على خلفية الاتفاق حول الملف النووي الإيراني

♦ نبيل علي صالح    
تقييمك لهذه لمقالة
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.0/5 (3 votes cast)

على خلفية الاتفاق حول الملف النووي الإيراني

أين العرب؟ وماذا عن حواراتهم واتفاقاتهم الداخلية؟!!

     في السياسة عموماً لا توجد نصوص ثابتة ولا “تابوهات” أو مطلقات مقدسة، كما لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة.. فكل العداوات والصداقات خاضعة بالمعنى السياسي العملي للغة المصالح وحسابات الواقع وموازين القوى والعلاقات التبادلية النفعية.. فماذا لديك –كمجتمع وكدولة- من أوراق قد تلعبها، ويمكن أن تؤثر بها على خصمك وعدوك، لتقوي موقعك ووجودك؟!! وماذا يمكن أن تقدمه للآخر على طاولة التسوية والتفاوض؟! وكيف تتنازل في اللحظة المناسبة دون خسائر كبيرة تذكر؟.. ثم ماذا ستكسب من وراء تنازلك في موقع هنا وموقع آخر هناك؟!…

وبهذا المعنى تغدو السياسة مجالاً للمناورة، وتغيير موازين القوى، وتدوير الزوايا الحادة، والارتكاز على ممكنات التغيير للبدء بتسويات الحلول النهائية الحاسمة المرضية لكل أطراف الصراع..

 

ولكن كل ذلك كبديهيات سياسية نظرية، يحتاج –لدى النخب والنظم والدول ومختلف القوى السياسية- إلى قاعدة وبنية عميقة وواسعة من الخبرات والتجارب السياسية والاجتماعية التراكمية المؤثرة، المفضية بدورها إلى رجحان كفة العقلانية السياسية البراغماتية المفتوحة وغير المغلقة على أية كفة أخرى، قد تكون مليئة بلغة جامدة وشعارات الأيديولوجية التمجيدية الخطابية لأصحاب النضالات الوهمية الدونكيشوتية الذين كانوا أول من خرق وكسر وانتهك حرمة المبادئ والقيم السياسية والإنسانية العليا آمنوا بها، ودافعوا عنها…

وللأسف هذا النمط المتطور من الوعي السياسي المتوازن، هو ما نفتقده نحن في عالمنا العربي الذي لا يزال مجاله السياسي (بكل ما فيه من نظم ونخب وتنظيمات وأحزاب وتيارات ووالخ، وبالرغم مما فيه من موارد وثروات هائلة يمكنها أن تشكل دعماً قوياً للسياسة) مغلقاً على لغة الحتميات والمطلقات، ومحكوماً بعقلية التمجيد ولغة السياسات الحدية الشعاراتية البعيدة عن وعي حركة التحولات وإدراك حجم التغيرات المتعددة المتحركة في واقع سياسي عالمي بات المتغير فيه هو الثابت الوحيد.. بما يدفع إلى عدم التأثر والاستجابة الإيجابية السريعة الفاعلة على تلك المجريات والمتغيرات في ما نسميه بــ”وعي اللحظة” واقتناص الفرصة السانحة..

 

ونتيجة لهذا الجمود السياسي، ولهذه العقلية الغرائزية (لا يهمها سوى البقاء بالحكم) غير التسووية (الرافضة لمنطق التنازل المدروس)، نلاحظ أن خسائر العرب السياسية وغير السياسية كانت على الدوام كبيرة للغاية.. وحالة الاستنزاف الاقتصادي والسياسي –التي يتسبب بها أو يدفع باتجاهها سادة البراغماتية السياسية الدولية- لا تزال شغالة على طول الخط حتى الآن..

 

وأمامنا الآن، نموذج واضح للتعاطي السياسي البراغماتي مع متغيرات الواقع، المنطلق من أفق سياسي مفتوح على لغة المصالح المتبادلة، واقتناص فرص و”ثغرات” السياسات والتوازنات الدولية.. إنه الاتفاق النووي الإيراني الغربي الذي وقّع مؤخرا، والذي تمكنت من خلاله إيران، من تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية، كان من أهمها الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة في الخارج، وتعهد القوى الغربية (5+1) بعدم فرض عقوبات جديدة على صادراتها البترولية، إضافة إلى تقديم تسهيلات اقتصادية أخرى كان النظام الإيراني بحاجة ماسة لها لاحتواء وتسكين مطالب شعبه الذي بدأت معاناته من العقوبات الدولية المفروضة تتصاعد وتزداد..

ويبدو أن إيران التي قطعت أشواطاً بعيدة في ملفها النووي، وباتت على مرمى حجر من صناعة “القنبلة النووية” أدركت أن الوقت حان للمهادنة المؤقتة مع الغرب والتي قد تمتد لأعوام مقبلة بعدما ضاقت بها السبل الاقتصادية، وأنهكتها الأوضاع الاقتصادية السيئة جراء الحصار والعقوبات..

 

ونحن هنا لا نمجد ونهلل لهذه الاستجابة الإيرانية التي جاءت بعد خسائر اقتصادية كبيرة عانى ولا يزال يعاني منها المجتمع الإيراني، مع أن صناع القرار الإيراني اقتنصوا الفرصة الملائمة لتقديم تنازلاتهم والحد من خسائر بلدهم السياسية والاقتصادية، والبدء بالبناء على ما تحقق، ولكننا نشير إلى أن إيران حققت فعلياً كدولة اعترافاً دولياً بدورها ومكانتها وقوتها الإقليمية، بما توفر لدى قيادتها من عقلية سياسية ذرائعية، مع أنها لا تزال تجتاحها قيم الثورة، و”مبدئيات” الخط الأيديولوجي الديني التمامي الثابت.. فهي نفسها من يمارس أعلى درجات البراغماتية السياسية في مفاوضاتها وتراجعاتها وتسوياتها وعلاقاتها لخارجية..

وفي اعتقادي أن أهم ما حصلت عليه إيران لم يكن اعتراف العالم بحقها في التخصيب السلمي (حتى 5 بالمائة لغايات سلمية) ومكانتها كدولة نووية، بل اعتراف العالم كله بمكانتها ودورها الإقليمي (وهذا ما يخيف دول الإقليم المجاور لها، وخاصة في دول الخليج).. وإمكانية تحولها -من خلال هذا الدور والمكانة- لتصبح عضواً فاعلاً ومساهماً قوياً في بناء المجتمع الدولي، وإرساء قيم العدالة الدولية.. في محاولة من الغرب لاحتوائها وتدجينها وتحويلها من عنصر سلبي مارق وملاحق إلى عنصر إيجابي مشارك ومثمر ومتابع.

 

لكن للأسف تبقى المشكلة عندنا نحن العرب (أصحاب العقل الإطلاقي، إما نكون أو لا نكون).. حيث أن كل الدول وكل المجتمعات تتحرك وتنطلق وتنزع لتسوية مشاكلها وخلافاتها وأزماتها (الداخلية والخارجية) بعقل بارد وأفق مفتوح على إمكانات التسويات المتوازنة (والحد من سلسلة الخسائر المستمرة)، لتأخذ مكانها بين الأمم والقوى الكبرى، وتحاول حيازة احترام وتقدير العالم.. فهاهو حتى “الولي الفقيه”، يتصالح مع “الشيطان الأكبر” بعد عداء مستحكم لأكثر من ثلاثين عاماً، بما يمليه ويفرض على أهل المنطقة كلهم توازنات جديدة وخريطة سياسية جديدة، وربما يفرض عليهم أيضاً التزامات حيوية على مستوى الموارد والتغييرات الجيواستراتيجة في المنطقة، قد يكون العرب بعيدين عنها، ودافعين لأثمانها الباهظة..  بينما تجدنا نحن العرب عجزنا حتى عن إدارة مجرد حوار داخلي بين بعضنا البعض، بين الشعوب والحكام، بين تيارات وفصائل السلطة والمعارضة، بين مختلف مكونات وجماعات وتيارات السياسية المتنافرة والمتنازعة، بما يؤدي لإيقاف النزف والدم والخسائر الهائلة..

وهاهي مصر وتونس وليبيا وسوريا وغيرها من دول (الربيع العربي!!)، عجزت الجامعة العربية عن إيجاد أي حل، بل مجرد حل لأزمات تلك الدول الوجودية، التي اشتعلت فيها نيران التغيير السياسي، وبدأت مجتمعاتها بالنكوص نحو الوراء على كل المستويات والأصعدة.. فهل يعقل أن تصبح دولة عريقة كسوريا -مثلاً- ساهمت في تأسيس كل من جامعة الدول العربية، ومنظمة الأمم المتحدة منذ أكثر من ستين عاماً، على الحالة المأساوية النازفة التي أضحت عليها، والعرب والعالم يتفرجون (وكثير منهم يتدخلون سلباً) على الصراع الدموي الدائر فيها، والذي كلف أهلها وشعبها مئات آلاف الضحايا وملايين المشردين وملايين البيوت المتهدمة وعشرات آلاف المفقودين…ووالخ؟ ولا أحد يتحرك بقوة لوقف شلالات الدم، والبدء بالحوار؟..

السياسة سلام وأمن وطمأنينة، وتعاون مثمر للبناء والتطوير والخلق والابتكار.. والحوار وسيلة لتحقيق أرقى الممكنات السياسية وغير السياسية.. فهل من حوار ومجيب؟!!..

* كاتب سوري

منبر الحرية،12 يناير /كانون الثاني 2014

على خلفية الاتفاق حول الملف النووي الإيراني, 2.0 out of 5 based on 3 ratings
(Visited 96 times, 1 visits today)

 

ما رأيك؟