الدولة الوطنية الحديثة بين مفهومي الأمن والقمع

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 1.8/5 (4 votes cast)

    تأسست الدولة الحديثة كأهم ظاهرة تاريخية اجتماعية، على عقد مواطنة “اجتماعي-سياسي” يقوم –من جملة ما يقوم عليه- على فكرة جوهرية تأسيسية مفادها أنه وحتى تسير الدولة بصورة طبيعية منتجة وفعالة لتحقيق مقاصد الفرد الكبرى في الحرية والعدالة والمشاركة وتحقيق الاستقرار والأمن والنظام القانوني العام، وتحريض أجمل ما في هذا الفرد من قيم وأخلاق عملية مثمرة، لابد لهذا “الفرد-المواطن” من أن يتخلى عن “حقه في استخدام العنف” بمختلف أدواته ووسائله في المجتمع لصالح قوننته ضمن مؤسسات الدولة الوطنية (دولة المؤسسات والحكم الصالح)، مقابل ضمان أمن الفرد وتحقيق مصلحته من قبل أجهزة ومؤسسات الدولة المتعددة التي هي وحدها من يجب –وفقاً للعقد الاجتماعي بين الشعب وممثليه المنتحبين- أن تتحمل مسؤولية التسيير والإدارة القانونية لأجهزة العنف والقوة المتصلة بحق الفرد في العيش المستقر والمطمئن والآمن.

أي أنه وفقاً لفكرة العقد التي صاغتها عقول أوروبا التنويرية، تسلب الدولة من الفرد حق العنف، وتحصره بأجهزتها المؤسسية القانونية المنظمة، ناقلةً إياه من حقل التداول في المجال المجتمعي العام إلى حقل التداول في المجال المؤسسي الخاص، لتستبدله بالسياسة والعلاقات والقنوات السياسية السلمية بين مختلف تيارات وقوى وفعاليات المجتمع القاضية بتسوية الخلافات وحل المنازعات والخصومات بين أفراد ومكونات المجتمع عن طريق القانون والقضاء الحاكم بعيداً عن لغة العنف الفردي والمجتمعي التي كانت قائمة وسائدة في العهود القبلية التقليدية (ما قبل الوطنية والحداثية) التي عجز العرب في الخروج النهائي منها حتى الآن.

والأمن -كمنظومة عمل حمائية وقائية تابعة للدولة- يحضر في كل الدول (المستبدة منها والديمقراطية)، ولكنه يختلف في أسسه وتكويناته وفكره وأدواته وطرق عمله عن مؤسسات الأمن المتنوعة في الدول غير الديمقراطية.. ففي الدول الحديثة القائمة والمؤسسة على المشاركة السياسية والفكر الديمقراطي التداولي الحر، تقوم مؤسسات الأمن على امتلاك الوعي والعلم والمعرفة والخبرة، وتكون خاضعة (إشرافاً ومراقبةً ومحاسبةً) للقانون والنظام العام وللسلطة المنتخبة شرعياً التي تدير شؤون الدولة والمجتمع، بحيث يكون الهدف من الأمن في النهاية هو تحقيق راحة وخير المواطن.

وهذه الهياكل والإدارات الأمنية القانونية يكون ولاؤها محصوراً ومتركزاً فقط في الولاء للوطن ككل، وليس للفرد الحاكم أو السلطة القائمة الحاكمة المتغيرة بين وقت سياسي وآخر، كما تكون خاضعة لأسس وضوابط ومعايير قانونية علنية وشفافة، وتشرف على عملها مؤسسات رقابية وهيئات تشريعية كالبرلمانات والرقابات، وليست مفروضة بالقوة والابتزاز الدائم من قبل مراكز قوى وشعب أمنية وفروع سرية جهازية عنيفة تابعة لنخبة عليا مهيمنة مستبدة أبعد ما تكون عن قيم المواطنة والقيم الوطنية وأخلاقيات الضمير الإنساني المعروفة.

هنا يقع الخلاف والاختلاف الشديد بين مفهوم الأمن في الدول الديمقراطية الحديثة وبين مفهوم القمع السائد في معظم دولنا العربية والإسلامية غير الديمقراطية، حيث يكون الأمن هناك في هذه الدول المشخصنة غير المدنية تابعاً للسلطة الحاكمة، وموالياً لها وعاملاً على تأمين راحتها وضمان بقائها في الحكم لأطول فترة زمنية يمكن للأمن القامع إبقائها فيها.. أما العمل على تأمين مصالح الناس، والسهر على حمايتهم وراحتهم، وتحقيق متطلباتهم واحتياجاتهم، ومنع الإضرار بهم، فهي –في وعي أجهزة القمع الرسمية لها- وظيفة ثانوية تأتي في الدرجة الثانية من حيث الأهمية بعد الحفاظ على أمن النخب الحاكمة التي تصرف وتنفق وتبذخ على مؤسسات وأجهزة الأمن (القمع) العربية، وتستثمر في بناء السجون والمعتقلات والمنافي الصحراوية أكثر بكثير مما تستثمره وتنفقه على العلم والتقدم العلمي والتقني وبناء وتطوير مختلف البنى التحتية للدولة العربية الحديثة التي بقيت –بالرغم من وجود المال والثروات والخيرات والموارد الكبيرة الهائلة من نفط وغاز وموقع جغرافي وجيوسياسي واستراتيجي فريد ومتميز- دولةً رثة ومتخلفة وأقل بكثير من أية دولة أخرى متخلفة في العالم الثالث من حيث أرقام ومعدلات التنمية والدخل القومي وحصة الفرد من الناتج الوطني.. وهذا ما لاحظناه مثلاً في دول غنية مثلاً كالعراق وليبيا واليمن ومصر بعد زوال نظم الطغيان فيها.

لقد قامت الدولة التحديثية (وليس الحديثة) العربية منذ عهود الاستقلال الشكلي عن المستعمر الخارجي على كم هائل من مفاهيم وأدوات القمع والكبت والقسر والعنف وإلغاء السياسة من المجتمع وإلغاء المجتمع من السياسة.. أي أنها قامت فقط على مفهوم وقاعدة الأمن بمعناه الجهازي الإكراهي العنفي غير المقيد والمنفلت من أية قواعد أو معايير وأسس قانونية ملزمة ورادعة ومحددة ومؤطرة بضوابط واضحة وشفافة.. حيث عملت تلك النخب السياسية الحاكمة -المهجوسة فقط بقضية الحكم المؤبد- على قسر وكسر إرادة الناس، باستخدام شتى فنون القهر والإذلال والتعذيب المعنوي النفسي والجسدي العضوي، من أجل إرجاع الناس إلى بدائيتها الأولى لتعمل بصورة حيوانية، باستمرار تخويف الفرد من الدولة وشل حركته وتكبيل قدرته وتقييد وجوده المادي ليكون –على الدوام- محتاجاً وخانعاً ومطواعاً سهل الانقياد بما يؤدي إلى إخراجه من دائرة ونطاق الفعل والتأثير في الشأن العام الواسع إلى نطاق ضيق هو الشأن الخاص الذي هو بدوره منتهك من قبل تلك الأجهزة القمعية غير الأمنية.

والمواطن العربي الذي لم يعش لحظةً واحدة بصورة سلمية ومدنية سعيدة منذ عهود طويلة، بحيث تراه مذلولاً وناقماً وشاكياً باكياً على الدوام، لم يعد قادراً على تحمل مزيد من صنوف وأنواع العذاب والقهر والإذلال اليومي من قبل تلك الأجهزة القمعية، وهو لا شك ليس ضد قيام الأمن بواجبه الحقيقي في التصدي للمجرمين، وحماية مصالح العباد، والحفاظ على الأمن القومي للبلاد، ولكنه ضد هذا الاستخدام الواسع وغير القانوني للعنف ووسائل الإكراه والتعذيب والقمع اللاشرعي واللاقانوني، وهو يريد أن يتأسس هذا الأمن الوطني على رؤية قانونية وثقافية مناقضة لمعنى القمع القائم على إلغاء الذات والفرد، وإخراجه بالكامل من دائرة الفعل السياسي والحضاري.. ليكون للأمن دور وواجب ومسؤولية في بناء الوطن وحمايته عبر تركيز أخلاق ومبادئ وقيم الوعي والحوار والسلام، والعمل على تأمين السلام المجتمعي ليتمكن كل الناس من القيام بواجباتهم في العمل المنتج بوعي وحرية وسلام وطمأنينة..

فكيف يمكن للعمل والإنتاج –الفردي والمجتمعي العام- أن ينطلق ويتحرك ويسير بوتيرة قانونية صحيحة ومثمرة في ظل هيمنة هكذا أجهزة أمنية متغولة ترهب الناس، وتتدخل في شؤونهم الداخلية، وتعمل فوق القانون، وتعتبر نفسها هي أصل وفصل الدولة، وهي روحها وقوتها المحركة؟!! وكيف يمكن لأي بلد أن يتطور وتتقدم مؤسساته وإداراته وبناه التكوينية المادية، ويكون له وجود رسمي على لوائح مختلف التصنيفات الدولية في التنمية والإنتاج والتأثير، والمواطن فيه مذلول ومغلوب على أمره، لا يؤمّن لقمة عيشه إلا بصعوبة بالغة تمتزج بالمهانة والعار والمذلة، وتنتهك فيها كرامته وحريته، ولا يشعر الفرد المواطن بالحماية القانونية وبحقه الطبيعي في العيش الطبيعي مثل باقي الناس؟!!..

إذاً، لابد للأمن من أن يقوم على مؤسسات شرعية خاضعة للقانون، وتديرها شخصيات معروفة مراقبة ومحاسبة، في ظل متابعة مباشرة من هيئات ديمقراطية منتخبة شرعياً بعيداً عن الابتزاز والعنف والأساليب السرية..

ويمكننا أن نلاحظ هنا أن معظم دولنا العربية المعاصرة تعبر أصدق تعبير عما تحدثنا عنه سابقاً، حيث لا يزال للأمن فيها الحضور الواسع والجذري، وهو مندمج بمختلف تكوينات مؤسسات تلك الدول، بحيث يصعب على المراقب أن يميز بين الأمن والعنف، أو بين الأمان والقمع، أو بين الدولة المدنية وبين الدولة البوليسية.

فقد مزجت أنظمتنا العربية على مدار عقود طويلة بين الأمن والقمع وبين الدولة التي احتلها واعتاش وتعيّش عليها رموز ونخب الأمن بالقوة والعنف والقمع العاري المادي والناعم، من خلال جعل كل مقومات ومؤسسات الدولة تابعة للأجهزة الأمنية الهائلة صاحبة الصلاحيات الواسعة في كل شيء من تعيين آذن في أبعد مدرسة إلى تعيين رئيس وزراء ونواب رئيس جمهورية.

وهذا الدمج والخلط بين الأمن والدولة كان مقصوداً بهدف تخليد وتأبيد بقاء نخبة محددة وضيقة في الحكم، تتبع لها دوائر ومراكز قوى هي الدولة الحقيقية، تسيّر وتشرف وتدير عجلة الدولة ككل من أولها إلى آخرها.. بحيث تعمل أجهزة وكأنها فعلياً حكومة ظل حقيقية ممسكة برقاب الدولة والسلطة من ألفها إلى يائها كما ذكرنا..

ولهذا رأينا أن تلك الأجهزة القمعية –وليس الأمنية- العربية أديرت ولا تزال تدار من عقول مصمتة ومغلقة وشبه معقدة نفسياً ومشوّهة روحياً، وبعيدة عن منطق الحوار والعقلانية السياسية والوطنية، وهي غالباً لم تتدرب أو تتعلم لا في جامعات أمنية متخصصة ولا في معاهد دراسية تعنى بشؤون الحماية والأمان الفردي والمجتمعي.. بل أقصى ما تعلمته تلك العقول (الجبارة والفطحلية) هو منهج عمل وأدبيات فكرية قديمة رثة وبالية ومنحطة لأحزاب تقليدية عفى عليها الزمن، وحان موعد دفن جثث تلك الأحزاب في متاحف التاريخ بعدما فاحت الروائح النتنة في كل الآفاق الكونية.

إذاً هذه العقول المفتقرة للوعي الإنساني، والمفتقدة لأدنى مواصفات ومعايير الوطنية الحقيقية والسلوك السوي العقلاني، هي من تدير أجهزة ومؤسسات ضخمة من الأمن، عمودها وهيكلها الرئيسي التوسع بالبطش والابتزاز والسحق والقتل والإجرام، وهي تمتلك صلاحيات واسعة، ويعمل تحتها عدد كبير من البشر، وتوضع تحت تصرف قادتها ميزانيات مالية كبيرة الأرقام،.. جعلتها فائقة الخطورة والتغول إلى حدود أنها مستعدة أن تدمر دولاً وتحطيم مجتمعات بأكملها فقط لتبقى باقية ومحافظةً على ثوبها الرث البالي، الذي يستجلب لها كل المنافع والمصالح، وجنة الحكم الأعلى للتحكم والسيطرة على البشر والحجر والشجر.

من هنا الناس في مجتمعاتنا العربية التي اتهموها بالإرهاب الأصولي السلفي والجهادي (مثلما اتهموها سابقاً بالإرهاب القومي واليساري)، تريد أن تعيش بأمن وأمان مع تأمين متطلبات وجودها الأساسية مثل باقي الخلق في دول العالم المتحضر.. ولهذا عندما تتحرر دولنا ونظمنا من هذه العقلية الأمنية الإجرامية القمعية التي تنظر دوماً بعين الشك والريبة حتى لنفسها، ستتحرر الناس عندنا من عقال الخوف والتخويف والإرهاب الفكري والعملي الذي هو مجرد ردة فعل على واقع قمعي شديد القسوة والعنف مورس ضدها على مدار عقود طويلة.. فماذا تتصور من إنسان تقمعه وتذله وتراقبه باستمرار وتلاحقه حتى غرف نومه، تقهره وتكسر إرادته وتحطم وعيه وإنسانيته ووجوده وترغمه باستمرار على قول ما لا يريد قوله، وتبني علانية ما يرفضه سراً؟! وهل يعتقد أحد أن ردة فعل هكذا إنسان مفترس في إنسانيته ستكون طبيعية وعادية جداً على واقع ضاغط، أم أنها ستأتي بحسب درجة الفعل بحقها وفقاً لقانون الفعل ورد الفعل؟!!..

في الواقع الناس تصنعها التجارب والتفاعلات والواقع المعاش أكثر مما تصنعه الأفكار المسبقة والخطابات الرنانة والأيديولوجيات الفارغة.. وهنا تختلف تجربتنا في عالمنا العربي والإسلامي عن تجربة الغرب عموماً، حيث أن إمكانات واستعدادات وقابليات الناس عندنا ليست أقل من تلك التي عند الآخرين في أوروبا أو في غيرها من دول العالم المتحضرة.. ولكن الفرق أن هناك دولاً انتصرت فيها الحرية والعقل والحوار والسلم الأهلي على الاستبداد والهمجية والقمع والعنف، وانتظمت فيها أيضاً أمور وشؤون الدولة والمجتمع ضمن مؤسسات قانونية عادلة منتخبة ديمقراطياً.. أما عندنا فلا تزال دولنا العربية العتيدة تعتبر المواطن عدواً لها، تجبره على رفضها ومبادلتها العداء والخصومة حتى النخاع، دافعةً إياه باستمرار لرفضها ومواجهتها بالقوة والعنف مثلما واجهته هي بالقمع والحديد والنار.. بحيث أنه بات مرغماً على مد يده للشيطان الرجيم من أجل التخلص منها نتيجة أفعالها الشائنة التي ارتكبتها بحقه أجهزة أمن قمعية منفلتة من عقال القانون والأخلاق الوطنية، لا همّ ولا اهتمام لها سوى استدامة وجودها اللاشرعي –بأي معنى أنساني أو ديني أو عقيدي أو ..الخ- على رأس حكم فردي شبه مطلق.

من هنا هؤلاء الناس في بلداننا ليسوا ذئاباً كما تعتبرهم نظمنا العتيدة، بل هم بسيطون وطلباتهم وحقوقهم ليست كثيرة أو صعبة التحقق، فهم يريدون المشاركة في صنع القرار ومسؤوليات بناء دولهم ومجتمعاتهم، ويريدون الحصول على حقوقهم في موارد وثروات بلدانهم، ومنع احتكار السلطة من قبل فئات محددة لا تتعدى نسبتها الثلاثة أو الخمسة بالمائة من السكان، وهو لهذا لم يعد يريدون أجهزة قمع أمنية عنيفة تذلها وتستعبدها وتكبل إرادتها، بل هم يريدون الأمن والأمان، ولكن بميزان الخضوع للقانون والنظام العام، والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة شعبياً، وبضمانات دستورية عملية تجعل الأمن نفسه تحت سقف القانون والمحاسبة الدائمة الشفافة والعلنية.. فلا حرية مسؤولة ومنتجة بلا وجود شبكة أمن وأمان مجتمعي واعي ومسؤول، ولا أمان حقيقي عامل ومقتدر وموثوق بلا حرية وضمانات قانونية.

*كاتب سوري

منبر الحرية،26 مارس/آذار 2014

الدولة الوطنية الحديثة بين مفهومي الأمن والقمع, 1.8 out of 5 based on 4 ratings

 

ما رأيك؟