مصر تحاكم رئيسين سابقين

♦ عزمي عاشور    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

لم يحدث أن كان في مصر فرعونا سابقا لا في الثلاثة آلاف سنة التي حكمت فيها الأسر الفرعونية ولا في الفترات اللاحقة لهم من حكم الرومان ومرورا بالفتح الإسلامي والعهود المختلفة التي شهدت ولاة وحكام مختلفين إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث وتأسيس الدولة المصرية على يد محمد على قبل قرنين من الزمان… وحتى عندما تولى المصريون حكم أنفسهم عقب انتهاء حكم أسرة محمد على في خمسينيات القرن الماضي لم يخرجوا عن هذا التقليد إذا استثنيا حالة محمد نجيب إلى أن فاجأتنا ثورة 25 يناير بكل ما هو خارج التوقعات في تفاعلاتها ونتائجها على الأرض التي كان من بينها أن نشهد في غضون اقل من ثلاثة سنوات محاكمة رئيسيين مصريين سابقين أمام القضاء العادي( حسنى مبارك، محمد مرسي) جراء اتهامات وجهت إليهما لأفعال ارتكبوها في حق هذه الثورة وموجاتها المتتالية…، ومثل هذا الوضع الفريد وغير المألوف على مجتمعاتنا له دلالات كثيرة بمشهد محاكمة ثاني رئيس بالكاد أكمل سنة في حكمه بتهم شبيهه بنفس التهم التي وجهت للرئيس السابق له والذي حكم ثلاثين سنة ولم تنتهي محاكمته بعد أبرزها؛ إن المجتمع المصري على الرغم من بساطة الواقع مجتمعا مركبا من الصعب فهم تركيبته والتنبؤ بسلوكه، فهو استطاع في اقل من ثلاثة سنوات أن يعيد فرز خريطة ما يسمى بالنخبة الحاكمة السابقة واللاحقة، فأطاح بنخبة ال مبارك وان بقيت لهم أنصار ومدافعين حتى الآن، ثم ما لبث أن وجد المؤسسة العسكرية نفسها تحكم ونتيجة لأخطائها في الحكم كادت أن تقلب حالة الحب التي قوبل بها الجيش من الشعب في الثورة إلى عداء لولا أن تم التعجيل بإتمام المرحلة الانتقالية لتتوارى المؤسسة العسكرية في خلف المشهد ولتأتى الانتخابات بأغلبية للإسلاميين في البرلمان ورئيس من الإخوان في الانتخابات الرئاسية وليتصدر الإسلاميون حكم مصر بعقليتهم التي اثبتوا بسياساتهم وتصرفاتهم انه بالفعل توقف عندها الزمن، وكثرت لذلك أخطائهم التي استفزت الشعب في الشهور الأولى لحكمهم فكان هناك منطق ليعيد الشارع الثورة في ثوب جديد ضدهم وضد رئيسهم الذي تفوق على نهج مبارك في ديكتاتوريته ومعاداته لقيم الثورة… وإذا كان المصريون ألفوا المظاهرات والمليونيات في السنتين الأوليتين من الثورة إلا أن التطور غير المتوقع كان هو خروج هذا العدد الكبير من ملايين المصريين لتحاصر قصر الاتحادية بعد ستة أشهر من حكم مرسي وان تأتي بعد ذلك حركة تمرد في غضون شهرين تجمع 22 مليون توقيع تطالب بعزل مرسي ثم يجعلون من يوم 30 يونيو ثورة جديدة على طريقتهم كان أبطالها هذه المرة الطبقة الوسطى التي انخدع الإخوان بمقولة أنها لم تعد موجودة لتتوج بعزل مرسي ووضع نهاية لحكم الإسلاميين في مصر.
الدلالة الثانية.. أن الثورة قد برهنت أن هناك واقعا وتفاعلات على الأرض اكبر من كيان القوى السياسية وحكام المرحلتين الماضيتين من عمر الثورة والنخبة نفسها، وان هذا الواقع متوائم مع فكرة الثورة بأهدافها النبيلة، وخاصة في عملية ترسيخ فكرة الحقوق أو عملية بناء الدولة والانتقال إلى الديمقراطية … والمفارقة أن وجود هذا الواقع متجسد في الروح والوعي الجمعي للمجتمع وليس لقوى سياسية أو أي فصيل اشترك في الثورة، فالكل يجد مكانه فقط في حالة توافقه وانسجامه معه… وفي هذا السياق لم يكن مستغربا أن يتم لفظ المجلس العسكري في فترة حكمه عقب ثورة 25 يناير على الرغم من دوره في حماية الثورة إلا أن ذلك لم يغفر له لخروجه عن حالة الوعي هذه… وكان من المفروض على الإخوان أن يكونوا أكثر حصافة في قراءة هذا الواقع إلا أنهم تعاملوا معه باستخفاف واستهبال في الكثير من في تصرفاتهم المتعالية ليس فقط على الثوار والقوى السياسية وإنما أيضا على المجتمع نفسه… والنتيجة أنهم لم يكملوا سنة في الحكم ويحاكمون الآن بجرائم مماثلة لمحاكمة نظام مبارك الذي أنهته الثورة … وسيناريو لفظ الواقع لمن يخرج عن سياق الثورة نجده حدث بشكل مشابه لبعض من القوى السياسية والوجوه التي كانت مألوفة في الثورة الذين اختفوا وتواروا عندما غردوا خارج سربها، ويمكن قراءة موقف الدكتور البرادعي وغيره ممن كانوا نجوم أثناء ترشحهم للرئاسة في هذا الإطار ..
تكمن الدلالة الثالثة في انه ليس هناك بطل أو رمز يتصدر المشهد على طول الخط في الثورة المصرية وإنما ظهوره مرتبط بالموقف أو الحدث الناتج عن القراءة الصحيحة لهذا الواقع… لذلك ليس من الغرابة أن نجد أبطال ظهروا وتصدروا الواجهة في بداية الثورة ثم تواروا بعد ذلك لتظهر وجوه جديدة سواء في شكل كيانات أو عناصر شبابية مثال الألتراس وبلاك بلوك وحركة تمرد المولودة من رحم حركة كفاية. وهو ما يؤكد على حيوية الحركة الثورية التي تقترب من العمل السيمفوني الذي يظهر جهد الجميع وليس الفرد بدءا من المراحل التمهيدية للثورة ومرور بالثلاث سنوات التي مضت من عمرها… ومن هنا ليس من المستغرب أن تظهر أصوات نشاز كانت ضمن فريق العزف فيلزم إخراجها حتى يأتى التناغم مرة ثانية للثورة… وهذا أصبح بمثابة القانون المتحكم في الفعل الثوري الذي يجب أن يدركه الجميع بأنك لن تعيش بطل طول الوقت ومتصدر الساحة مهما كان دورك في هذا الواقع، فتستطيع أن تعمل وتساهم حتى لو تواريت للخلف وظهر من جديد من يتصدرون الساحة… فالعبرة هنا ليست في أن أكون البطل، وإنما العبرة أن تظل الثورة مستمرة وتحقق أهدافها التي دفع شباب كثير حياته من اجلها..وهذا الناموس وعدم إدراكه لا من المجلس العسكري في فترة حكمه ولا من الإخوان ولا حتى من الكثير من النخب والقوى جعلهم جميعا يغردون خارج السرب ويسقطون بسرعة… وهذا لن يستثنى الحاضر بحكامه ولا المستقبل بمن سوف يأتى إذا خرجوا عن نفس هذا القانون المحدد للثورة المصرية، فليس هناك قداسة لأفراد ولا لقوى سياسية وإنما القداسة الحقيقة للفعل الذي يصب في صالح هذا الواقع الذي ينتصر لقيم العدالة والحرية وفكرة الحقوق التي لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل قوة الدولة بمؤسساتها.
ومحاكمة الرئيس السابق مرسي تحمل في مجملها كل هذه الدلالات السابقة لكونها انتصرت لهذا الواقع ولفكرة الدولة والقانون والتي سبقتها بروفة مشابها وأكثر إثارة قبل وأثناء فترة حكم الإخوان بان يوضع مبارك ونجليه في القفص ويحاكمون أمام القاضي إلا أنهم، أي الإخوان، لم يقرؤوا هذه الدلالات ويستوعبوها لسبب بسيط جدا أن عقلهم توقف عند أيدلوجيتهم فقط التي تقنعهم بان الخالق لم يخلق إلا غيرهم وعندما وصلوا للحكم وأزيحوا منه بالثورة ما زالوا يعيشون في دور أنهم يحكمون ومشاهد الرئيس السابق مرسي وعدد منهم في القفص يوم 4 نوفمبر2013 خير برهان على ذلك…
*صحفي وكاتب من مصر
منبر الحرية،5 يونيو/حزيران 2014

 

ما رأيك؟