العرب: ثورات وعنف وحركات تغيير

♦ شفيق ناظم الغبرا    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

 

رغم مرور ثلاثة أعوام ونيف على الثورات العربية يتساءل الكثيرون عن طبيعة النتائج وما آل إليه الوضع منذ العام ٢٠١١ حتى الآن. فقد احتل شبان عرب من دول عربية عدة سلسلة من الميادين العربية امتدت من تونس ومصر إلى البحرين واليمن وسورية وليبيا والمغرب. كانت تلك بداية إعلان جيل جديد دخوله على خط السياسة والتغيير. لكن نظراً لفقر الممارسة السياسية بسبب الموانع والقوانين والاحتكار الرسمي على مدى عقود جاءت المشاركة على شكل ثورات وانتفاضات ذات طابع عفوي مفاجئ، وهذا كشف بدوره عن الممارسات القمعية ضد المتظاهرين وأوضح أمام المواطن العربي مدى عمق الفساد والاستئثار في النظام العربي. لقد فتحت الثورات الباب أمام الأجيال الجديدة والمهمشة وأوضحت مدى توق العرب للتغيير بعد طول جمود. وبينما يشعر الكثير من العرب، وخصوصاً في صفوف نخب متنوعة، بخيبات أمل من جراء ثورات العالم العربي، إلا أن الثورات لم تكن سوى بداية شائكة في طريق طويل ومتعرج الهدف منه السعي لبناء عالم عربي أكثر حرية وحرصاً على تنمية نفسه بنفسه في ظل قيم للعدالة والتعامل الإنساني تجاه كل مواطن. وعبر الثورات وميادينها اتضح مدى عمق الألم العربي، واتضحت دموية أنظمة كالسوري والليبي مما دفع بالثورة السورية والليبية إلى العنف المسلح. واتضح في الوقت نفسه أن لدى الشعوب حلماً (مهما بدا بعيداً) يحركها ويمدها بالطاقة والقدرة على التحمل.

لكن الشعوب الثائرة والأجيال الشابة لم تكن في وضع يؤهلها لاستلام سلطة بعد ثورة، فقد تفجرت الثورات عندما وصلت الشعوب إلى لحظة غضب لا تؤجل ممزوجة بلحظة تفاؤل وحلم بمستقبل أفضل. لهذا شكلت الثورات بداية لوضع جديد. هذا الدخول المفاجئ والسريع إلى عالم الممارسة السياسية لجماعات وأجيال وقوى وفئات من كل أطراف المجتمع مثل أكبر ثورة في الواقع العربي، وهو بطبيعة الحال أرعب الكثير من النخب المسيطرة وأخاف العديد من الأقليات، كما أنه فتح الباب واسعاً لأخطاء وسلوكيات وممارسات على أيدي القوى الجديدة سيمثل نقدها جزءاً من حالة إنضاج الممارسة السياسية لفئات شعبية لم يسبق لها أن شاركت في عمل سياسي. لقد مثلت الثورات أجرأ محاولة شعبية عربية للتعبير عن الحاجات والمطالب الشعبية والفردية التي لم تنجح الأنظمة العربية، المنشغلة بتعظيم نفوذها وسلطتها، في التعامل معها.

وفي كل ما وقع وحلّ بمنطقتنا لن نعود إلى النظام العربي القديم. لقد سقط هذا النظام في أماكن واهتز في أماكن وتناقض في أماكن أخرى بفعل ثورات الشعوب. كما أن فهمنا كعرب لدور الدولة ودور النظام السياسي ومكانة الحرية هو الآخر يتغير كل يوم، فمن الخضوع لدولة منحازة غير مساءلة تميز بين مواطنيها إلى البحث عن نظام سياسي عادل ودولة مؤسسات تقع المسافة بين الثورات والمستقبل. فلا سورية ولا مصر ولا أي من الدول العربية الأخرى ستستطيع العودة إلى واقع ما قبل 2011. فكل محاولة بهذا الاتجاه لن تعدو أكثر من أن تكون سعياً للتأجيل وشراء الوقت.

إن التحدي الأكبر أمام العرب يمكث في المستقبل وحساباته ومصاعبه في ظل التعامل مع قوى جديدة نشأت من رحم الواقع العربي. يجب أن يكون الهدف الأساسي والشغل الشاغل للأنظمة وللنخب إشراك هذه القوى والتشارك معها على قاعدة سياسية أكثر انفتاحا واستيعابا في ظل عدالة واضحة وحرية مضمونة. إن النخبوية العربية والنظام الفردي الديكتاتوري بدأ يسقط مع الثورات، وهو حتماً مصاب بشيخوخة مزمنة، لهذا يسقط على مراحل عبر الإصلاح الطوعي (كما بدأ يقع في المغرب عبر إصلاحات الملك وحركة المجتمع) أو عبر الثورات في كل أطراف وأجزاء الوطن العربي.

إن الوعي يتغير والمعرفة تتغير، وما عدم قراءة هذا الواقع بدقة إلا تمهيد لانهيارات في أماكن لم تصلها الثورات. نحن فعلا نعيش خيارا قاسيا بين خوف النخب القديمة من جهة وبين استحقاقات الإصلاح التدريجي من جهة أخرى، لكننا نعيش أيضا في ظل تناقض أصعب منه: فشل الإصلاح أو السير في طريقه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيارات السياسية العربية.

لقد أراد عربي الميادين من الأجيال الشابة أن يكون وطنه العربي مكاناً للبقاء ومكاناً للبناء لا مكاناً للهجرة، ففي الكثير من البلدان العربية يتحول كل شاب وشابة وكل مواطن إلى مشروع هجرة هرباً من التمييز الرسمي والقانوني الذي يعشش في الواقع العربي، وهرباً من سيطرة نخب مغلقة تحتكر الاقتصاد والسياسة وتمنع تكافؤ الفرص ولا تتواصل إلا مع من يشبهها.

لكن العربي الجديد أراد لنفسه الحرية ليكون مثل كل مواطن في مجتمعات العالم، أراد أن يعبر عن رأيه بحرية من دون أن يؤدي تعبيره إلى التعسف والفصل والتعذيب. ولو حصل وتظاهر وأثر على مجرى الحياة في بلاده، أراد من بلاده ومؤسسات الدولة أن تراجع نفسها وتعيد النظر في سياساتها قبل أن تنزل به العقوبات التي تعمق الجروح. أراد المواطن الذي احتل الميادين أن تنحاز بلاده إلى الحرية وإلى حقه في تغيير حكومته بصفتها حقاً طبيعياً وطريقة في إيصال الأفكار ونقد الأخطاء ومواجهة الظلم. أليست الحرية الضمان الأهم لمنع الظلم وللحد من التطرف؟

لقد نجح العربي الجديد في هز النظام العربي الذي همشه، وهذا ساهم في بناء الأرضية لمواجهة بين مبادئ الحرية ومبادئ الديكتاتورية، كما ساهم في بدء صراع مكشوف بين الماضي والمستقبل نرى صوره في سورية وفي مصر وفي أرجاء المنطقة العربية. صراع الإصلاح أو الثورة، وصراع الجيش أو الحكم المدني، والصراع على مكانة مدنية الدولة نسبة لإسلاميتها (تونس وغيرها) وصراع الحرية والعدالة والحقوق وحق تغيير النظام السياسي والاحتجاج مقابل الاستعباد والمصادرة أصبحت قضايا يناقشها الشعب ويتحرك من خلالها جيل الشباب.

المصدر: الحياة

 * أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

منبر الحرية،16 فبراير /شباط 2014

 
  1. أتفق معك في أن طاقم الحكام العرب بحاجة للتغيير ابتداءً من مشيخات وإمارات الخليج العربي، وانتهاءً بمملكة المغرب، لكن يجب أن يكون البديل متكافئا مع التضحيات التي تقدمها الشعوب العربية في سبيل ذلك، وأعتقد أن ذلك بعيد المنال لأسباب عديدة أهمها على الإطلاق في رأيي: غياب النخبة المثقفة الحريصة على بناء وطنها دون انتظار مقابل. والدور الطاغي لقنوات الإعلام المضللة والموجهة لجماهير متواضعة الثقافة والوعي ـ فالتضحية مستمرة!

    أما فيما يتعلق بسوريا فأعتقد أن الأمر بدأ ثورة صادقة، لكن انتهى بها الحال إلى أن أصبحت حرب بالوكالة وساحة لتصفية الحسابات؛ وحرب بالوكالة بين تيارات متناقضة وجارفة. فالثورة السورية (كما تُسمى) هي ميدان للصراع بين روسيا وأمريكا، وبين السلفية والليبيرالية، وبين السنة والشيعة، وهي موقعة لتصفية الحسابات بين أنظمة الحكم الخليجية والنظام السوري.. وهكذا..

    والخلاصة: أنا لست متفائلا في المستقبل ـ على الأقل المستقبل القريب.

    VA:F [1.9.22_1171]
    Rating: +1 (from 1 vote)

ما رأيك؟