في هندسة البناء السياسي العربي الجديد

♦ عياد البطنيجي    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/5 (0 votes cast)

سيبدأ المفكر الموريتاني السيد ولد أباه بسلسة مقالات سوف تنشر تباعاً على صفحة الاتحاد كل اثنين. وهي مقالات في غاية الأهمية نظراً لأنها تأتي في سياق عربي متحول وبالغ التركيب. حيث يبين فيها الكاتب أن السمة الغالية على أوضاع المنطقة هو انهيار نموذج الدولة الوطنية العربية من الداخل وتفكك بنية النظام الإقليمي العربي. وهذا يقتضي إبداع مدركات ومفاهيم نظرية وأدوات مؤسسة جديدة.

وفي مقالته الأولي التي نشرت الاثنين الماضي، يقترح بناء نمط جديد من الهندسة السياسية، وذلك من خلال الانتقال من نموذج السيادة الأحادية المطلقة ضمن إقليم وطني كامل الاستقلال إلى نمط من البناء السياسي الجديد بدوائر سيادية متعددة وأشكال من التمثيل متنوعة انسجاماً مع واقع قائم.

وهي فكرة جديرة بالمتابعة والتأمل إذ تتسم بالجِدة كونها غير مسبوقة على الإطلاق حيث تخترق التصور النظري للدولة الحديثة التي تواجه مشكلات عويصة في محاولة إعادة استنباتها في التربة العربية. وسيستكمل الكاتب هذه الأفكار في الحلقات القادمة وندعو المهتمين بإشكاليات الدولة العربية بمتابعتها باهتمام بالغ.

ما يطرحه السيد ولد أباه من خلال التحول من نمط السيادة الأحادي المطلق إلى نمط السيادة المتعدد، يعتبر بحق منظوراً سياسياً وقانونياً مختلفاً عن المرجعية الحداثية المحضة التي ما تزال تسود الخطاب الثقافي العربي. فهذا الطرح يموضع نفسه في سياق ما أفرزته النظرية النقدية والنظرية السياسية والقانونية ما بعد الحديثة من مفهومات سياسية وقانونية في ما يخص شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع تتجاوز تلك العلاقة الكلاسيكية التي يتم اختزالها بمفهوم الديمقراطية (الأغلبية) المبنية على فكرة التمثيل السياسي.

ويجاري هذا الطرح الجديد والمختلف، النقد المعاصر وما بعد الحديث للفكر السياسي والقانوني في الدراسات السياسية والقانونية المعاصرة. ويظهر ذلك في ما يجري الآن تسويقه من مفاهيم جديدة وبديلة، مثل المطالبة بالديمقراطية التشاركية، على سبيل المثال لا الحصر. التي تقوم على فك احتكار الدولة لصناعة القرار وصياغة المجال العمومي من جديد على نحو مختلف، وهو ما يطلق عليه “صعود المجتمع” أو “السياسات التحتية”  أو “السياسة من أسفل” وهي كلها مفاهيم لا ترتكز على فكرة التمثيل السياسي بشكله الكلاسيكي. وفي نهاية المطاف ترمي هذه المنظورات البديلة إلى الحد من القبضة المركزية للدولة الحديثة التي تتحكم بالمجتمع وتحدد الأفعال والأقوال من منطق أسبقية أفعال الدولة على أفعال البشر. ومفهوم سيادة القانون مثال آخر على هذا التحول النقدي للخطاب المعرفي المعاصر.  فالدراسات القانونية النقدية تنبذ فكرة سيادة القانون، والفقه القانوني لما بعد الحداثة يذهب إلى أن القانون ذكوري، يرفض النظريات الكبرى التي تزعم أنها تمتلك معرفة تامة بالخبرة البشرية، فأرسى بذلك أسساً جديدة للدراسات القانونية وحدد شكل جديد لحكم المجتمعات. وهذا الطرح جديد ومهم في ظل التحولات العربية الجارية على قدم وساق، لأن سيادة القانون الذي تطالب به الأجندة البحثية العربية للعديد من المركز المتخصصة في الأبحاث السياسية والقانونية التي تسود العالم العربي. فالدراسات القانونية النقدية تحذر من هذا المفهوم وبخاصة في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلدان العربية، لأن الاختلاف في التصورات المعيارية والخلفيات الاجتماعية والثقافية تؤثر في أحكام وقرارات القضاء والمحامين وواضعي القانون وغيرهم من الموظفين في المجال القانوني. كما لوحظ أن الهيئات الإدارية والتنظيمية في المجتمعات المعاصرة تستحوذ على حرية تصرف واسعة في ممارستها للسلطة العامة مقارنة بما يستحوذ عليه المجتمع، ولا يوجد من يوجه خطابها إلا قوانين عامة مبهمة يكتنفها الغموض ويقوم في معظمه على الاستثناءات المتعددة التي تعطل اطراد القاعدة القانونية، وهذا يترتب عليه عدم توازن في ديناميات التطور ومسار الحركة وبخاصة في المجتمعات الانتقالية كما هو الحال في بلدان الربيع العربي. ولذلك يجب التحسب لمآل هذا المسار الخطير من خلال الانفتاح على آراء الفقه (القانوني والسياسي) لما بعد الحداثة.

فالمطلوب هو أن نفهم التحولات المعرفية الجديدة التي يمر بها حقل الدراسات الاجتماعية المعاصر، لكي نساهم في تطويرها والاستفادة منها في ترشيد الواقع السياسي والاجتماعي للبلدان العربية، والانفتاح على الخبرات التي تنطوي عليها تجارب المجتمعات ما بعد الكولونيالية وهي خبرات تجد متسعاً لها في منظورات ما بعد الحداثة أكثر من منظورات الحداثة التي عانى منها المجتمع العربي أشد معاناة لما مرت بها من مآسي وحروب طاحنة بسبب فرض أنموذج أحادي للسيادة أو للهيمنة وللسيطرة في سياق مجتمعي نابض ومركب وشديد التعقيد لا ينسجم مع فكرة السيطرة الأحادية التي تتمحور حول مركز متعالي يلغي فكرة التنوع والتعدد التي تنطوي عليها المجتمعات العربية. والنتيجة هي منازعات طاحنة لم تفضِ إلى شكلٍ سياسي ومجتمعي أرقى بل كرست التخلف والإلحاق  والتبعية.

إن طرح السيد ولد أباه يؤدي إلى إنتاج بحثي مبتكر بما قد يمهد إلى تحولٍ في البراديغم المعرفي السائد حسب تعبير توماس كون. وهذا يستلزم منا الإطلاع على المدارس والتيارات الجديدة مثل المنظور النسوي، ما بعد الحداثة، والدراسات القانونية النقدية، والفقه القانوني لما بعد الحداثة، والمناهج الجديدة في إدارة الدولة في ظل مجتمع متعدد الثقافات والهويات وهو ما يناسب المجتمع العربي أكثر من المرجعية الحداثوية التي يستند إليها الخطاب العربي السائد.

 

* باحث في مركز خلاصات للدراسات السياسية بفلسطين.

منبر الحرية،15 يناير /كانون الثاني 2014

 

ما رأيك؟