسيين فعلا على ملاحظة تكلفة حكومتهم، فبما أن السياسيين بارعون في تصميم مخططات تمويل تتسم بالتعقيد وانعدام الشفافية، يجب أن يزداد شعور الناس بأن “الخدمات العمومية” و”الدعم الحكومي” و”حقوق الرعاية الاجتماعية” إنما يجري دفعها باستخدام “أموال الآخرين”؛ وحينها فقط يمكننا أن نصل إلى استنتاج عقلاني بشأن الحاجة إلى انخفاض ضخم في الإنفاق العمومي، وإلى تقليص حجم الرغبات.
ولا شك في أنه من أجل ضمان حصول الانتقال بسلاسة، وأن يستطيع القطاع الخاص امتصاص هؤلاء الأشخاص، فإن فرنسا قد تحتاج إلى المزيد من المرونة في سوق العمل، وهو على العكس تماما من الإجراءات “الحمائية” الراهنة المتعددة (كالعائق الجديد الذي يجعل من المستحيل العمل بدوام جزئي لرب عمل واحد أقل من 24 ساعة في الأسبوع).
إذن، فالأمر لا يقف عن حدود عدم كفاية الـ(50 مليار يورو) من اقتطاعات الإنفاق، وإنما يصعب تخيل كيفية تدبر هذه الاقتطاعات، مهما كانت الذرائع، وذلك خصوصا عندما نعلم بأن التوقعات التي تقوم عليها أمثال هذه “الإجراءات المقتصدة” تفرط في تفاؤلها.
ترشيق الجهاز البيروقراطي؟
من الإصلاحات التي تمتلك إمكانيات مثيرة للاهتمام: ما أعلن عنه من تقليص عدد المناطق إلى النصف في العام 2017، والسيطرة على الحكومات المحلية التابعة لكل منطقة، وعلى الرغم من أن السياسيين المنحدرين من هذه المناطق رحبوا بهذا الإجراء قائلين بأنه لن يؤدي إلى تسريح أي موظف عمومي من عمله، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل دائما، ولن يمكن للحكومات المحلية التابعة للمناطق أن تختفي من الوجود إلا في العام 2021.
يبدو الأمر كما لو أن فالس لجأ إلى هذه الإجراءات الرمزية من أجل “إغواء” المفوضية في بروكسل والمستثمرين، فالمفوضية قامت فعلا مرتين بتأجيل احترام الالتزامات في ما يخص العجز، وأعضاء المفوضية يفقدون صبرهم يوما بعد يوم. وإذا كانت فرنسا محظوظة بما يكفي للاقتراض بأسعار فائدة منخفضة استثنائية، لتصبح ثاني أكبر سوق للديون في أوروبا، فإن هذا الحظ لن يستمر إلى أجل غير مسمى.
ولا شك في أن فالس يرغب في إيقاف “بند الكفاءة العامة” الذي يتيح لأي مستوى حكومي أن يتدخل في أي ميدان يشاء، وهو بند أدى إلى هدر أموال دافعي الضرائب من خلال تضاعف السياسات. وهذه بداية جيدة لفالس يجب تكميلها بمساءلة مالية أعظم، لكن هذه المساءلة ليست مدرجة بشكل محدد في أجندة فالس.
إن دولة الرعاية الاجتماعية في فرنسا، والتي تتصف بمركزيتها الهائلة ونمطها الشركاتي وعملها على إعادة توزيع الثروة، والتي أنشأت قطعانا من الجهات المصلحية المستفيدة من الوضع القائم، يبدو أنها تقف حجرة عثرة في درب أي جدل أو إصلاح متين وديمقراطي وشفاف.
وبشكل عام يمكن القول بأن إجراءات رئيس الوزراء الفرنسي الجديد لا تمس “النموذج الفرنسي” المقدس، وإنما هي تجعله أكثر هشاشة وتكلفة للأجيال الشابة، وتؤجل الإصلاحات الحقيقية. ومن المثير للسخرية والحزن في الحين نفسه أن الفرنسيين يحاولون الحفاظ على ما يدعونه بمنظومة “التضامن” لكنهم سيقومون في نهاية المطاف بالتصرف على نحو أناني وتحميل الفاتورة على كاهل أجيال المستقبل، والذين لا يمكنهم التصويت حاليا.
* مدير المعهد الأوروبي للدراسات الاقتصادية، ومحلل في مؤسسة أطلس للبحوث الاقتصادية.
منبر الحرية، 13 يونيو/حزيران 2014

 

ما رأيك؟