الجذور القانونية للتخلف الاقتصادي في الشرق الأوسط

♦ تيمور كوران    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

ترجمة: علي الحارس

من الألغاز الصعبة التي يصادفها من يقرأ تاريخ العالم: الكيفية التي سقط بها الشرق الأوسط في هاوية التخلف الاقتصادي؛ فإذا رجعنا إلى القرن التاسع نجد الأوروبيين وهم مندهشون من الأسواق الكبرى (البازارات) التي اشتهرت بها هذه المنطقة، لكنهم لم يلقوا بالا إلى منظومتها الاقتصادية التي كانت تستند على الإسلام في نواحٍ مهمة، والتي لم تتعامل بودية مع عملية خلق الثروة. وفي أواخر القرن الثامن عشر اشتد أزر الثورة الصناعية في الغرب فبدأ الشرق الأوسط تظهر عليه حالة من الفقر النسبي، وحينها كانت أوروبا الغربية تنمو بوتيرة أسرع بكثير، وتوسعت الفجوة التي تفصل بين المستويين المعيشيين في هاتين المنطقتين.
يشيع الاعتقاد حاليا بأن الإسلام أدى إلى تخلف الشرق الأوسط بسبب تثبيطه للتجارة والابتكار، لكن العصور الوسطى تشهد بأن الشرق الأوسط كان حينها يرحب بالتجار على نحو ملحوظ، فكان رجال الأعمال في الشرق الأوسط يهيمنون على معظم المناطق المحاذية له، وانتقل الملايين من الناس في أفريقيا وآسيا إلى الإسلام بهدف الاستفادة من البنية التحتية التجارية للإسلام؛ كما إن الشرق الأوسط لم يوصد أبوابه يوما في وجه الابتكار، فخلال الألفية التي سبقت الثورة الصناعية كان التغيير لا يكف عن الحدوث في منظومات الضريبة وبنى الحوكمة. أما ما جعل هذه المنطقة تتخلف عن الغرب فليس التوجه المحافظي أو معاداة التجارة، وإنما هو فشل المؤسسات التقليدية في إنتاج محفزات تشجع على الابتكار التنظيمي في الاقتصاد الخاص، فالمنظومة التجارية في الشرق الأوسط استمرت دون تغيير منذ العصور الوسطى إلى العصر الحديث لأن التجار والمنتجين والمستثمرين كانوا يفتقرون إلى الأسباب التي تدفعهم نحو المطالبة بالتغيير الذي كان من شأنه أن يضع أسس الاقتصاد الصناعي في هذه المنطقة.
تضمنت الثورة الصناعية العمل على الإنتاج بسعات هائلة باستخدام تقنيات جديدة، وكانت أوروبا الغربية قد توصلت فعلا إلى تطوير الوسائل التنظيمية اللازمة لذلك، فكانت المشاريع تتمكن من تحريك مدخرات بأرقام عالية وصبها في استثمارات كبيرة تتولاها شركات غير مقيدة بأمد محدود. وعلى الرغم من أننا ننظر إلى هذه الإمكانيات في يومنا هذا على أنها من البديهيات، فلقد كانت تمثل في ذلك الحين تحديا كبيرا في الشرق الأوسط. وبينما كان من السهل نقل التقنيات المادية الجديدة بسهولة بين القارات، فإن الوسائل التنظيمية التي أتاحت للغرب استخدام التقنيات الجديدة بكفاءة لم يكن من الممكن نقلها بمحض الرغبة؛ فسوق الأسهم يتطلب منظومة قانونية تناسب الإجراءات الاستثمارية المعقدة، والمهن الساندة المتنوعة، والمدارس التي تتولى تدريب المهنيين. وبينما كان الغرب يتقدم صناعيا، كان الشرق الأوسط يعاني من غياب بنية تحتية قانونية قادرة على إسناد شركات كبيرة ذات استمرارية طويلة.
وحلت خمسينيات القرن التاسع عشر والمستثمرون في الشرق الأوسط لا يزالون يتعاملون ماليا مع التجار والمنتجين عبر شراكات إسلامية لم تتغير منذ القرن العاشر تقريبا. وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية، وهي القانون السائد في الشرق الأوسط حتى وقت غير بعيد، لم تحدد حجم أو مدة الشراكة، فإن الواقع العملي يشير إلى أن عدد الشركاء الذين يساهمون بالعمل أو برأس المال لم يكونوا يتجاوزون الاثنين في العادة، ونادرا ما كانوا يتجاوزون الستة؛ كما درجت العادة على أن تكون مدة المشروع قصيرة جدا. ولم تتحول الشراكة الإسلامية إلى تنظيم شركاتي، أي أنها لم تكن شركة تتمتع بمكانة قانونية وحياة خاصة بها؛ فالشريعة الإسلامية تقضي بأنه إذا مات أحد الشركاء قبل انتهاء المهمة المتعاقد عليها، فيجب تصفية أصول الشراكة وتوزيع حصة المتوفى على الورثة.
ولا شك في أن المشروع التعاوني الذي يتوقف بسبب موت أحد الشركاء يمكن استئنافه من قبل باقي الشركاء وورثة الشريك المتوفى، لكن منظومة الإرث الإسلامية لا تجعل ذلك أمرا مرجحا؛ فبحسب القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدس للمسلمين، يجب الاحتفاظ بثلثي العقار لأقارب المتوفى، ذكورا وإناثا، وهذه القاعدة تجعل من الصعب المحافظة على الاستثمارات الناجحة مع تعاقب الأجيال، وقد تدبر المستثمرون الرياديون في الشرق الأوسط أمر تقليص خطر الإيقاف المبكر للمشاريع إلى الحد الأدنى من خلال الإبقاء على مشاريعهم صغيرة الحجم وقصيرة الأمد.
ولقد كانت أوروبا الغربية تستخدم النوع نفسه من الشراكة في أوائل الألفية الثانية، لكن الكتاب المقدس، وبخلاف القرآن الكريم، لم يحدد منظومة بعينها لتقاسم الإرث، وقد أحدث هذا الأمر فرقا كبيرا من خلال إتاحة مقدار من المرونة في عملية نقل الثروة التجارية عبر الأجيال. ففي المناطق التي مرت بها الثورة الصناعية أولا، كانت منظومة الإرث تستند إلى حق البكورة، فحين يموت رجل الأعمال تذهب ممتلكاته إلى ابنه الأكبر، وقد أدى الاعتماد على هذه المنظومة إلى تخفيف خطر الإنهاء المبكر للشراكات لأن من السهل في هذه الحالة إعادة تأسيس الشراكة من جديد.
إن الفروق بين ترتيبات الإرث في المنطقتين كان لها تأثيرات هائلة على تطور المؤسسات بمرور الوقت؛ ففي أوروبا التي توسعت فيها الاستثمارات وحصلت على الاستمرارية، برزت ضغوط شجعت على ابتكار أشكال تنظيمية أكثر تقدما، وتقنيات استثمارية، وأساليب محاسبية قياسية، وشركات مساهمة، ومصارف وأسواق أسهم، وصحافة تعنى بشؤون الاستثمار ومعالجة مشكلات التواصل والتنسيق التي بدأت بالبروز بسبب ارتفاع مستوى النشاط الاستثماري. أما في الشرق الأوسط فلم تحدث أمثال هذه الابتكارات لأنه لم يكن هنالك أحد يشعر بالحاجة إليها.
ولهذا نرى الشرق الأوسط وقد أصبح متخلفا لا لشيء إلا لأن التطورات التقنية جعلت من الأفضل استخدام الأشكال الحديثة لتضافر مساهمات العمل ورأس المال. وعندما نرى الغرب قد أنشأ المشروعات التي توظف الآلاف من العاملين ومالكي الأسهم، فإننا نرى الشرق الأوسط وهو يفتقر إلى الوسائل التنظيمية اللازمة لمنافسة الغرب في هذا المجال.
وهنالك مؤسسة إسلامية مهمة أدت إلى تخلف التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط، وهي مؤسسة (الوقف)، وهي استئمان غير شركاتي يؤسسه فرد ما بغرض تقديم خدمة ما على نحو لا ينقطع. ولقد كان هنالك في الشرق الأوسط قبل العصر الحديث عدد كبير من الخدمات العمومية التي تستمد تمويلها من الأوقاف، ومن ضمنها عدة خدمات تتولى الحكومات تقديمها في أيامنا هذه. وكان الأفراد يزودون الأوقاف بالأصول المالية بسبب اعتقاد شائع يرى بأن تحويل الأصول المالية إلى أملاك وقفية يمنحها مكانة مقدسة، مما يجعلها محصنة ضد المصادرة. وكان يمكن لمؤسس الوقف أن يعين نفسه متوليا عليه طيلة حياته، وهذه المكانة تتيح له تخصيص راتب له، وتعيين العاملين، وتحديد من يخلفه في الولاية على الوقف؛ وقد كانت عائلة المتولي تستفيد من هذه الامتيازات، بل إن هذه الفائدة كانت تشمل سلالته مع تعاقب الأجيال.
وعلى الرغم من منافع الوقف التي تشمل الواقف بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، فإن للوقف مضاره أيضا، والتي تفاقمت على نحو خطير بمرور الوقت؛ فمفهوم الوقف يتطلب أن يتصف تنظيمه ووظائفه بطبيعة لا تتغير، ولهذا فإن تغير الظروف مع حركة الزمن جعلت منفعته تتضاءل شيئا فشيئا؛ وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفيهما بدأت الاقتصادات الغربية إعادة تخصيص الموارد بغرض استغلال التقنيات الجديدة، بدا من الواضح أن الوقف في الشرق الأوسط أصبح عاجزا عن القيام بوظيفته، لكن موارد الوقف لم يكن من الممكن نقلها بسرعة إلى أوقاف جديدة؛ أما الغرب فقد نجا من المشكلات المماثلة لأنه استخدم أسلوب التنظيم الشركاتي، وهو تنظيم ذاتي الحوكمة (وبالتالي فهو يتمتع بالمرونة)، لتقديم الخدمات التي يتولى الوقف تقديمها في الشرق الأوسط. وكانت الجامعات الأوروبية تنظم على أساس أسلوب التنظيم الشركاتي، أما مثيلاتها في الشرق الأوسط (المدارس) فكانت تنظم على أساس أسلوب الأوقاف.
وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت دول الشرق الأوسط بإطلاق إصلاحات تهدف إلى التحديث الاقتصادي، وكانت الإصلاحات، بكافة حالاتها، تتضمن فرض منظومات قانونية علمانية. وهكذا قامت الإمبراطورية العثمانية وإيران ومصر بإنشاء قوانين للشركات والعقود والمجالس البلدية وأسواق الأسهم، ولم تكلف نفسها حتى بالتوافق اللفظي مع المبادئ الإسلامية. ولاقت هذه الإصلاحات ترحيبا من الناس الذين كانوا يلتزمون بالمؤسسات الإسلامية الكلاسيكية، فهذه المؤسسات كانت جدواها الاقتصادية قد دفنت تحت غبار الزمن مع كل ما لها تجارب ناجحة في سالف العصر والأوان.
ولا تزال هذه الإصلاحات الجوهرية تتمتع اليوم بقبول واسع، فحتى في السعودية التي تعتمد الشريعة الإسلامية قانونا للبلاد، استطاعت الثقافة القانونية المحلية أن تستوعب المؤسسات السياسية ذات المنشأ الغربي؛ كما إن العديد من المؤسسات المستوردة بدت مقبولة حتى في أعين الإسلاميين الذين يقولون بأنهم يرغبون بإقامة النظام الاجتماعي على أساس الإسلام. لذلك فعندما نرى المنطقة وهي لا تزال ترزح في ظل التخلف، فإن السبب لا يتمثل في غياب المؤسسات ذات الأهمية الحيوية للإنتاج الصناعي والحياة الاقتصادية الحديثة.
ومع ذلك فإن الماضي المؤسساتي للشرق الأوسط يظل شبيها بالحاضر؛ فمشاركة هذه المنطقة في التجارة العالمية لا تزال محدودة خارج إطار النفط، ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن المنطقة دخلت إلى القرن العشرين وهي تمتلك قطاعات اقتصادية خاصة معاقة مؤسساتيا ولا تمتلك القدر الكافي نسبيا من رأس المال. كما إن التاريخ المؤسساتي للمنطقة يتحمل المسؤولية أيضا عن ضعف المجتمعات المدنية فيها. وعلى الرغم من كل ما يمتلكه الوقف من موارد اقتصادية، فإنه لم يستطع لعب دور وسيلة للمشاركة السياسية غير المركزية، بل إن مجرد وجوده كان سببا في إيقاف تطور تقليد المنظمات ذاتية الحوكمة خارج إطار الدولة، وهي عامل أساسي من عوامل المجتمع المدني القوي، وهذا من الأسباب التي يجعل معظم دول المنطقة ترزح تحت سلطة الحكم الفردي المستبد.
إن المشكلتين اللتين يعاني منهما الشرق الأوسط المعاصر (ضعف القطاع الخاص وضعف المجتمع المدني) هما من العواقب غير المقصودة للمنظومة القانونية التقليدية في الإسلام، والتي أخذت شكلها الكلاسيكي إبان العصور الوسطى.
* أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية والدراسات الإسلامية في جامعة دوك.
(يعتبر من الأسماء التي يرجع إليها الباحثون في مجال الشؤون الاقتصادية للشرق الأوسط. من مؤلفاته: الإسلام وحب الثروة.. المآزق الاقتصادية للتوجهات الإسلامية؛ الافتراق القديم.. كيف أدت الشريعة الإسلامية إلى تأخر الشرق الأوسط؛ الحياة الاجتماعية والاقتصادية في إسطنبول إبان القرن السابع عشر.. لمحات من سجلات المحاكم (تحرير، في عشرة أجزاء). ويعمل كوران حاليا على مشروع كتاب يتناول تأثير المؤسسات الإسلامية على تشكيل الأنماط السياسية في الشرق الأوسط).

منبر الحرية،9 فبراير /شباط 2014

 

ما رأيك؟