ذكرى إخراج صدام من الكويت: دروس وعبر

♦ شفيق ناظم الغبرا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

مرّ أكثر من عقدين ونيف على غزو العراق للكويت عام ١٩٩٠ والذي أدى إلى بناء تحالف دولي كبير بقيادة أميركية لإخراج صدام حسين من الكويت. انتهت الحرب وخرج صدام من الكويت في ٢٦ شباط (فبراير) ١٩٩١ وسط خسائر كبيرة لكل من الكويت والعراق. لقد نتج عن زلزال١٩٩٠ سلسلة كوارث سياسية: فإضافة إلى استباحة دولة عربية من قبل أخرى فقد تم تدمير الحد الأدنى من الاستقلالية العربية، بينما تراجع العراق الذي عانى من عقوبات لم ترفع إلا بعد حرب أخرى غيرت نظامه في عام ٢٠٠٣. كما نتج عن تلك الكارثة اهتزاز وضع القضية الفلسطينية في ظل ارتياح أميركي وإسرائيلي لحصول مشادة عربية – عربية حول الحل العربي والحل الدولي مما أنتج قطيعة عربية – عربية استمرت سنوات. ونتج عن تلك الحرب مزيد من الضعف في الحالة الفلسطينية في الخليج والعالم العربي والتي وجدت في اتفاقات اوسلو بعد الحرب مخرجاً مرحلياً لها. لقد فقدت المنطقة العربية بسبب عام ١٩٩٠-١٩٩١ وما نتج عنه من حشود وحرب وعقوبات الكثير من مدخراتها وقدراتها المالية ومكانتها بسبب قرار متهور ومتسرع قام به الرئيس العراقي في غفلة من التاريخ.

وعندما نعود إلى ذلك الزمن تتعزز التساؤلات عن الطبيعة الفردانية والشخصانية للقيادات العربية، فمنذ البداية سنجد أن النظام العربي بطبيعته صانع للأزمات والتوترات. فلا جغرافيا المنطقة العربية تشجع على حل الخلافات حيث قمة الغنى إلى جانب الفقر المدقع والكثافة السكانية الكبيرة إلى جانب الواحات القليلة السكان. كما لم تتطور في منطقتنا طرق حل الخلافات العقلانية المبنية على خطط وتوجهات لتعكس تنوع الجغرافيا وظروف السكان. إن هيكل النظام العربي قام منذ البداية على تناقضات مركبة عبّرت عن نفسها من خلال اجترار الأزمات وإعادة إنتاجها.

وبما أن منطقتنا حديثة العهد بالدولة، نسبة إلى عوالم الغرب والشرق، فمن الطبيعي أن تنشأ فيها حالة من المركزية والديكتاتورية. وبينما كانت مبررات الديكتاتورية التي سوقت للمواطن العربي في العقود الماضية على أنها مؤقتة ريثما تنهض الشعوب ويتعزز الإنسان من خلال التعليم والاقتصاد والأمن الذي يتطلب المركزية، إلا أن العالم العربي أدمن على الديكتاتورية ولم يدخل في تحولات تتشابه وتلك التي وقعت في آسيا بعد حكم مركزي.

والملاحظ أن النظام السياسي العربي القائم على القوة في الداخل، كما كان حال نظام صدام وأنظمة أخرى شبيهة له، سيسعى بانتظام لتصدير هذه القوة للخارج. بالنسبة إلى الرئيس العراقي لم يكن غريباً أن يحل مشكلته مع الشيعة أو الأكراد أو المعارضة أو بعض قبائل وعائلات السنّة العراقيين بالقوة والعنف، وهو نفسه لم يتردد في استخدام العنف المفرط مع دولة صغيرة جارة لحل أزمة يعاني منها ناتجة بالأساس عن قراره الخاطئ بغزو إيران. إن الشخصانية صفة ملازمة لأساليب القيادة في الوطن العربي. ليس غريباً أن العالم العربي الذي ينتج رؤساء يحكمون بلادهم لعقود هو نفسه الذي ينتج حروباً ونزاعات كان بالإمكان تفاديها.

وعندما نتمعن في حرب العراق مع إيران (١٩٨٠-١٩٨٨)، أو في غزو العراق للكويت (١٩٩٠-١٩٩١) نجد حقائق قاسية. ففي الحالتين انتهت الحرب حيث بدأت وانتهت بنتائج مدمرة على الطرفين، بل وفي الحالتين تبين أن القرار لم يكن مدروساً وأن الشخصانية والذاتية وحب السلطة والتوسع والسيطرة كانت الدافع الأهم. كما تبين أن تقدير الموقف كان ناقصاً، ولم يتجاوز بداية الحرب والأسابيع الأولى منها. في الحالتين: حرب العراق مع إيران عام ١٩٨٠ وغزو العراق للكويت عام ١٩٩٠ لم يستشر الرئيس أحداً سوى نفسه وحلقة أضيق من الضيقة من المحيطين الذين يخشون قول الحقيقة أمامه. لهذا في الحالتين لم تعبر الحرب عن الشعب العراقي. لقد وجد الرئيس السابق صدام أن مشروعه الشخصي ومجده يصطدم بإيران، ثم وجد أن مجده يصطدم بالكويت. وفي كل الحالات فالمجد المراد شخصي ومفصول عن الأمة والوطن والعراق والعروبة الأوسع.

عند التمعن في هذا التاريخ يتبين أن حرب العراق وإيران لم تكن أمراً محتوماً، كما أن إيران لم تكن تنوي شن الحرب ولم تملك القدرات لشن حرب كبيرة على العراق أو على منطقة الخليج، ويتبين أن صدام استعجل الحرب لأسباب مالية واقتصادية ونفطية. كما أن غزو صدام للكويت لم يكن أمراً حتمياً هو الآخر، بل كان قراراً اتخذه بناء على معطيات غير مدروسة وعلى خلاف مفتعل مع الكويت كان بالإمكان علاجه على مستويات عدة. لقد سبق للعراق ولكل الدول المصدرة للنفط أن عالجت خلافاتها الثانوية ببضعة لقاءات وتعديلات.

قبل غزو صدام للكويت عام١٩٩٠ بشهور قرر فجأة وبلا مقدمات انه يحتاج لإطلالة على البحر، وقرر أن جزيرتي وربة وبوبيان اللتين تغطيان أكثر من ثلث مساحة الكويت هما حاجة له، وقرر أن الكويت يجب أن تدفع له بلايين عدة وتعفيه من بلايين أخرى، وقرر أن الكويت تنتج نفطاً ليس لها، وقرر أنها تتلاعب بالأسعار. كانت اللائحة كبيرة، وقد تناقضت هذه اللائحة على كل صعيد مع قيام صدام شخصياً قبل شهور من غزوه للكويت بشكر أميرها الشيخ جابر الصباح وتقليده أعلى وسام شرف للخدمة التي قدمها للعراق. إن انتقال صدام حسين من أعلى مراحل الشكر والتقدير تجاه الكويت إلى أعلى مراحل الكره والاستعداد للتدمير دليل على شخصانية العلاقات والسياسات والحروب في البلدان العربية.

لهذا نتساءل بعد كل من حرب العراق مع إيران ثم بعد غزو العراق للكويت أو غزو سورية للبنان أو غزو القذافي لدول افريقية جارة عن أهمية الرقابة الشعبية على القرارات الكبرى، وعن ضرورة تقييد صنع قرار الحرب والسلم في بلادنا العربية، أكان هذا القرار في العلاقات العربية – العربية أو في العلاقة مع دول الجوار. فالقادة الفرديون أدخلوا العالم العربي في قضايا شتى، وأمثلة التفرد لا نهاية لها.

ولو افترضنا سلفاً، وفق نظرية المؤامرة، أن ما وقع من حروب كان انعكاسا لسعي الأجهزة العالمية وإسرائيل لتدمير الحد الأدنى من القوة العربية، ولو افترضنا أيضا أن الأجهزة العالمية والأميركية أرادت موطئ قدم حاسم في منطقة الخليج بعد الحرب الباردة، سيصبح السؤال: ألم يتعلم هذا النمط من القادة من الكمائن التي نصبت لهم عبر التاريخ؟ ألم ينصب كمين لعبد الناصر(رغم الفارق الكبير بين صدام وعبد الناصر) في حرب ١٩٦٧؟ مع ذلك لم يعتدِ عبد الناصر على أرض ليست أرضه بل سعى لتحرير أرض وقع عليها اعتداء هز وجدان كل الأمة العربية والإسلامية وما زال. الكمائن تنصب، ولكن إلى متى نسير معها وكأننا شركاء فيها؟ هذه ضريبة النظام غير الديمقراطي المستمر في بلادنا والذي يتمتع حتماً بقصر النظر والتسرع في شؤون الداخل كما وشؤون الخارج.

في كل منعطف ستبرز الحالة الفردية. في الحالة المصرية كان كامب ديفيد مفاجأة. في الحالة اللبنانية كان اغتيال رفيق الحريري مفاجئاً وكان اغتيال عشرات الصحافيين والسياسيين الناقدين للنفوذ السوري في لبنان هو الآخر مفاجئاً، وقد فوجئ العالم العربي بسورية في لبنان، والعراق في الكويت، والآن إيران في سورية وفي العراق، و»حزب الله» في سورية وسابقاً القذافي في أفريقيا. كل هذا يعكس طريقة إقليمية في التفكير لا تحترم حقوق الإنسان في الطرف الآخر. ففي كل غزو تعذيب وإعدامات وانتهاك لحق الحياة. نتساءل: متى يبرز الإطار الديمقراطي الذي يجعل قرار الحرب والسلم وقرار التنازل أو الصمود نتاج حوار وطني جوهره المواطن وقضاياه لا أحلام القادة وطموحاتهم المنفصلة عن الواقع.

المصدر: الحياة

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

منبر الحرية،3 مارس/آذار 2014

(Visited 163 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟