مصر ما بعد 30 يونيو بين الشرعية وشرعنة السلطة

♦ إكرام عدنني    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

د.إكرام عدنني*

ما الشكل الجديد للحكومة المصرية المقبلة؟، سؤال يتردد على لسان الكثيرين سواء داخل مصر أو خارجها، وخصوصا وأنه بات من المؤكد أن لا عودة لحكومة محمد مرسي كما يمني أنصاره أنفسهم بذلك.

لم يكن مشروع الانتقال الديمقراطي بمصر سهلا منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 والتي أدت إلى تنحي محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011. هذه الثورة التي حملت شعارات عدة أبرزها “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” ستعيش تقلبات ومخاضات عسيرة ابتدأت مع وصول محمد مرسي وأحمد شفيق إلى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية 2012، ثم فوز محمد مرسي برئاسة مصر ما بعد الثورة. واستمرت إلى يومنا هذا.

ويمكن التأكيد على أن ما قامت من أجله الثورة لم تتحقق جوانب كبيرة منه في عهد حكومة الإخوان، حيث استفحلت الأزمة الاقتصادية ولم يتخط المواطن المصري أزمات الجوع والقمع في ظل انفلات أمني خطير، مع تنفذ واضح وقوي للإخوان داخل قطاعات حساسة كالشرطة والجيش.

هذه الأمور فاقمت من الأزمة داخل مصر  وطفت على السطح ازدواجية في صور عدة، ازدواجية في الفكر، في الايديولوجيا، في السلطات، في القوى المؤيدة والمعارضة بين الدينية والمدنية، وازدواجية في مفهوم الثورة نفسها.

وإذا كان لا أحد يشكك في شرعية محمد مرسي كرئيس لمصر على أساس وصوله للرئاسة عن طريق انتخابات شرعية، وبالرغم من أنه سادت موجة من التفاؤل داخل أوساط الشعب الذي كان يحمل آمالا كثيرة بعد الثورة  إلا أن مرور سنة من حكم محمد مرسي كانت كفيلة بإيصال الأمر إلى الحافة بل إلى  طريق مسدود. هذا مع العلم أنه وفي جميع الاحوال فان  حكم دولة ما بعد الثورة ليس بالأمر الهين على الإطلاق، وخصوصا وأن الآمال والانتظارات غالبا ما تتجاوز الممكن والمتاح.

ومع أن الحل حسب العديد من المحللين السياسيين كان هو انتخابات مبكرة إلا أن رفض  محمد مرسي لهذا المقترح وتمسكه بشرعية حكمه أدى إلى ظهور حركات جديدة تمكنت من أن تجمع حولها فئات واسعة من الشعب وعلى رأسها حركة تمرد، كما أدى هذا الأمر أيضا إلى تغيير في مستوى التحالفات السياسية والايديولوجية سواء داخل أو خارج مصر.

لقد شهدت فترة ما بعد مبارك أي فترة الحكم العسكري بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي استمرار ارتفاع الديون بنسبة تجاوزت 16% مع تراجع واضح لقيمة الدين الخارجي بسبب استنزاف الاحتياطي النقدي الأجنبي، وفي هذه الظروف سيتسلم محمد مرسي الحكم عقب انتخابات رئاسية في يونيو 2012.و عند نهاية حكمه سترتفع قيمة الدين العام وبزيادة ملموسة عن القيمة التي كانت عند تسلمه الحكم.

هذا الإرث من الديون شكل عائقا كبيرا أمام تحسن الأوضاع الاقتصادية في عهد حكومة محمد مرسي، ولكن لا يمكن حصر أسباب إخفاق حكومة مرسي في العبور بمصر إلى بر الأمان في الإرث الثقيل من الديون المتراكمة فقط،  ولكن يمكن القول أيضا أن الحكومة الاخوانية لم تتمكن من تقديم استجابة فعلية لتطلعات الشعب الذي يمر بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية سيئة جدا.

فخلال سنة من حكم محمد مرسي تبين بوضوح  أن رئيس الدولة يعيش حالة من التخبط سواء في قراراته أو في الاستراتيجيات التي يتخذها مع استمرار الأزمات الخانقة والتي مست المواطنين بشكل مباشر (أزمة البنزين، الكهرباء، ارتفاع أسعار المواد الغذائية….). دون أن ننسى خطابات الرئيس الضعيفة وإخفاقه على مستوى العلاقات الخارجية وهو ما خيب آمال الشعب المتعطش للخروج من الأزمة.

كما أن فترة حكم محمد مرسي اتسمت بنهجها لسياسة أخونة الدولة، حيث تم فتح مقرات متعددة للجماعة والتي سعت وبقوة لإقحام أعضائها بكل قطاعات الدولة حتى القطاعات الحيوية منها كالشرطة والجيش والإعلام، في غياب دستور يحدد سلطات رئيس الدولة بشكل واضح. وهو ما زاد من حجم القوى المعارضة التي أحست بالتهديد من احتمالية تغيير هوية الدولة المصرية وسيطرة ايديولوجية واحدة  وتيار واحد على كل مرافق الدولة والمناصب القيادية بها.

ويمكن القول أن الرئيس محمد مرسي لم يكن قادرا على إدارة بلاد في حجم مصر وفي حجم الأزمة التي تتخبط فيها مصر، دون أن ننسى ترجيح فرضية أن من يحكم ليس هو  محمد مرسي ولكن العناصر القوية داخل الجماعة وعلى رأسهم المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف وخيرت الشاطر النائب الأول لمرشد الجماعة. والذي كان المرشح الأصلي للجماعة في الانتخابات الرئاسية قبل أن يتم استبعاده.

وبالنظر إلى حجم المعارضة لحكومة الإخوان والتي فاز خلالها محمد مرسي بفارق ضئيل عن احمد شفيق وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أزمات حقيقية من شأنها أن تؤدي بدولة مصر إلى الهاوية فقد كان من الطبيعي أن تتأسس حركات معارضة جديدة تضاف إلى المعارضة القوية الموجودة بالأساس. وفي ظل الفوضى الأمنية وبالنظر إلى استقواء الجماعة بتحالفات في الخارج، وتمسك محمد مرسي بالحكم وتأكيده على أنه الرئيس الشرعي للبلاد في ظل تهديد ضمني من الجماعة بإشاعة الفوضى في حال إزاحته عن الحكم، ورفضه لانتخابات مبكرة لاحتواء المظاهرات الغاضبة في الشارع، ستتطور حركة الاحتجاجات إلى مظاهرات حاشدة في 30 يونيو 2013،  وهي المظاهرات التي دفعت المشير عبد الفتاح السيسي باتخاذ قرار إنهاء حكم محمد مرسي بعد أن أخذ تفويضا من الشعب. ثم تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا حكم البلاد كرئيس مؤقت لحين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وكان قرار المشير السيسي بمثابة أحد أهم نقاط التحول في مسار الانتقال الديمقراطي بأحد أكبر الدول العربية التي شهدت ثورات مؤخرا، حيث خلف هذا القرار ردود فعل واسعة بين مؤيد ومعارض مع تصاعد في وتيرة الاشتباكات الدامية والعنف في المحافظات وبحدة أكبر في القاهرة.

وبين خلاف حول تسميتها انقلاب أم ثورة تم إنهاء حكم الإخوان من طرف العسكر. وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر لم تتضح ملامحها بعد، واستطاع المشير عبد الفتاح السيسي أن يخلق لنفسه شعبية كبيرة داخل مصر، وبدأ الحديث عن إمكانية ترشحه للرئاسة. ومع أن خطاباته الأولى لم تكن تشير إلى هذه الاحتمالية، بل أن المؤسسة العسكرية أقرت أن مهمتها ستقتصر على ترتيبات مدنية لضمان انتقال سلمي للسلطة عملا بمقتضيات الدستور الذي تم تعطيل العمل به ـ أي أن الموضوع كان بالنسبة لها هو تصحيح لمسار الثورة بالأساس ـ، إلا أن تصريحا جديدا له أكد فيه المشير عبد الفتاح السيسي على أنه يمكن أن يترشح للانتخابات في حال طلب الشعب ذلك وفوضه الجيش.

أثار هذا البيان عاصفة من ردود الفعل بين من رأى في هذا القرار نهاية طبيعية لمسلسل الانقلاب العسكري وبين من أيد هذا القرار ورحب بالمشير السيسي رئيسا لمصر. وإذا كان هذا يعني شيئا فإنما يعني أن هناك تحول خطير في مسار ثورات الربيع العربي حيث أن الحراك العربي أدى إلى وصول تيارات محددة إلى الحكم، وهو ما أبان عن ظهور عراقيل كبيرة في وجه تحقق الدولة المدنية الحديثة، عراقيل ذات طبيعة معرفية وسياسية واجتماعية واتجاه بلدان الربيع العربي نحو نموذجي الدولة الدينية والعسكرية.

وبالنسبة لما تشهده مصر مؤخرا من تأييد فئات واسعة من الشعب لحكم المشير عبد الفتاح السيسي فيمكن فهمه انطلاقا من دراسات المفكر الألماني ماكس فيبر للسياسة وفكر القوة، حيث ربط بين السياسة والقوة وأكد على أنه بقدر ما تصبح المجتمعات أكثر تعقيدا بقدر ما تصبح السيطرة والقوة هما الحل الوحيد لاستمرارية الدولة والسياسة. ويبدو أن المشير عبد الفتاح السيسي وبطلبه تفويضا من الشعب والجيش إنما يريد شرعنة السلطة وشرعنة استخدامها بشكل تتحول معه السلطة إلى شرف لممارسة السلطة.

ومن المؤكد أن هناك بواعث سيكولوجية تؤثر على السلوك السياسي للأفراد والجماعات وتدفع بالفرد إلى الطاعة والخضوع. وتتمثل أساس في الخوف والأمل، الخوف من الاضطرابات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المستفحلة، والأمل في تغيير الوضع ببدائل سياسية ممكنة. كما أن السلطة المسيطرة لا تكتفي بهذه الدوافع التي تحث الفرد على الطاعة فقط فهي ترغب في أن يعترف بها كسلطة لها الحق في أن تكون مسيطرة وهي تسعى جاهدة أيضا إلى أن تبدو شرعية بالنسبة للشعب وهذا ما يحدث تحديدا في مصر اليوم.

المصدر: الحياة

*باحثة في علم السياسة من المغرب

منبر الحرية،12 مارس/اذار 2014

 

ما رأيك؟