الليبرالية بعد الحراك العربي: إلى أين؟

♦ عزيز مشواط    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

عزيز مشواط* 

كشفت التطورات الحاصلة في العالم العربي منذ تفجر الحراك العربي بتونس قبل ثلاث سنوات العديد من المعطيات والحقائق السياسية والاجتماعية والثقافية. ولعل أهم ما كشفته بخصوص مساحة المدارس الفكرية والبنيات الذهنية السائدة هو معاناة  الليبرالية في فرض نفسها كتياريحظى بشعبية تؤهله لقيادة المجتمع أو على الأقل كتيار قادر على التحول إلى فاعل رئيسي فيه.

  لا أحد يجادل في أن الشعارات التي روجها الحراك العربي كانت تمتح في مجملها من المعين الليبرالي، لكن الآمال  التي فتحها هذا الحراك لتحرر الشعوب العربية سرعان ما توارت إلى الخلف  نتيجة بروز قوتين  تريان في المجتمع الحر خطرا عليهما: العسكر من جهة والحركات الإسلامية من جهة أخرى.

  وليس من المبالغة القول أن  التحديات التي تواجهها الفكرة الليبرالية راهنا هي الأخطر منذ  دخولها  في  أواسط القرن التاسع عشر إلى العالم العربي.  صحيح أن المواقف من الفكر الليبرالي قد تراوحت منذ البداية  بين  من يرى فيها الأثر الإيجابي على نهضة المجتمعات العربية ومن يعتبر أن تجربتها  في العالم العربي لم تكن موفقة،لكن التحديات الجديدة  لا تقتصر على الوسائل التقليدية من قبيل التكفير والاتهام بالعمالة وغيرها بل تتجاوزها إلى محاولة تصفية الفكرة من أساسها.

انتشرت الأفكار الليبرالية في العالم العربي منذ البداية عبر المساهمات الفردية، وبقي دور الأفراد، وليس المؤسسات  فارقا حقيقيا في الحفاظ على قوة الفكر الليبرالي. بيد انه ورغم غياب هذا البعد المؤسساتي، فمن الإنصاف الاعتراف  بالأثر الإيجابي للفكر الليبرالي على المجتمعات العربية، وهو أثر  لا يمكن أن ينكره إلا  جاحد.

يكفي أن نعرف من ضخ قيم الحرية والمساواة في العالم العربي؟ من فتح أعين النخبة  على ضرورة تجاوز ثقافة التسلط والاستبداد التي عششت لقرون طويلة في بنيات المجتمع الاجتماعية والذهنية؟ من وضع الأسس الأولى للفكر الحر؟ من طالب بتعزيز المشاركات الشعبية؟ من طالب بضرورة الفصل بين السلطات ومحاسبة الممارس لها؟ من طالب بضرورة التوفر على برلمانات تعكس الإرادة الشعبية؟ من أسس لمفاهيم التعددية وضرورة احترام الأقليات؟ من ناضل من أجل ضمان حرية التعبير وتقنينها في إطار قوانين الصحافة والنشر والتعبير؟ من رسخ أسس المجتمع المدني وضرورة عقلنة المجتمع وتنميته؟ من وراء كل  هذا؟ أليس الليبراليون الأوائل؟

القراءة الموضوعية تقتضي إذن الاعتراف بما  للمبادئ الليبرالية من يد بيضاء على المجتمعات العربية، حيث ظلت هذه  المدرسة الفكرية مرجعا  ينهل منه الفاعلون الاجتماعيون الراغبون في  إعلاء قيمة الحرية والفرد والديمقراطية. لكن لمتسائل أن يتساءل: لماذا يرتفع في الوقت الراهن أكثر من صوت هنا وهناك ليتحدث عن أزمة التيار الليبرالي في العالم العربي؟ ولماذا تطالعنا مقالات من قبيل: هل مازال لليبرالية مكان ؟

  جزء كبير مما تعانية الفكرة  الليبرالية العربية راجع إلى  نجاح المنظومات الأخرى المنافسة لها، شيوعية ، قومية، ذات نزعة اشتراكية، إسلامية في خلط الليبرالية بعدد من المغالطات والتشويهات من قبيل أنها معادية للدين، وتدفع في اتجاه الابتعاد عن الأخلاق، وكونها مرادفة للانحلال الاجتماعي. إن التصورات السائدة اليوم لا تقيم تفريقا بين عدد من المسميات، حيث تخلط بين الليبرالية والرأسمالية بل والإمبريالية. جزء كبير من هذا الخلط ناتج عن عمل مؤسساتي نجحت فيه المنظومات المنافسة. لكن شرطا ذاتيا آخر لابد من الالتفات إليه ويرتبط بالممارسات السياسية للمحسوبين على الليبرالية في العالم العربي، وهي ممارسات عمقت قلة جاذبية الفكر الليبرالي لدى الجماهير العربية .

في مصر كما في تونس والمغرب وغيرها،  ساهم الفاعلون الذين قدموا أنفسهم كليبراليين  في تسهيل مهمة التشويه. بل إن كتاب الليبرالية العربية الذي ساهم فيه عدد من أعضاء شبكة الليبراليين العرب يعترف في مقدمته:” للآسف ليس من بلد عربي واحد يخضع لحكم حكومة بإمكانها الإدعاء عن وجه حق أنها تدعم جدول أعمال ليبرالي أصيل”. هذا الاعتراف بعدم وجود “جدول أعمال ليبرالي أصيل” يمكن أن يشكل منطلق التفكير في مآلات فكرة الليبرالية في العالم العربي. ويعتبر التأمل في تجربة الأحزاب المحسوبة على الليبرالية خطوة هامة نحو وضع الحروف على النقط. لقد ظلت أغلب هذه الأحزاب مرتهنة في الغالب الأعم لسلطة الحاكم المستبد، الأمر الذي عمق تشويه الفكرة الليبرالية وسهل مهمة المنظومات المنافسة على جعل المفهوم مشوها وفاقدا للمصداقية لدى الجماهير الصارخة بآلامها.

الارتباط بالحاكم العربي المستبد سهل إذن مهمة المنظومات المنافسة على تنفير النخب السياسية من الفكر الليبرالي، لتنجح في رسم صورة سوداوية له من خلال ربطه  بالاستغلال، وبالامبريالية والاستعمار بل وبالاستبداد نفسه  وغيرها من التصورات المشينة .تكشف هذه التصورات عن  سطحية فجة ومغرقة في الانغلاق الفكري، لكن اللوم لا يجب أن يقع دائما على المنظومات المنافسة بل يتحمل فيه المحسوبون على التيار الليبرالي الحصة الكبرى من المسؤولية.

صحيح، لقد أسس الليبراليون في مصر، وهي التجربة الأبرز لليبرالية في المنطقة العربية، لأول دستور ليبرالي في المنطقة في عام1923، لكن التجربة سرعان ما اختنقت  تحت وقع المنظومات المنافسة ليصل الأمر إلى إقبارها مع التجربة االناصرية. لكن أكبر ضربة تلقتها الفكرة الليبرالية في مصر هي تلك التي شهدها عصر مبارك حيث تحالف عدد من رجال الأعمال المحسوبين على التيار الليبرالي مع نظام مبارك للاستفادة من خدمات النظام على امتداد الثلاثين سنة من حكمه. أما في تونس، فقد شكل الجناح البورقيبي ضربة موجعة للمنظومة الليبرالية، حيث كانت الفكرة الليبرالية  في النصف الأول من القرن العشرين هي الأكثر انتشارا في السوق الفكرية منذ الاجتهادات الأولى لخير الدين وصولا إلى بدايات  الحزب الحر الدستوري، لكن سيطرة  الجناح البورقيبي على الحزب كشف أن الحرية المرفوعة لم تكن سوى شعار، بعد أن أغلق منافذ حرية التعبير وحظر عددا من الأحزاب وغيرها من الإجراءات المنافية لروح الليبرالية. ولم يكن عهد زين العابدين بن علي سوى تكريسا لتشويه صورة الليبرالية بربطها بممارسات فاسدة. وفي المغرب لم يتوان الملك الراحل الحسن الثاني في وصف المغرب بالبلد الليبرالي  وتشجيع إنشاء أحزاب ووسمها  بالليبرالية مع مباركتها لممارسات قرووسطية في السياسة والاقتصاد والاجتماع.

إن الإبهام والغموض الذي يلف هذه القضايا يشكل الماء العكر الذي  يتم استغلاله من قبل المنظومات المنافسة الإسلامية والعروبية واليسارية في إطار مزايدات سياسوية كثيرة. ومن هنا فلا يمكن لفكرة الليبرالية العربية أن تنتعش إلا بإجابات واضحة وشافية عن طبيعة العلاقة المرغوبة مع أنظمة حكم تدعي الليبرالية وممارساتها موغلة في الاستبداد.

ويشكل المخاض الذي تعيشه الشعوب العربية والجدل الدائر حول التوجهات المجتمعية السليمة، فرصة مواتية وتاريخية لولادة جديدة للفكر الليبرالي العربي، فرصة قد يطول الزمن لتكرارها. فلا تستطيع كل  الدفوعات مهما كانت وجاهتها أن تقنع  الشعب العربي بحاجته إلى الليبرالية كمنهج وكفكرة، إلا إذا استطاعت الفكرة الليبرالية العربية التخلص من الشوائب التي علقت بها وخاصة شوائب العلاقة مع أنظمة الحكم غير السليم. أما الشرط الثاني اللازم فهو ضرورة أن يلمس المواطن العربي  الأثر الإيجابي لليبرالية على حياته عمليا. وهو أمر لا يمكن أن يتحقق  إلا بالتوفر على قيادات ليبرالية عربية قادرة على الانخراط في الحياة الاجتماعية بكل قوة . انخراط لا يمكن أن يتم دون مواجهة  لا يمكن تفاديها مع الاستبداد. مواجهة يجب أن تنتقل  من الكتابة والمعارضة السياسية النخبوية، إلى الانخراط في النضال المجتمعي لإيجاد الحلول لمشاكل الحياة اليومية الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية.

 إن مآل الفكرة الليبرالية في العالم العربي لا يمكن أن تستقيم إذا لم يعد الليبراليون العرب إلى القيم المجتمعية الأساسية للفكر الليبرالي الإنساني، تلك القيم التي تشكل فيها الحرية الفردية والدفاع عنها أساس الأسس. قيم تنظر إلى  المجتمع باعتباره مكونا بالأساس من أفراد لا بد من أن يحصلوا على حاجاتهم  الأساسية اللازمة من تعليم،و صحة، وكسب اقتصادي، قيم تؤسس للفرد الحر حيث تنتفي قيود الاستبداد بكل أشكالها  الاقتصادية والسياسة والدينية والاجتماعية، قيم  تسمح لإرادة الأفراد بالإفصاح عن نفسها. ومن ثمة، فإن الفكرة الليبرالية تنتظرها مزيد من الصعوبات إن هي لم تتبن قولا وفعلا شعار”لتكن لنا الجرأة على  مناهضة الاستبداد بكل أشكاله : السياسي والديني والاقتصادي”.

* باحث في السوسيولوجيا من المغرب

منبر الحرية،09 مارس/اذار 2014

 

ما رأيك؟