الاضطراب الاجتماعي إلى متى؟

♦ محمد عز الدين الصندوق    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 5.0/5 (1 vote cast)

قد تكون المجتمعات العربية ما قبل الحرب العالمية الأولى أكثر استقرارا مما بعدها. في ظل السيطرة العثمانية و الخمول الفكري لم تكن هناك من قوى اجتماعية متصارعة بصورة دائمة تسبب اضطرابا اجتماعيا كبيرا و خطرا. لذا كان الخمول الفكري والانعزال الحضاري هو القوة السائدة و التي كانت وراء الاستقرار السلبي لتلك المجتمعات.

بعد  الحرب العالمية الأولى و التي تشكل نقطة التحول الكبرى و الفاصل الكبير بين عهدين أخذت هذه المجتمعات الدخول في متاهات المعاصرة بعد انكسار الانعزال الحضاري . إلا أن هذا الدخول لم يكن بقوى ذاتيه تمتلكها و لا بطريق واضح تعرفه. مع ذلك كانت هناك محاولات بناء ساذجة هدفها اللحاق بالحضارة العالمية قام بها الحداثيون على اختلاف اديولوجياتهم و سياساتهم.  لقد اهتم الحداثيون ببناء المدينة مقلدين المدينة الغربية دون اهتمام ببناء الإنسان المعاصر و دون اهتمام كبير بالريف و بالطبقات الضعيفة اقتصاديا و التي تشكل النسبة الكبرى في هذه المجتمعات. و هنا ظهر صراع  قوى الحداثة المختلفة و بأشكال مختلفة  كل فريق يحاول أن يرسم طريقه الخاص في البناء. و كانت الثورات و الانقلابات المتتالية.  و كان هناك بناء و هدم مستمرين نتيجة لذلك. و كان الجميع يبني على رمال متحركة. قد لا تتحرك الرمال لفترة من الزمن ولكن لا كفيل هناك لبقائها ساكنة إلى الأبد.

على العموم  اهتمت هذه المحاولات التحديثية بالبنى المادية للمجتمع أكثر من الكيان البشري. لذا بقى الفكر الاجتماعي السائد على ما هو عليه ما قبل الحرب العلمية الأولى تقريبا إلا انه في الوقت ذاته أخذت بالتكون أجيال جديدة و بعقليات أكثر انفتاحا ومعاصرة لتشكل بمرور الزمن تيارا اجتماعيا جديدا مقابل الفكر الاجتماعي السائد ولكن هذا التكون نشأ على نطاق محدود و غير مؤثر بصورة كبيرة و نجده في الغالب في المدن. على ذلك يكون المجتمع بعد عدة عقود من انتهاء الحرب العالمية الأولى تحت تأثير قوتين أولى قوة سائدة اجتماعيا  و متجذرة و لكنها خبت بعد الحرب و بقيت كامنة و بمرور الوقت أخذت تستعيد قوتها أما الثانية فهي القوة الحديثة صاحبة السلطة و التي تكونت خلال عقود بعد الحرب و تحمل البعض من روح المعاصرة و التي لم يكن لها وجود سابق.. بسبب هاتين القوتين اخذ بالظهور صراع جديد و عدم استقرار آخر في المجتمعات العربية و الإسلامية.  الحداثيون و على اغلب مؤدلجين و والاصوليون مؤدلجون أساسا.

خلال العقد التاسع من القرن العشرين تقريبا بدء يضعف إلى حد ما صراع الحداثيون ليبرز و بصورة اقسي صراع الحداثة و الأصولية. لقد كان صراع الحداثيون متميزا بالانقلابات العسكرية و الثورات أما الفكر الأصولي فتميز بتجاوزه السلطة نحو المجتمع و مؤسساته و هنا يكون طريق الانفتاح الحضاري الذي فتحته الحرب العالمية الأولى مهددا بالانغلاق. لتعود هذه المجتمعات إلى ما كانت عليه! و لكن هل من الممكن تحقق هذا الافتراض؟ المنطق العلمي يرفض العودة المعكوسة للزمن للمنظومات المعقدة. نعم قد تتحقق هنا أو هناك حالة أو حالات تعود بالفكر الأصولي بالسيطرة و لكنه في زمن وعالم متحرك ديناميكي لا بد و أن يحاول أن يتغير من اجل البقاء. عالم اليوم هو غير عالم القرون العشرة الماضية. إن ما يهم الأصوليون إعادة السلطة القديمة وعدم الاهتمام بما هو على الأرض إلا بما يوفر لهم الاستمرار و السيطرة و كأي سلطة مؤدلجة تقوم على السيطرة على المجتمع من خلال برامجها المقبولة من قبل البسطاء الذين يمثلون الأغلبية الساحقة دون أن تستطيع أن تبني لهم جنة على الأرض المعاصرة. هذه المحاولات هي الأخرى تسبب عدم استقرار اجتماعي و فكري خطيرين. إضافة لصراع الحداثيون و الأصوليون أعلاه فان الأصوليون حالهم حال الحداثيون فهم مختلفون فيما بينهم و لكل منهم فكره المقدس و طريقه الخاص و هذا ما يقود إلى صراع الأصوليين بتياراتهم  المختلفة.

هنا نجد أن الاستقرار الاجتماعي كبير جدا و يتمثل في الأقل بثلاثة أنواع من الصراعات التي تهز المجتمعات العربية و الإسلامية. صراع الحداثيون فيما بينهم وصراع الحداثين و والأصوليين و صراع الأصوليين فيما بينهم.  في بيئة اجتماعية تعيش هذه الصراعات المتداخلة و المتشابكة يصعب فيها البناء و تجاوز حفرة الزمن التي نشأت قبل الحرب العالمية الأولى و استغرقت قرونا. و طالما كانت القوى الفاعلة تناصب العداء القاتل لبعضها البعض فلا أمل هناك للبناء المادي و لا لبناء الإنسان المعاصر. .

و متى ما استقر الوضع لإحدى هذه القوى أو أية قوى أخرى فان احتمال الاستقرار سيكون متحققا. استقرار الوضع لقوة معينة ليس المقصود به استلام السلطة بالقوة العسكرية  قدر ما يعني القبول الاجتماعي بها و هذا بحد ذاته من اعقد الأمور و أصعبها تحققا. و لكن أي وعي اجتماعي هذا يمكنه أن يقرر؟ و كيف تكوَن؟ و من ثم أية قوة تحظى بهذا القبول و يمكن لها أن تفرض سيطرتها في عالم سريع التغير تلعب فيه التكنولوجيا الدور الكبير ؟

الوعي الاجتماعي يلعب الدور الأساسي و الكبير في الصراع و عدم الاستقرار.  لقد تشكل الوعي الاجتماعي قبل الحرب العالمية الأولى على أساس ديني و قبلي عشائري…الوعي الاجتماعي المعاصر بعيد جدا في هذه المجتمعات عن التربية المدرسية و تربية الشارع و حتى الكثير من خريجوا الجامعات ليسوا أكثر حداثة فكرية من الفلاح البسيط و يختلفون عنه في تخصصهم الحديث فقط.

القوة الاجتماعية التي تمتلك القدرة على استيعاب المتغيرات باختلافها و التي تستطيع أن تبني الريف ليصل إلى مستوى مقارب إلى المدينة و التي تستطيع أن تبني الإنسان مع بناء المؤسسات الحديثة دون تفضل البناء المادي أو البناء العقائدي المؤدلج  للفكر الاجتماعي عندها من الممكن أن يتجه المجتمع نحوا الاستقرار النسبي ليبني مؤسساته الحديثة الأكثر استقرارا. عند هذا قد تبدأ مرحلة الاستقرار الايجابي الجديد و تعتبر المرحلة الحالية بمثابة مرحلة انتقالية. عملية مثل هذه تستغرق مدة ليست بالقصيرة وربما ستتجاوز القرنين من الزمن و كأي نموذج غير مستقر لا يمكن أن تستمر حالة عدم الاستقرار و لابد أن تعقبه مرحلة تخامد تدريجي .

من المؤسف أن فترة الاضطراب الحالية تستخدم الثروة النفطية و هي الوحيدة المتوفرة في البناء القلق و الهدم السريع و هذا ما يعني أن فترة الاستقرار قد تكون فترة نضوب الثروة.. و هنا يبدأ المجتمع في تكوين جيل و فكر اجتماعي يطمح للعمل الجاد و النوعي دون الاعتماد على ثروة طبيعية زائلة.

*أكاديمي عراقي مقيم بالمملكة المتحدة البريطانية

منبر الحرية،26 ماي/أيار 2014

الاضطراب الاجتماعي إلى متى؟, 5.0 out of 5 based on 1 rating

 

ما رأيك؟